مناره الشرق

نتمنى ان تنضم الى اسره المنتدى وتكون عضو فعال
نرحب بآرائك دائما

ثقافى وعلمى يعمل على بث روح الشرق بالعلوم العربيه


روايه اولاد حارتنا للاديب العالمى نجيب محفوظ

شاطر
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7221
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

35و36و37

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 10:07 am


(35)
لم يعطف عليه النوم إلا قبيل الفجر إذ عانى من الخوف كثيراً. وزاره طيفها في هلوسة المخاوف كما تساقط أوراق الياسمين على حشائش جافة تسعى بينها الحشرات. كابد الأوهام التي تلدها الظلماء في البيت الغريب. وقال لنفسه في الظلام : "ما أنت إلا غريب في بيت الثعابين، تطاردك جريمة ويهتز قلبك بالعشق". ولو ترك وشأنه ما رغب غير السلام والدعة. وما خاف الثعابين قدر خوفه الغدر من ناحية ذلك الرجل الذي يتعالى شخيره في فراشه، فمن أدراه أن شخيره صادق؟ وما عاد يطمئن إلى ذكر شيء. حتى دعبس المدين له بحياته ستذيع حماقته السر فيثور زقلط وتبكي أمه وتندلع النيران في الحارة التعيسة. والحب الذي شده إلى هذا البيت، وإلى حجرة رفيقه مروض الثعابين، من أدراه أنه سيعيش حتى يصرح بمكنونة. هكذا لم يعطف عليه النوم إلا قبيل الفجر بعد أن عانى من الخوف كثيراً.
وفتح عينيه المثقلتين عندما نضحت النافذة المغلقة بنور الصباح. رأى البلقيطي جالساً في فراشه متقوس الظهر، يدلك بيديه المعروقتين ساقيه وتحت إبطه وابتسم في ارتياح رغم الدوخة الملمة برأسه لقلة النوم. لعن الأوهام التي تعشعش في الرأس في الظلام وتتبدد في في النور كالخفافيش. أليست أوهاماً جديرة بسوء ظن قاتل؟ أجل، إن أسرتنا المجيدة تجري في دماها الجريمة منذ القدم. وسمع البلقيطي يتثاءب بصوت مرتفع متماوج كالحية الراقصة فهاج صدره وراح يسعل طويلاً بشدة حتى خيل إليه أن وجهه سيلفظ عينيه. ولما سكت السعال تأوه الرجل من الأعماق فقال :
- صباح الخير.
وجلس على الكنبة فالتفت البلقيطي نحوه ووجهه ما زال محتقناً من السعال وقال :
- صباح الخير يا معلم جبل، يا من لم ينم من الليل إلا أقله.
- لعل وجهي متغير؟
- بل أذكر تقلبك في الظلام والتفاتات رأسك نحوي كالخائف! يا لك من ثعبان! ولكن ثعباناً غير سام وحق العينين السوداوين.
- الحق أني أرقت لتغيير مكان النوم.
فضحك البلقيطي قائلاً :
- أرقت لسبب واحد وهو أنك كنت تخافني على نفسك، قلت سقتلني ويسلبني نقودي ثم يدفني في الخلاء كما فعلت أنت بالرجل الذي قتلته.
- أنت..
- اسمع يا جبل، الخوف شديد الإيذاء، والثعبان لا يلدغ إلا عند الخوف!
فقال جبل في انهزام خفي :
- إنك تقرأ ما ليس في الصدور.
- إنك تعلم أني ما جاوزت الحق يا موظف الوقف السابق!
وترامى صوت من الداخل ينادي بقوة : " يا سيدة تعالي"
فشعشع روحه بانبساط غير متوقع. هذه الحماقة الزجالة في وكر الثعابين، التي قضت بالبراءة وجذبته إلى شجرة الآمال المورقة.
وقال البلقيطي وكأنه يعلق على نشاط شفيقة :
- النشاط يدب في بيتنا منذ الصباح الباكر، فتنطلق هاتان البنتان إلى الطريق لتعودا بالماء والمدمس لتطعما أباها العجوز ثم ترسلاه بجراب الثعابين ليلتقط لنفسه ولهما الرزق.
وحلت السكينة بقلبه، وشعر بأنه عضو في هذه الأسرة، وفاضت نفسه بالمودة، فنزع إلى فتح صدره والتسليم إلى مقاديره في عفوية لا تقاوم فقال :
- يا معلم، بالحق سأقص عليك قصتي.
فابتسم البلقيطي وتشاغل بتدليك ساقيه فعاد جبل يقول :
- إني قاتل كما قلت، ولكن لي قصة.
وقص عليه قصته. ولما فرغ قال الرجل :
- يا لهم من قوم ظالمين، أما أنت فرجل شهم ولم يخب نظري فيك.
واعتدل في جلسته باعتزاز ثم قال :
- من حقك الآن أن أبادلك صراحة بصراحة، فاعلم إني أنتسب في الأصل إلى حارة الجبلاوي.
- أنت!
- نعم، وفررت منها في صدر شبابي ضيقاً بفتواتها!
فقال جبل والدهشة لم تزايله بعد :
- هم شقاء حارتنا.
- نعم، لكن لا ننسى حارتنا رغم فتواتها، ولذلك أحببتك عندما عرفت أصلك.
- من أي حي كنت؟
- من حي حمدان مثلك.
- يا للعجب!
- لا تعجب لشيء في هذه الدنيا، لكنه تاريخ مضى من بعيد، فلا أحد يعرفني الآن ولا تمرحنة نفسها التي تربطني بها صلة قربى.
- أعرف هذه السيدة الشجاعة، ولكن من كان غريمك من الفتوات؟ زقلط؟
- لم يكن في ذلك الوقت إلا فتوة حي حقير.
- قلت هم شقاء حارتنا!
- أبصق على الماضي بكل ما فيه.
ثم بلهجة فيها إغراء :
- اشغل نفسك من هذه الساعة بمستقبلك، وها أنا أكرر لك القول بأنك تصلح حاوياً ماهراً، ولنا مجال مريح في الجنوب من هنا بعيداً عن حارتنا، وعلى أي حال ففتواتكم وأتباعهم لا يظهرون في هذا الحي. لم يكن بطبيعة الحال يدري شيئاً عن فن الحواة ولكنه رحب به باعتباره الوسيلة التي ستلصقه بهذه الأسرة فتساءل بنبرات فضحت رضاه :
- أتراني أصلح لذلك حقاً؟
فوثب الرجل إلى الأرض في سرعة بهلوانية ووقف أمامه بجسمه القصير وقد كشف طوق جلبابه عن شعر كث أبيض وقال :
- أنت موافق، لم يخب نظري في شيء قط.
ومد له يده فتصافحا ثم قال الرجل :
- أصارحك بأني أحبك أكثر من أي ثعبان عندي.
فضحك جبل في نشوة طفل، وشد على يد الرجل ليمنعه من الذهاب حتى وقف متسائلاً ثم قال باندفاع لم يجد حيلة في منعه :
- يا معلم، جبل يطلب القرب منك.
فابتسمت عينا البلقيطي المحمرتان وتساءل :
- حقاً؟
- نعم ورب السماوات.
فضحك البلقيطي ضحكة قصيرة وقال :
- كنت أتساءل متى يا ترى يفاتحني في ذلك! نعم يا جبل فلست أحمق، ولكنك الرجل الذي أعهد إليه بابنتي مطمئناً، ومن حسن الحظ أن سيدة فتاة ممتازة كما كانت المرحومة أمها!
واعترى ابتسامة الابتهاج في فم جبل ارتباك غير خاف كما يعتري أطراف الزهرة اليانعة الذبول، وخاف أن يتبدد حلمه بعد أن صار في قبضته وغمغم :
- لكن..
فقهقه البلقيطي قائلاً :
- لكنك تطلب شفيقة! أعلم هذا يا ابن والدي، أخبرتني به عيناك وحديث الصغيرة ومعاشرة الثعابين والحيات فلا تؤاخذني فهذه طريقة الحواة فيما يعقدون من اتفاقات.
تنهد جبل من صميم القلب، وشعر ببرد الطمأنينة والسلام، ووثبت بصدره مشاعر فتوة وحماس وانطلاق، حتى بيت النعيم لم يعد يبالي به، ولا الجاه المولى، ولم يعد بخافٍ ما ينتظره من كد ومرمطة، فليسدل على الماضي ستاراً لا ينضح بضوء، وليبتلع النسيان كافة المتاعب والآلام الماضية، وليبتلع فيما يبتلع حنان القلب إلى الأمومة الضائعة.
في الضحى زغردت سيدة.
وسرى النبأ في الحواري المجاورة.
ثم شهد سوق المقطم وحيه زفة جبل.


***********
(36)
قال البلقيطي بلهجة انتقاد ساخرة :
- لا يجمل بالرجل أن يركن إلى حياة الأرانب والديك! وها أنت لم تتعلم شيئاً وأوشكت نقودك أن تفرغ!
كانا يجلسان على فروة أمام باب الدار، وكان جبل يمد ساقيه على الرمال المشمسة تلوح في عينيه الغبطة والدعة فالتفت إلى حميه وقال باسماً :
- عاش أبونا أدهم ثم مات وهو يتمنى الحياة البريئة اللاهية في الحديقة الغناء!
فضحك البلقيطي ضحكة مرتفعة ونادى بأعلى صوته :
- يا شفيقة! أدركي زوجك قبل أن يقتله الكسل.
فظهرت شفيقة على عتبة الباب وهي تنقي عدساً في طبق على يدها، وقد لفت رأسها بخمار أرجواني أكد صفاء وجهها. تساءلت دون أن ترفع عينيها عن الطبق :
- ما له يا أبي؟
- يتمنى شيئين، رضاك وحياة بلا عمل.
فضحكت متسائلة في إنكار :
- وكيف يجمع بين إرضائي وقتلي جوعاً؟
فقال جبل :
- هذا سر الحاوي!
فلكزه البلقيطي في جنبه قائلاً :
- لا تستهن بأشق المهن. كيف تخفي بيضة في جيب متفرج وتستخرجها من جيب آخر في الصف الذي يقابله؟ كيف تحول البلي إلى كتاكيت؟ كيف ترقص الحية؟
فقالت شفيقة التي بدت منورة بالسعادة :
- علمه يا أبي، إنه لم يعرف من الحياة إلا الجلوس على مقعد وثير في إدارة الوقف.
فقام البلقيطي وهو يقول : " جاء وقت العمل" ثم دخل البيت. وراح جبل يتأمل زوجه بإعجاب ويقول :
- زوجة زقلط دونك في الملاحة ألف درجة لكنها تقطع النهار على أريكة ناعمة، والأصيل في الحديقة تستنشق عبير الفل وتلهو بالمياه الجارية.
فقالت بسخرية ومرارة معاً :
- هذا حال المتخمين بأرزاق الناس.
فهرش جانب رأسه متفكراً وقال :
- ولكن هناك سبيلاً إلى السعادة الشاملة.
- لا تحلم، لم تكن حالماً عندما نهضت للأخذ بيدي في السوق، ولم تكن حالماً عندما طردت عني ذباب البشر، ولذلك دخلت قلبي.
فاشتاق أن يقبلها. ولم يهون من قيمة كلامها اقتناعه بأنه يعرف أكثر منها. وقال :
- أما أنا فأحببت دون ما سبب.
- في هذه الحواري من حولنا لا يحلم إلا المجانين.
- ماذا تريدين مني يا حلوة.
- أن تكون مثل أبي.
فتساءل معاتباً :
- وهذه الحلاوة تقطر منك ما شأنها؟
فانفرجت شفتاها عن ابتسامة وأسرعت أصابع يدها بين حبات العدس.
- عندما فررت من الحارة كنت أشقى الناس جميعا، ولكن لولا ذلك ما تزوجتك!
فضحكت قائلة :
- نحن مدينان في سعادتنا لفتوات حارتك كما يدين أبي في رزقه للحيات والثعابين.
فتنهد جبل قائلاً :
- ومع ذلك فقد آمن خير من عرفته من أبنائها بأنه يوجد سبيل يكفل الرزق للناس وهم في الحدائق يغنون.
- رجعنا! ها هو أبي قادماً بجرابه، قم رعاك الله.
وجاء البلقيطي بجرابه وقام جبل ومضى الاثنان في طريقهما المعهود. وجعل البلقيطي يقول له :
- تعلم بعينيك كما تتعلم بعقلك، أنظر ماذا أفعل ولا تسألني أمام أحد من الناس، واصبر حتى أوضح لك ما يغمض عليك فهم.
ووجد جبل الحرفة شاقة حقاً ولكنه لم يستهن بها من أول الأمر ووطن نفسه على الحذق فيها مهما كلفه الجهد. والواقع أنه لم يكن أمامه من مهنه أخرى إلا أن يرضى بمهنة بائع جوال أو الفتونة أو اللصوصية وقطع الطريق. لم تكن الحواري في حيه الجديد لتختلف عن حارته في شيء عدا الوقف والقصص التي نشأت حوله. وقد رسبت في قرارة نفسه حسرة متخلفة من أحلام الماضي وذكريات المجد الغابر والآمال التي يتعذب بسببها آل حمدان كما تعذب أدهم من قبل. وكان مصمماً على النسيان بإلقاء نفسه في خضم الحياة الجديدة وتقبلها وفتح الصدر لها واللواذ بزوجه المحبة المحبوبة كلما خطر له خاطر حزن أو هوان في تجواله. وتفوق على أحزانه وذكرياته وبرع في تعليمه حتى أدهش البلقيطي نفسه. وكان يواصل التدريب في الخلاء ويعمل في النهار والليل. وتمضي الأيام والأسابيع والأشهر فلا تهن له عزيمة ولا يدركه الكلال. وقد عرف الحواري والأزقة. واستأنس الثعابين والحيات. ولعب أما آلاف الصبية. وذاق حلاوة النجاح والربح. وتلقى بشرة الأبوة المقبلة.
واستلقى على ظهره يرعى النجوم حين الراحة. وسهر الليالي يتجاذب مع البلقيطي الجوزة ويقص القصص التي كانت ترويها الرباب بقهوة حمدان. وتساءل من حين إلى حين أين الجبلاوي. وإذا أشفقت شفيقة من أن يفسد عليه الماضي حياته هتف بها : إلى هؤلاء ينتسب الشيء الذي في بطنك، وآل حمدان آله، والأفندي رأس الاغتصاب كما أن زقلط رأس الإرهاب، فكيف تطيب الحياة وبها مثل أولئك؟
ويوماً كان يعرض ألاعيبه في زينهم وسط حلقة محكمة من الصغار. ولاحت منه التفاته فرأى أمامه دعبس وقد شق سبيله إلى الصف الأمامي وراح يحملق فيه بذهول. اضطرب جبل وتجنب النظر إلى وجهه ولم يعد بمستطاعه أن يواصل عمله فأنهاه رغم احتجاج الصغار. ورفع جرابه ومضى.
وما لبث أن لحق به دعبس وهو يصيح :
- جبل! أهذا أنت يا جبل!
فتوقف عن السير ملتفتاً إليه وقال :
- نعم، ماذا جاء بك يا دعبس؟
ولم يفق دعبس من دهشته وجعل يقول :
- جبل حاو! متى تعلمت هذا وأين؟
فقال جبل باستهانة :
- ليس هذا بأعجب ما يقع في هذه الدنيا.
وسار جبل والآخر يتبعه حتى بلغا سفح الجبل ثم جلسا في ظل نتوء، ولم يكن بالمكان إلا أغنام ترعى وراع جلس عارياً يفلي جلبابه. وتفرس دعبس في وجه صاحبه وقال :
- لماذا هربت يا جبل؟ كيف ساء ظنك بي حتى توقعت أن أخونك؟ الأفندي أم زقلط؟ فليحرقهم رب السماوات جميعاً كم سألوا عنك كثيراً، وكنت أسمعهم يسألون فأغرق في عرقي.
فسأله جبل باهتمام :
- خبرني كيف تعرض نفسك للانتقام بالتسلل من ربعك؟
فلوح دعبس بيده في استهانة قائلاً :
- رفع الحصار عنا من زمن، لم يعد أحد يسأل اليوم عن قدرة أو قاتله، ويقال أن هدى هانم هي التي أنقذتنا من الموت جوعاً، ولكن قضي علينا بالذل إلى الأبد، لا مقهى لنا ولا كرامة، نسعى في أعمالنا بعيداً عن حارتنا وإذا عدنا توارينا وراء الجدران، وإذا عثر على أحدنا فتوة عبث به صفعاً أو بصقاً، إن تراب حارتنا اليوم أكرم عليهم منا يا جبل..ما أسعدك في غربتك.
فقال جبل بامتعاض :
- دع سعادتي في شأنها وخبرني ألم يصب أحد بسوء؟
فقال دعبس وهو يتناول طوبة ويضرب بها الأرض :
- قتلوا منا عشرة في عهد الحصار!
- يا رب السماوات!
- ذهبوا فداء لقدرة الحقير ابن الحقيرة، ولكنهم ليسوا من أصحابنا!
فقال جبل بحنق :
- ألم يكونوا من آل حمدان يا دعبس؟
فرمش دعبش حياء وتحركت شفتاه بعذر غير مسموع فعاد جبل يقول :
- والآخرون ينعمون بالصفع والبصق.
وشعر الرجل بأنه مسئول عن الأرواح التي زهقت، وعصر قلبه الألم. ووجد ندماً دامياً عن كل لحظة سلام مرت به منذ هجرته.
ودهمه دعبس بقوله :
- لعلك الوحيد السعيد اليوم من آل حمدان.
فهتف :
- لم أكف يوماً عن التفكير فيكم.
- لكنك بعيد عن الهم والغم.
فقال بحدة :
- لم أفلت من الماضي قط.
- لا تبدد راحة بالك بلا أمل، لم يعد لنا أمل.
فردد جبل قوله الأخير ولكن في نبرات غامضة :
- لم يعد لنا أمل!
فرمقه دعبس باهتمام مستطلعاً ولكنه لم ينبس احتراماً للحزن المرسوم على وجهه. ونظر إلى الأرض فرأى خنفساء تدب مسرعة حتى اختفت تحت كومة أحجار. وكان الراعي ينفض جلبابه ليغطي جسده الذي ألهبته الشمس. وعاد جبل يقول :
- في الحق لم أكن سعيداً إلا في الظاهر.
فقال مجاملاً :
- إنك تستحق السعادة عن جدارة.
- تزوجت واتخذت لنفسي عملاً جديداً كما ترى وما برح نداء خفي يلح في إقلاق منامي.
- فليباركك الله، أين تقيم؟
لم يجبه. وبدا وكأنه يخاطب نفسه. ثم قال :
- لا تطيب الحياة وبها أمثال أولئك الأوغاد.
- صدقت، ولكن كيف التخلص منهم؟
ارتفع صوت الراعي وهو ينادي أغنامه، ويسير نحوها متأبطاً عصاه الطويلة، ثم ترامى عنه لحن غناء غير واضح. وتساءل دعبس :
- كيف أستطيع أن ألقاك؟
- سل عن بيت البلقيطي الحاوي عند سوق المقطم ولكن اكتم خبري إلى حين.
ونهض دعبس فشد على يده ومضى والآخر يتابعه بعينين محزونتين.


***********
(37)
أوشك الليل أن ينتصف. وكادت حارة الجبلاوي تغرق في الظلمة لولا أضواء وانية تتسلل من أبواب المقاهي المواربة اتقاء للبرد. ولم يلح في سماء الشتاء نجم واحد وتوارى الغلمان في الحجرات، وحتى القطط والكلاب آوت إلى الأفنية. ومن خلال الصمت الشامل انبعثت أنغام الرباب الرتيبة تردد الحكايات، أما حي حمدان فقد تلفع بظلمة خرساء. وجاء شبحان من ناحية الخلاء، فسارا تحت سور البيت الكبير، ثم مرا أمام بيت الأفندي، قاصدين حي حمدان، حتى وقفا أمام الربع الأوسط وطرق أحدهما الباب، فرن الطرق في الصمت مثل قرع الطبول. وفتح الباب عن وجه حمدان نفسه الذي بدا شاحباً على ضوء سراج بيده، ورفع السراج ليتبين وجه الطارق، وما عتم أن هتف بدهشة :
- جبل!
وتنحى عن الباب فدخل جبل حاملاً بقجة كبيرة وجراباً، وتبعته زوجه حاملة بقجة أخرى. وتعانق الرجلان. وألقى حمدان نظرة سريعة على المرأة فلمح بطنها، وقال :
- زوجتك؟ أهلاً بكما، اتبعاني على مهل.
اخترقوا دهليزاً طويلاً مسقوفاً حتى بلغوا الحوش الواسع غير المسقوف، ثم مالوا إلى السلم الضيق ورقوا فيه حتى مسكن حمدان. وأدخلت شفيقة إلى الحريم، ومضى حمدان بجبل إلى حجرة واسعة متصلة بشرفة مطلة على حوش الربع. وما لبث خبر عودة جبل أن ذاع فأقبل كثيرون من رجال حمدان على رأسهم دعبس وعتريس وضلمة وفوانيس ورضوان الشاعر وعبدون، فصافحوا جبل بحرارة، وجلسوا في الحجرة على الشلت يتطلعون إلى العائد باهتمام وحب استطلاع. وتتابعت الأسئلة على جبل فقص عليهم طرفاً من حياته الأخيرة. وتبادلوا نظرات الأسى. ورأى جبل أن أرواحهم المضعضعة تنعكس على أجسادهم المهزولة وأن الفناء يدب في الأوصال. وقصوا عليه ما يلقون من هوان فقال دعبس أنه أخبره بكل شيء في لقاء اتفق لهما منذ شهر، وأنه لذلك يعجب لما جاء به، وسأله ساخراً :
- أجئت لتدعونا للهجرة إلى مقامك الجديد؟
فقال جبل بحدة :
- لا مقام لنا إلا هنا!
وجذب الأسماع في صوته نبرة قوة حتى لاح الاستطلاع في عيني حمدان وقال :
- ولو كانوا ثعابين لما استعصى عليك ردعهم.
ودخلت تمرحنة بأقداح الشاي وحيت جبل تحية حارة، وأثنت على زوجه، وتنبأت له بأنه سينجب ذكراً ولكنها قالت مستدركة :
- لم يعد من فارق بين رجالنا ونسائنا!
ونهرها حمدان وهي تغادر الحجرة ولكن أعين الرجال عكست اقتناعاً ذليلاً بقولها، وتكاثفت سحب الأحزان المخيمة على المجلس فلم يذق أحد للشاي طعماً. وتساءل رضوان الشاعر :
- لماذا عدت يا جبل وأنت لا تألف الإهانة؟
فقال حمدان بصوت ينم عن الانتصار :
- قلت لكم مراراً أن الصبر على ما نلقى خير من التسكع بين غرباء سيكرهوننا.
فقال جبل بقوة :
- ليس الأمر كما ترى.
وهز حمدان رأسه دون أن ينبس فساد صمت حتى قال دعبس :
- يا جماعة فلنتركه ليستريح.
ولكنه أشار لهم بالبقاء وقال :
- ما جئت لأستريح ولكن لأحدثكم في شأن خطير، أخطر مما تتصورون.
وتطلعت إليه الأعين بدهشة وغمغم رضوان متمنياً الخير فيما سيسمع. أما جبل فراح يقلب في الوجوه عينيه القويتين، ثم قال :
- كان بوسعي أن أمضي عمري كله في أسرتي الجديدة دون التفكير في العودة إلى حارتنا.
وصمت ملياً، ثم عاد يقول :
- لكنه حدث منذ أيام معدودة أن شعرت برغبة في المشي وحدي رغم البرد والظلام، فخرجت إلى الخلاء، وإذا بقدمي تقودانني إلى البقعة المشرفة على حارتنا، ولم أكن دنوت منها منذ هروبي.
تجلى الاهتمام في الأعين فواصل الرجل حديثه قائلاً :
مضيت في تجوالي في ظلام دامس، فحتى النجوم توارت وراء السحب، وما أدري إلا وأنا أوشك أن أصطدم بشبح هائل، توهمته أول الأمر أحد الفتوات، ولكنه بدا لي شخصاً ليس كمثله أحد في حارتنا ولا في الناس جميعاً، طويلاً عريضاً كأنه جبل، فامتلأت رهبة وهممت بالتراجع وإذا به يقول بصوت عجيب : " قف يا جبل" فتسمرت في مكاني وسألته وجلدي ينضح بالخوف : " من؟ من أنت؟".
وتوقف جبل عن الحديث فمالت الرؤوس إلى الأمام في اهتمام، وتساءل ضلمة :
- من حارتنا؟
ولكن عتريس قال بسرعة معترضاً :
- قال أنه ليس كمثله في حارتنا ولا في الناس جميعاً.
ولكن جبل قال :
- بل انه من حارتنا!
وتساءلوا عن هويته جميعاً فقال جبل :
قال لي بصوته العجيب : " لا تخف أنا جدك الجبلاوي!" وارتفعت صيحات الدهشة من الجميع ورموه بنظرات الارتياب.
وقال حمدان :
- إنك تهزر دون شك.
- بل أقول الحق دون زيادة ولا نقصان!
فسأله فوانيس :
- ألم تكن مسطولاً؟
فصاح جبل بغضب :
- إن السطل لم يذهب بعقلي قط!
فقال عتريس :
- له لطشات لا تعرف عزيزاً وخصوصاً الأصناف الجيدة!
فتبدى الغضب في وجه جبل كالسحاب المظلم وصاح :
- سمعته بأذني وهو يقول لي " لا تخف أنا جدك الجبلاوي".
فقال حمدان برقة ليسكن غضبه :
- لكنه لم يغادر بيته من زمن ولم يره أحد!
- لعله يخرج كل ليلة دون أن يدري أحد.
فعاد حمدان يتساءل في حذر :
- لكن أحد غيرك لم يصادفه!
- صادفته أنا!
- لا تغضب يا جبل فما قصدت التشكيك في صدقك، ولكن الوهم خداع، بالله خبرني إذا كان الرجل يستطيع الخروج من بيته فلماذا نزل عن النظارة لغيره؟ ولماذا يتركهم يعبثون بحقوق أبنائه؟!
فقال جبل مقطباً :
- هذا سره وهو به أعلم.
- إن ما قيل عن اعتزاله لكبره وعجزه أقرب إلى المعقول.
فقال دعبس :
- إننا نطخبط بين الأقاويل، دعونا نسمع القصة إذا كان لها بقية.
فقال جبل :
- قلت له : " لم أحلم أن أقابلك في هذه الحياة" فقال : " ها أنت ذا تقابلني" وحددت بصري لأتبين وجهه المرتفع في الظلام فقال لي : " لن تستطيع رؤيتي ما دام الظلام" فقلت بذهول لرؤيته محاولة رؤيتي له : " لكنك تراني في الظلام" فقال إني أرى في الظلام منذ اعتدت التجوال فيه قبل أن توجد الحارة" فقلت بإعجاب : " الحمد لرب السماوات أنك ما زلت تتمتع بصحتك" فقال : " أنت يا جبل ممن يركن إليهم، وأية ذلك أنك هجرت النعيم غضباً لأسرتك المظلومة، وما أسرتك إلا أسرتي، وهم لهم في وقفي حق يجب أن يأخذوه، ولهم كرامة يجب أن تصان، وحياة يجب أن تكون جميلة" فسألته في فورة حماس أضاءت الظلام : " وكيف السبيل إلى ذلك؟" فقال : " بالقوة تهزمون البغي، وتأخذون الحق، وتحيون الحياة الطيبة" فهتفت من أعماق قلبي : سنكون أقوياء" فقال : " وسيكون النجاح حليفك".
وترك صوت جبل وراءه صمتاً كالحلم بدوا فيه جميعاً مسحورين.
كانوا يفكرون ويتبادلون النظرات ثم يتجهون بأعينهم إلى حمدان حتى خرج عن الصمت قائلاً :
- فلنتدبر هذه الحكاية بعقولنا وقلوبنا!
فقال دعبس بقوة :
- إنها لا تبدو وهماً من أوهام السطل وكل ما تتضمنه حق.
فقال ضلمة بإيمان :
- لن تكون وهماً إلا إذا كانت حقوقنا وهماً!
فتساءل حمدان في شيء من التردد :
- ألم تسأله عما يمنعه من إجراء العدل بنفسه؟ أو عما جعله يعهد بالنظارة إلى قوم لا يحسنون القيام على حقوق الناس؟
فقال جبل بامتعاض :
- لم أسأله، ولم يكن بوسعي أن أسأله، أنت لم تلقه في الخلاء ولا الظلمة ولم تستشعر الرهبة في حضرته. ولو وقع لك ذلك ما فكرت في مناقشته الحساب ولا داخلك الشك في أمره.
فهز حمدان رأسه فيما يشبه التسليم وقال :
- هذا كلام خليق بالجبلاوي حقاً ولكن ما أخلقه بأن ينفذه بنفسه!
فصاح دعبس :
- انتظروا حتى تموتوا في هوانكم!
فتنحنح رضوان الشاعر وقال وهو ينظر بحذر في الوجوه :
- كلامه جميل ولكن فكروا فيما يجرنا إليه.
فقال حمدان بحزن :
- ذهبنا مرة نستجدي بعض حقنا فكان ما كان.
وإذا بعبدون الصغير يصيح :
- علام نخاف وليس هناك أسوأ مما نحن فيه؟!
فقال حمدان كالمعتذر :
- لست أخاف على نفسي ولكني أخاف عليكم.
فقال جبل بازدراء :
- سأذهب إلى الناظر وحدي.
فقال دعبس وهو يتزحزح مقترباً من مجلسه :
- ونحن معك لا تنسوا أن الجبلاوي وعده بالنجاح!
فقال جبل :
- سأذهب وحدي عندما أقرر الذهاب، ولكنني أريد أن أطمئن أنكم ستكونون ورائي وحدة متماسكة خليقة بمواجهة الشدة والصمود لها!
ووثب عبدون واقفاً في حماس وهتف :
- وراءك حتى الموت!
وانتقل حماس الغلام إلى دعبس وعتريس وضلمة وفوانيس. وتساءل رضوان الشاعر بشيء من المكر إن كان زوجة جبل تدري بما جاء زوجها من أجله فقص عليهم جبل كيف أنه أفضى بسره إلى البلقيطي، وكيف نصحه الرجل بتقدير العواقب، وكيف أصر على العودة إلى حارته، وكيف اختارت زوجه أن تسير معه حتى النهاية.
وعند ذاك قال حمدان بصوت أنبأ بأنه مع الآخريين :
- ومتى تذهب إلى الناظر؟
فأجاب جبل :
- عندما تنضج خطتي.
فقام حمدان وهو يقول :
- سأدبر لك مقاماً في مسكني، إنك أعز الأبناء، وهذه ليلة لها ما وراءها، ولعل الرباب ترويها غداً موصولة بقصة أدهم، هلموا نتعاهد على الخير والشر!
عند ذاك تصاعد صوت حمودة الفتوة، العائد مع الفجر، وهو يغني بلسان مخمور مترنح :
يا واد يا سكري تشرب تنجلي
وتخش الحارة تتطوح تترمي
وعاملي فنجري
وتمز بجنبري
فلم يؤخذ بصوته إلا لحظة، ثم مدوا أيديهم للتعاقد في حماس، وفي رجاء.








_________________
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7221
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

38و39

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 10:17 am



(38)
وعلمت الحارة بعودة جبل. رأته يسير بجرابه ورأت زوجته وهي تسعى إلى الجمالية لابتياع حوائجها. وتحدثوا عن مهنته الجديدة التي لم يسبقه إليها أحد من أبناء الحارة. على أنه كان يعرض ألاعيبه السحرية في الأحياء المجاورة دون حارته، وتجنب استعمال الثعابين في ألاعيبه فلم يفطن أحد إلى أنه بها خبير. ومر ببيت الناظر مرات وكأنما لم يطرقه في حياته وهو يكابد في أعماقه حنيناً كبيراً إلى أمه. ورآه الفتوات مثل حمودة والليثي وبركات وأبو سريع فلم يصفعوه كما يفعلون مع غيره من آل حمدان ولكنهم عرضوا به وهزئوا بجرابه. وصادفه مرة زقلط فحدجه بنظرة قاسية، ثم اعترض سبيله متسائلاً :
- أين كانت غيبتك؟
فقال في حلم :
- في الأرض الواسعة..
فقال الرجل متحرشاً :
- إني فتوتك ومن حقي أن أسألك عما أريد وعليك أن تجيب..
- أجبتك بما عندي.
- وماذا عاد بك؟
فقال في هدوء :
- ما يعود بالإنسان إلى حارته!
فقال بصوت نم عن وعيد :
- لو كنت في مكانك ما عدت!
وسار فجأة بقوة فكاد يرتطم به لولا أن تنحى جبل عن سبيله بسرعة كاظماً غيظه. وإذا بصوت بواب بيت الناظر يناديه، فالتفت جبل نحوه دهشاً، ثم مشى إليه، فالتقيا أمام البيت وتصافحا بحرارة. وجعل الرجل يسأله عن أحواله، ثم أخبره بأن الهانم تود رؤيته. وكان جبل يتوقع هذه الدعوة منذ ظهوره في الحارة. كان قلبه يحدثه بأنها آتية لا ريب فيها. ومن ناحيته لم يكن بوسعه أن يزور البيت للحال التي غادره عليها. وفضلاً عن ذلك فقد قرر ألا يطلب المقابلة حتى لا يثير الشكوك حولها قبل أن تقع، سواء في نفس الناظر أم في نفوس الفتوات. ولكنه ما كاد يدخل البيت حتى جرى الخبر في الحارة جميعاً. وألقى نظرة سريعة – عند مسيره إلى السلاملك – على الحديقة، على أشجار الجميز والتوت العالية، وشجيرات الأوراد والزهور التي تغطي الأركان، وقد اختفى العبير التقليدي تحت قبضة الشتاء، وغشى الجو نور هادئ وديع كالأصيل كأنه يقطر من السحاب الأبيض المنتشر. وصعد السلم وهو يطرد عن قلبه بقوة أسراب الذكريات. ودخل البهو فرأى في صدره الهانم وزوجها جالسين، منتظرين. نظر إلى أمه فتلاقت نظراتهما، وقامت المرأة في استقباله في تأثر شديد، فهوى على يديها يقبلها، ولثمت جبينه في حنان، فاجتاحت في موقفه شعور بالحب والسعادة. والتفت رأسه إلى الناظر فرآه جالساً في عباءته يطالعهما بعينين باردتين، فمد له يده فقام نصف قومه ليصافحه وسرعان ما جلس.
وجرت عينا هدى على جبل في دهشة ممزوجة بانزعاج، وهو يبدو في جسمه الفارع بجلبابه الخشن مشمراً وسطه بحزام غليظ، وفي قدميه مركوب شبه بال، وعلى شعره الغزير طاقية عتماء ، فتجلى في عينيها الرثاء. وتحدثت عيناها – دون اللسان- فأبدت حزنها على مظهره وعلى ما ارتضاه لنفسه من حياة، وكأنما كانت تطالع أملاً باهراً تهاوى إلى حطام. وأشارت له بالجلوس فجلس على مقعد قريب منها، وجلست هي فيما يشبه الإعياء، وأدرك ما يدور في نفسها فحدثها بصوت قوي عن حياته في سوق المقطم، وعن مهنته، وزواجه، حدثها حديث الراضي عن تلك الحياة رغم خشونتها، والقانع بها. فامتعضت لقوله وقالت :
- لتكن حياتك ما تكون، ولكن كيف لم تجعل من بيتي أول بيت تقصده لدى عودتك إلى الحارة؟
كاد يقول لها أنه ليس لعودته إلى الحارة من هدف إلا بيتها، ولكنه أجل ذلك لأن اللحظة لم تكن مناسبة، ولأنه لم يفق بعد من تأثر اللقيا. وأجاب قائلاً :
- كان بيتك أمنيتي ولكني لم أجد الشجاعة لاقتحامه بعد ما كان. وإذا بالأفندي يسأله بصوت بارد :
- ولماذا عدت ما دام العيش قد طاب لك في الخارج؟
فندت عن الهانم نظرة عتاب نحو زوجها الذي تجاهلها، أما جبل فقال باسماً :
- لعلي عدت يا سيدي طامعاً في لقياك!
فقالت هدى في عتاب :
- ولم تزرنا حتى دعوناك يا جاحد.
فقال جبل وهو يخفض رأسه :
- ثقي يا سيدتي بأنني كلما ذكرت الظروف التي اضطرتني إلى مغادرة هذا البيت لعنتها من صميم قلبي.
فحدجه الأفندي بنظرة مريبة وهم بسؤاله عما يعني ولكن هدى سبقته قائلة :
- علمت بلا شك بعفونا عن آل حمدان إكراماً لك.
وأدرك جبل أنه آن لهذا الموقف العائلي الطيب أن ينتهي كما قدر له أول الأمر، وأنه آن للكفاح أن يبدأ فقال :
- الحق يا سيدتي أنهم يعانون ذلاً ألعن من الموت، وقد قتل منهم من قتل.
فقبض الأفندي بشدة على مسبحته وهتف بحدة :
- إنهم مجرمون، وقد نالوا ما يستحقون.
فلوحت هدى بيدها في رجاء وقالت :
- فلننس الماضي كله.
فقال الأفندي بإصرار :
- ما كان يجوز أن يضيع دم قدرة هدراً.
فقال له جبل بثبات :
- المجرمون حقاً هم الفتوات.
فوقف الأفندي في عصبية ووجه الخطاب إلى زوجته قائلاً في لوم :
- أرأيت نتيجة إذعاني لك في دعوته إلى بيتنا؟
فقال جبل بصوت أفصحت نبراته عما وراءه من عزم :
- سيدي، كان في نيتي أن أجيء إليك على أي حال، لعل الاعتراف بالجميل الذي أكنه نحو البيت هو الذي جعلني أنتظر حتى أدعى إليه.
فرمقه الناظر بنظرة توجس وارتياب ثم سأله :
- ماذا تريد من مجيئك؟
فوقف جبل مواجهاً الناظر في شجاعة، وهو يدرك تماماً أنه يفتح باباً ستهب منه العواصف جامحة، ولكنه كان يستمد من مقابلة الخلاء شجاعة لا تتزعزع. قال :
- جئت مطالباً بحقوق آل حمدان في الوقف وفي الحياة الآمنة!
اسود وجه الأفندي من الغضب على حين فغرت الهانم فاها من اليأس، وقال الرجل وهو يحدجه بنظرة محرقة :
- أتجرؤ حقاً على معاودة هذا الحديث؟ أنسيت أن المصائب تتابعت عليكم منذ جرؤ شيخكم المخرف على التقدم بهذه المطالب الخرافية؟!
أقسم بأنك جننت، ولست مطالباً بتضييع وقتي مع المجانين.
وقالت هدى بصوت باك :
- جبل، كان في نيتي أن أدعوك أنت وزوجك للإقامة معنا.
لكن جبل قال بصوت قوي :
- إنما رددت على مسامعك رغبة من لا ترد له رغبة وهو جدك وجدنا الجبلاوي!
نظر الأفندي إلى جبل بإمعان وتفرس وذهول. نهضت هدى جزعة فوضعت كفها على منكب جبل وهي تتساءل :
- جبل، ماذا دهاك؟
فقال جبل باسماً :
- بخير يا سيدتي.
فقال الأفندي بذهول :
- بخير! أنت بخير؟ ماذا حصل لعقلك؟
فقال جبل بهدوء وسكينة :
- اسمع قصتي واحكم بنفسك.
وقص عليهما ما سبق أن قصه على آل حمدان. ولما فرغ من قصته قال الأفندي وكان يتفرس وجهه طوال الوقت بريبة :
- الواقف لم يعتزل بيته قط منذ اعتزل..
فقال جبل :
- لكني قابلته في الخلاء.
فسأله متهكماً :
- ولماذا لم يطلعني أنا على رغباته؟
فقال جبل :
- هذا سره وهو به أعلم.
فضحك الأفندي ضحكة حانقة وقال :
- إنك حاو بحق وجدارة، ولكنك لا تقنع بألاعيب الحواة وإنما تطمع في اللعب بالوقف كله!
فقال جبل دون أن يزايله هدوؤه :
- علم الله أني ما جاوزت الحق، فلنحتكم إلى الجبلاوي نفسه إن استطعت، أو إلى شروطه العشرة..
فانفجر غضب الأفندي. اربد وجهه وارتعشت أطرافه وصاح :
- أيها اللص المحتال! لن تنجو من مصيرك الأسود ولو اعتصمت بقمة الجبل..
وهتفت هدى :
- يا للشقاء! ما كنت أتوقع أن تجيئني بهذه التعاسة كلها يا جبل.
فتساءل جبل في عجب :
- أيحدث هذا كله لأني طالبت بحق آلي المشروع؟!
فصرخ الأفندي بأعلى صوته :
- اخرس يا محتال، يا حشاش، يا حارة حشاشين يا أولاد الكلب، أخرج من بيتي، وإن عدت إلى هذيانك قضيت على نفسك وعلى أهلك بالذبح كالنعاج.
فقال جبل غاضباً وصاح :
- أحذر أن يحيق بك غضب الجبلاوي.
فهجم الأفندي على جبل ولكمه في صدره العريض بأقصى قوته ولكن جبل تلقاها بثبات وصبر، والتفت إلى الهانم قائلاً :
- إنما أكرمه إكراماً لك.
ثم ولى لها ظهره وذهب.

*****************


(39)
توقع آل حمدان شراً داهماً وخالفت تمرحنة الإجماع فظنت أنه مادام جبل على رأس آل حمدان هذه المرة فلن تسمح الهانم بالقضاء عليه. لكن جبل نفسه لم يؤمن بظن تمرحنة وأكد أنه إذا هدد الوقف طامع فلن يقام وزن لجبل ولا لأحد من الناس ولو كان أقربهم للأفندي نفسه. وذكرهم جبل بوصية جدهم بأن يكونوا أقوياء وأن يصمدوا للملمات. ومضى دعبس يقول أن جبل كان يرفل في النعيم وأنه ينبذه مختاراً إكراماً لهم فلا يصح أن يخذله أحد، وأن التذرع بالقوة إذا لم ينفع فلن يدفع بهم إلى أسوأ مما هم فيه بحال.
والحق أن آل حمدان استشعروا الخوف وتوترت منهم الأعصاب ولكنهم وجدوا في اليأس قوة وعزيمة فكانوا يرددون المثل القائل " لطابت لاتنين عور". رضوان الشاعر وحده راح يقول متحسراً : " لو شاء الواقف لأعلن كلمة العدل وقضى لنا بالحق ونجانا من الهلاك المبين". وقد غضب جبل لما بلغه قوله، فقصده عابساً هائجاً ثم هزه من منكبيه حتى كاد يقتلعه من مجلسه وصاح به : " أهذا هو حال الشعراء يا رضوان؟! تروون حكايات الأبطال وتغنون على الرباب ، فإذا جد الجد تقهقرتم إلى الجحور وأشعتم التردد والهزيمة، ألا لعنة الله على الجبناء" والتفت إلى الجالسين قائلاً : " لم يكرم الجبلاوي حياً من احياء هذه الحارة كما أكرمكم، ولو لم يعتبركم أسرته الخاصة ما لاقاني ولا كلمني، ولكنه نور السبيل ووعد بالتأييد، والله لأكافحن ولو كنت وحدي". لكن بدا أنه لم يكن وحده. أيده كل رجل، أيدته كل امرأة، وانتظروا جميعاً المحنة وكأنهم لا يبالون بالعواقب. واحتل جبل مكان الزعامة في حيه بطريقة عفوية أملتها الأحداث دون قصد منه أو تدبير، ودون ممانعة من حمدان الذي ارتاح عن تخليه عن موضع سيصير هدفاً لهجوم لا يعرف مداه. ولم يقبع جبل في الربع فخرج – مخالفاً نصيحة حمدان- ليتجول كعادته. كان يتوقع شراً عند كل خطوة ولكن أحد من الفتوات لم يتعرض له بسوء، فعجب لذلك غاية العجب، ولم يجد له من تفسير إلا أن يكون الأفندي قد كتم أنباء المقابلة على أمل أن يسكت هو أيضاً عن مطالبه فينتهي الأمر وكأنه ما كان. وأشفق من أن ينتهي الأمر وكأنه ما كان. ورأى وراء هذه السياسة وجه الهانم المحزون وأمومتها الصادقة. وخاف أن يثبت حنانها أنه أقسى عليه من غلظة زوجها ففكر طويلاً فيما ينبغي أن يفعل لينفض الرماد على الجمر.
وجرت في الحارة أحداث غريبة. فذات يوم ترامت استغاثة امرأة من بدروم. وتبين أن ثعباناً زحف بين قدميها فخرجت تجري إلى الطريق. وتطوع رجال للتفتيش عن الثعبان فدخلوا مسكنها بعصيهم وفتشوا عن الثعبان حتى عثروا عليه، فانهالوا عليه ضرباً حتى قتلوه، وطرحوه على أرض الحارة فتلقفه الغلمان وراحوا يلعبون به مهللين. ولم يكن الحادث بالغريب في الحارة ولكن لم تكد تمضي ساعة حتى ارتفعت صرخة استغاثة ثانية من بيت في مطلع الحارة فيما يلي الجمالية. وما جثم الليل حتى تعالت ضجة في ربوع حمدان، إذ رأى البعض ثعباناً ولكنه اختفى قبل أن يلحق به أحد، وضاعت جهود القوم للعثور عليه، وعند ذاك تطوع جبل نفسه لاستخراجه مستعيناً بالخبرة التي اكتسبها عند البلقيطي. وتحدث آل حمدان عن وقفة جبل عارياً في الحوش، وعن لغته السرية التي خاطب بها الثعبان حتى جاءه طائعاً. وكادت تنسى تلك الأحداث مع صباح اليوم التالي لولا أن تكرر وقوعها في بيوت أناس من ذوي الشأن. فقد ذاع وملأ السماع أن ثعباناً لدغ حمودة الفتوة وهو يقطع دهليز الربع الذي يقيم فيه، فصرخ الرجل على رغمه حتى أدركه أصحابه وأسعفوه. هنا انقلب الحادث أحدوثة. وقال الناس في الثعابين وأعادوا. غير أن نشاط الثعابين العجيب لم يتوقف. فقد رأى بعض الصحاب في غرزة الفتوة بركات ثعباناً بين عمد السقف، لاح نصف دقيقة ثم اختفى. فهبوا مذعورين وتقوض المجلس. وغطت أخبار الثعابين على حكايات الشعراء في المقاهي. وبدا أن نشاطها جاوز حدود الأدب إذ ظهر ثعبان ضخم في بيت حضرة الناظر. ومع أن خدم البيت الكثيرين انتشروا في أركانه للتفتيش عن الثعبان المختفي إلا أنهم لم يقفوا له على أثر. وركب الخوف الناظر والهانم حتى فكرت جدياً في مغادرة البيت إلى أن تطمئن إلى خلوه من الثعابين. وبينما البيت مقلوب رأساً على عقب ترامى من بيت زقلط فتوة الحارة صراخ وضجة وذهب البواب ليستطلع الخبر ثم عاد ليخبر سيده أن ثعباناً لدغ أحد أبناء زقلط ثم اختفى. وتملك الخوف النفوس. وتتابعت الاستغاثات من الثعابين من كل ربع فصممت الهانم على مغادرة الحارة. وقال عم حسنين البواب إن جبل حاو وللحواة خبرة باصطياد الثعابين، وأكد أنه اصطاد ثعباناً من أحد ربوع حمدان. وامتقع لون الأفندي ولن ينبس، أما الهانم فأمرت البواب بأن يستدعي جبل. ونظر البواب إلى سيده مستأذناً، فغمغم الأفندي بكلمات حانقة دون أن يبين. وخيرته الهانم بين دعوة جبل ولبن مغادرة البيت فأذن للرجل بالذهاب وهو ينتفض حنقاً وغضباً.
وتجمع كثيرون فيما بين بيتي الناظر والفتوة، وتوافد ذوو الشأن على بيت الناظر وفي مقدمتهم الفتوات : زقلط وحمودة وبركات والليثي وأبو سريع، ولم يكن للمجتمعين حديث إلا الثعابين، فقال أبو سريع :
- لا بد أن شيئاً في الجبل دفع بالثعابين إلى بيوتنا.
فصاح زقلط وبدا وكأنه يقاتل نفسه لأنه لا يجد من يقاتله :
- طول عمرنا جيران للجبل وما حصل منه شيء.
كان زقلط ثائراً لما أصاب ابنه، وكان حمودة ما زال يعرج من إصابة ساقه، على حين تملك الخوف الجميع فقالوا إن بيوتهم لم تعد صالحة للمبيت، وأن السكان تجمهروا في الحارة.
وجاء جبل حاملاً جرابه، فحيا الجميع، ووقف أمام الناظر والهانم في أدب وثقة.
ولم يستطع الناظر أن ينظر إليه، أما الهانم فقالت له :
- قيل لنا يا جبل أنك تستطيع استخراج الثعابين من بيوتنا؟
فقال جبل بهدوء :
- تعلمت ذلك فيما تعلمت يا صاحبة الفضل.
- دعوتك لتطهر البيت من الثعابين.
فنظر جبل إلى الأفندي متسائلاً :
- هل يأذن لي حضرة الناظر؟
فغمغم الناظر وهو يداري حنقه وقهره :
- نعم.
وهنا تقدم الليثي بإيحاء خفي من زقلط وسأله :
- وبيوتنا وبيوت الآخرين؟
فقال جبل :
- إن خبرتي تحت أمر الجميع.
وارتفعت أصوات بالشكر، فأجال جبل عينيه الكبيرتين في الوجوه ملياً ثم قال :
- ولعلي في غير حاجة إلى تذكيركم بأن لكل شيء ثمنه كما تجري المعاملات في حارتنا!
فتطلع إليه الفتوات في دهشة فقال :
- علام تدهشون؟ إنكم تحمون الاحياء نظير الأتاوات، وحضرة الناظر يدير الوقف نظير التصرف في ريعه!
والظاهر أن حرج الموقف لم يسمح للأعين بالإفصاح عما في الصدور، غير أن زقلط سأله :
- ماذا تطلب نظير عملك؟
فقال بهدوء :
- لن أطلب نقوداً، ولكني أطلب كلمة شرف باحترام آل حمدان في كرامتهم وحقهم في الوقف.
وساد الصمت فبدا أن الجو يتنفس بالحقد المكتوم. وتضاعف قلق الهانم على حين أخفى الناظر عينيه في الأرض. عاد جبل يقول :
- لا تظنوا أني أتحداكم بما يمليه عليكم الحق والعدل نحو إخوانكم المغلوبين على أمرهم، إن الخوف الذي أخرجكم من دياركم ما هو إلا جرعة مما يتجرع إخوانكم كل يوم من أيام حياتهم التعيسة.
إلتمعت في الأعين نظرات غضب سريعة كالبرق في السحاب وسرعان ما اختفت تحت غيم الكظم. غير أن أبو سريع صاح :
- أستطيع أن أتيكم بأحد الرفاعية ولو نبيت خارج بيوتنا يومين أو ثلاثة أيام حتى يحضر من قريته.
فتساءلت الهانم :
- كيف لحارة بأكملها أن تبيت خارج بيوتها يومين أو ثلاثة؟
وكان الأفندي يفكر بكل قواه مغالباً ما استطاع عواطف الغضب والحقد التي تستعر في صدره، وإذا يقول مخاطباً جبل :
- إني معطيك كلمة شرف التي تطلب فابدأ عملك.
وذهل الفتوات غير أن الموقف لم يسمح لهم بإعلان ما في نفوسهم، وران على صدورهم هم قاتل. أما جبل فأمر الجميع بالابتعاد إلى أقصى الحديقة فخلا له المكان والبيت. وتجرد من ثيابه فانقلب كيوم التقطته الهانم من الحفرة المترعة بمياه الأمطار. ومضى يتنقل من مكان إلى مكان، ومن حجرة إلى حجرة، وهو يصفر صفيراً خافتاً تارة ويغمغم بكلام غير مبين، واقترب زقلط من الناظر وقال له :
- إنه هو الذي بعث بالثعابين إلى بيوتنا.
فأشار الناظر إليه بالسكوت وتمتم :
- دعه يخرج ثعابينه.
وأذعن لجبل ثعبان كان مختفياً في المنور، وأخرج آخر من حجرة إدارة الوقف، فلف الثعابين على ذراعه، وظهر بهما أمام السلاملك حيث أودعهما جرابه. وارتدى ملابسه ووقف ينتظر حتى جاء الجميع، فقال موجهاً خطابه لهم :
- هاموا إلى بيوتكم لأطهرها.
والتفت نحو الهانم وقال بصوت خافت :
- لولا تعاسة أهلي ما اشترطت في خدمتك شرطاً قط.
واقترب من الناظر فرفع يده تحية وقال بشجاعة :
- وعد الحر دين عليه.
ومضى خارجاً والجمع يسير وراءه صامتاً.
************






_________________
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7221
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

40و41و42و43

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 10:29 am



(40)
وفق جبل في تطهير الحارة من الثعابين على مرأى من جميع أهلها. وكان كلما أذعن له ثعبان تعالى له الهتاف والزغاريد حتى باتت حديث الحارة من البيت الكبير إلى الجمالية. ولما فرغ من عمله ومضى إلى ربعه تجمع حوله الغلمان والشبان وراحوا يتغنون مصفقين :
جبل يا نصير المساكين
جبل يا قاهر الثعابين
وتواصل الغناء والتصفيق حتى بعد ذهابه، غير أنه كان لذلك رد فعل شديد في أنفس الفتوات، فما لبث أن خرج للمتظاهرين حمودة والليثي وأبو سريع وبركات، فانهالوا عليهم لعناً وسباً وصفعاً وركلاً حتى تفرقوا لائذين بالبيوت. فلم يبقى في الطريق إلا الكلاب والقطط والذباب. وتساءل الناس عن سر هذه الحملة، كيف يجزي الفتوات صنيع جبل بالاعتداء على المتظاهرين من أجله، وهل يحافظ الأفندي على وعده لجبل أو تكون حملة الفتوات بداية لحملة انتقام عاتية؟ ودارت هذه الأسئلة برأس جبل فدعا رجال حمدان إلى الربع الذي يقيم فيه ليتدبروا الأمر معاً. وكان زقلط مجتمعاً في ذات الوقت بالناظر وحرمه، وكان يقول بإصرار والحنق يلتهمه :
- لن نبق منهم على أحد.
وبدا الارتياح على وجه الأفندي، غير أن الهانم تساءلت :
- وكلمة الشرف التي أعطاها الناظر؟
فعبس زقلط حتى انقلب وجهه أقبح من أي وجه آدمي وقال :
- الناس يخضعون للقوة لا للشرف.
فقالت بامتعاض :
- سيقولون فينا ويعيدون.
- فليقولوا ما حلا لهم، متى سكتوا عنكم أو عنا؟ إن الغرز تضج كل يوم بالقفش والتنكيت علينا، ولكن إذا خرجنا إلى الطريق وقفوا خاشعين، وهم يخشعون خوفاً من النبوت لا إعجاباً بالشرف.
وحدجها الأفندي بنظرة ممتعضة وقال :
- جبل هو الذي دبر مؤامرة الثعابين ليملي علينا شروطه، كل أحد يعرف ذلك. فمن ذا الذي يطالب باحترام كلمة أعطيت لمحتال نصاب مخاتل؟
وقال زقلط مخدراً ووجهه مازال متشبثاً بقبحه :
- تذكري يا هانم أنه إذا نجح جبل في استخلاص حق آل حمدان في الوقف فلن يهدأ بال أحد في الحارة حتى ينال حقه أيضاً، بذلك يضيع الوقف ونضيع جميعاً.
وقبض الأفندي على المسبحة في يده بشدة حتى طقطقت حباتها وهتف بزقلط :
- لا تبق على أحد منهم.
ودعي الفتوات إلى بيت زقلط ثم لحق بهم أعوانهم المقربون. وذاع في الحارة أن أمراً خطيراً يدبر لآل حمدان، فامتلأت النوافذ بالنساء وازدحم الطريق بالرجال. وكان جبل قد أعد خطته، فاحتشد رجال حمدان في حوش الربع الأوسط مدججين بالنبابيت ومقاطف الطوب على حين توزعت النساء في الحجرات وفوق السطح. وكان لكل أحد منهم دوره المرسوم، غير أن أي خطأ في التنفيذ أو انقلاب في التدبير لم يكن يعني إلا هلاكهم للأبد. لذلك اتخذوا أماكنهم حول جبل وهم في غاية من التوتر والجزع. ولم تغب حالهم عن فطنة جبل فمضى يذكرهم بتأييد الواقف له ووعده للأقوياء بالنجاح، فوجد منهم قلوباً مصدقة، بعضها عن إيمان، والبعض عن يأس. ومال الشاعر رضوان على أذن المعلم حمدان وقال له :
- أخاف ألا تنجح خطتنا، والأوفق عندي أن نحكم إغلاق البوابة ونضرب من السطح والنوافذ!
فهز حمدان منكبيه امتعاضاً وقال :
- إذن نقضي على أنفسنا بالحصار حتى نهلك جوعاً!
وقصد حمدان جبل وسأله :
- أليس الأفضل أن نترك البوابة مفتوحة؟
فقال جبل :
- دعها كما هي وإلا شكوا في الأمر.
وكانت ريح باردة تهب بشدة باعثة عواء، وركضت السحب في السماء كأنها مطاردة، فتساءلوا هل ينهمر المطر؟ وترامت ضجة المتجمهرين في الخارج حتى ابتلعت مواء القطط ونباح الكلاب. وهتفت تمرحنة محذرة : " جاء الشياطين!".
وحقاً غادر زقلط بيته وسط هالة من الفتوات، يتبعهم الأعوان، ومقابضهم على نبابيتهم. ساروا على مهل حتى البيت الكبير، ثم عرجوا نحو حي حمدان فقابلهم المتجمهرون بالتهليل والهتاف. وكان المهللون الهاتفون أحزاباً. منهم قلة تبتهج للعراك وتتسلى بمشاهدة الدم المسفوك. ومنهم من يحقد على آل حمدان لإدلاهم بمكانة لم يعترف بها أحد. وأكثرهم حانق على الفتونة والبغي فهو يبطن الكراهية ويظهر التأييد خوفاً ونفاقاً. ولم يلق زقلط إلى أحد منهم بالاً، ومضى في مسيره حتى وقف أمام ربع حمدان، وصاح :
- إن كان فيكم رجل فليخرج إلي!
فجاءه صوت تمرحنة من وراء النافذة :
- أعطنا كلمة شرف جديدة حتى لا يغدر بالخارج غادر!
فغضب زقلط لتعريضها بكلمة الشرف وصاح :
- أليس عندكم من مجيب غير هذه الزانية؟
فصاحت تمرحنة :
- الله يرحم أمك يا زقلط!
وصرخ زقلط آمراً رجاله بالهجوم على البوابة. وهجم على البوابة رجال، ورمى آخرون النوافذ بالطوب حتى لا يجرؤ أحد على فتحها واستعمالها في الدفاع. وتكتل الهاجمون على البوابة وراحوا يدفعونها بمناكبهم بقوة وعزيمة. وواصلو الدفع بشدة حتى أخذ الباب في الاهتزاز.
واشتدت عزيمتهم حتى ارتج الباب وتخلخل. وتراجعوا متحفزين ثم اندفعوا نحوه بقوة وصكوه صكه واحدة فانفتح على مصراعيه. وتراءى من خلال الدهليز الطويل الممتد من خلال باب الحوش جبل ورجال حمدان وقد رفع الجميع نبابيتهم. ولوح زقلط بيده في حركة فاضحة وأطلق ضحكة هازئة، ثم اندفع إلى الدهليز ورجاله خلفه. وما كادوا يتوسطون الدهليز حتى مادت أرضه بهم بغتة وهوت بمن عليها إلى قاع حفرة عميقة. وفي سرعة مذهلة فتحت نوافذ الدور على جانبي الدهليز وانصبت المياه من الأكواز والحلل والطشوت والقرب، وتقدم رجال حمدان دون تردد ورموا الحفرة بقاطف الطوب، ولأول مرة سمعت الحارة الصراخ يصدر عن فتواتها، ورأت الدم يتفجر من رأس زقلط والنبابيت تتخطف رؤوس حمودة وبركات والليثي وأبو سريع وهم يتخبطون في المياه المطينة. ورأى الأعوان ما حل بفتواتهم فلاذوا بالفرار، وترك الفتوات لمصيرهم دون معين. واشتد انصباب الماء، والأحجار، وتهاوت النبابيت بلا رحمة. وترامت إلى الناس استغاثات ندت عن حناجر لم تألف طوال حياتها إلا السب والقذف. وكان رضوان الشاعر يهتف بأعلى صوته :
- لا تبقوا منهم على أحد.
واختلطت المياه المطينة بالدم، وكان حمودة أول الهالكين، وعلا صراخ الليثي وأبو سريع، وتشبثت يدا زقلط بجدار الحفرة يريد أن يثب وقد تجلى الحقد في عينيه، وراح يغالب الإعياء والخور، ويزفر أنات كالخوار، فانهالت عليه النبابيت حتى تهاوى إلى الوراء وتراخت يداه عن الجدار فسقط في الماء وفي كل راحة من راحتيه قبضة من طين! وساد الصمت الحفرة. ولم تند عليها حركة ولا صوت واصطبغ سطحها بالطين والدم. ووقف رجال حمدان ينظرون وهم يلهثون. وتزاحم عند مدخل الدهليز المتجمهرون وهم يرددون في الحفرة نظرات ذاهلة. وصاح رضوان الشاعر :
- هذه عاقبة الظالمين.
وجرى الخبر في الحارة كالنار. وقال المتجمهرون إن جبل قد أهلك الفتوات كما أهلك الثعابين! وهتف له الجميع بأصوات كالرعد. ولفحهم الحماس فلم يبالوا بالريح الباردة. ونادوا به فتوة لحارة الجبلاوي. وطالبوا بجثث الفتوات ليمثلوا بها. وصفقت الأيدي وراح قوم يرقصون. ولم ين جبل عن التفكير لحظة. وكان كل شيء مدبراً في رأسه.
فصاح أهله :
- هلموا الساعة إلى بيت الناظر.
**********

(41)
في الدقائق التي سبقت خروج جبل وأهله من الربع تفجرت الأنفس عن براكين حامية.
غادرت النسوة البيوت منضمات إلى الرجال. وهاجم الجميع بيوت الفتوات فاعتدت الأيدي والأرجل على أهاليهم حتى فروا بأرواحهم وهم يتحسسون أقفيتهم وخدودهم مصعدين التأوهات سافحين الدموع. أما البيوت فقد نهب كل ما فيها من أثاث وطعام ولباس وحطم كل قابل للتحطيم من أخشابها وزجاجها حتى انقلبت خراباً يباباً. وانطلقت الجموع الغاضبة نحو بيت الناظر فتكتلت أمام بوابته المغلقة وراحت تهتف مراء منادٍ منها بأصوات كالرعود :
هاتوا الناظر..
وإن ماجاش..
ثم يختمون بالتهليل الساخر الهازئ. واتجه البعض إلى البيت الكبير منادين جدهم الجبلاوي أن يخرج من عزلته ليعالج ما فسد من أمورهم وأمور حارتهم. وراح آخرون يدقون بوابة الناظر بأكفهم ويدفعونها بمناكبهم محرضين المترددين المهيبين على اقتحامها، وفي تلك اللحظة المحرجة جاء جبل على رأس أهله نساءً ورجالاً، يسيرون في قوة وعزم بما أحرزوا من فوزٍ مبين. وأوسعت الجموع لهم، وتعالى الهتاف والزغاريد حتى أشار لهم جبل بالسكوت فأخذت أصواتهم تخف رويداً رويداً حتى ساد الصمت، وعاد عواء الريح يصك الآذان مرة أخرى.
ونظر جبل في الوجوه المتطلعة إليه وقال :
- يا أهل حارتنا، أحييكم وأشكركم.
فارتفعت الأصوات بالهتاف ثانية حتى رفع يده مطالباً بالسكوت، ثم قال :
- لن يتم عملنا حتى تتفرقوا في هدوء.
فترامى إليه من حناجر شتى :
- نريد العدل يا سيد حارتنا.
فقال بصوت سمعه الجميع :
- اذهبوا في هدوء ولسوف تتحقق إرادة الواقف.
وتعالى الهتاف للواقف ولابنه جبل. ووقف جبل يحث بنظراته الجموع على الذهاب. وكانوا يودون أن يبقوا في أماكنهم ولكنهم لم يجدوا بداً أمام نظراته من التفرق فأخذوا يذهبون واحداً في إثر واحد حتى خلا المكان منهم. عند ذاك مضى جبل إلى باب الناظر وطرقه صائحاً :
- افتح يا عم حسنين.
فجاءه صوت الرجل المرتعد وهو يقول :
- الناس..الناس.
- لا أحد هنا غيرنا.
وفتح الباب فدخل جبل، ودخل ورائه أهله. واخترقوا الممر المعروش إلى السلاملك فرأوا الهانم واقفة أمام باب البهو في استسلام، على حين بدا الأفندي على عتبة الباب خافض الرأس شاحب الوجه كأنه ملثم بكفن أبيض. وندت عن الأفواه لدى رؤيته دمدمة فقالت هدى هانم متأوهة :
- إني بحال سيئة يا جبل.
فأشار جبل نحو الأفندي بازدراء وقال :
- لو نجحت مكيدة هذا الرجل الفاقد الشرف لكنا الآن جميعاً جثثاً ممزقة.
فأجابت الهانم بتنهيدة مسموعة دون كلام. فحدج جبل الناظر بنظرة قاسية وقال :
- ها أنت ترى نفسك ذليلاً بلا حوا ولا قوة، لا فتوة يحميك، ولا شجاعة تؤيدك، ولا مروءة تشفع لك، ولو شئت أن أخلي بينك وبين أهل حارتنا لمزقزك إرباً ولداسوك بالأقدام.
ارتعدت فرائض الرجل وبدا وكأنه تقوص وضؤل غير أن الهانم تقدمت من جبل خطوة وقالت برجاء :
- لا أحب أن أسمع منك غير ما عهدت من طيب الكلام، ونحن في حالة عصبية تستحق من مروءتك الرحمة في المعاملة.
فقطب جبل ليداري تأثره وقال :
- لولا منزلتك عندي لجرت الأمور بغير ما جرت به.
- لا أشك في ذلك يا جبل، إنك رجل لا يخيب عنده الرجاء.
فقال جبل متأسفاً :
- ما كان أيسر أن يقوم العدل دون إراقة نقطة من الدم.
فندت عن الأفندي حركة غامضة فضحت تخاذله وازداد انكماشاً.
فقالت الهانم :
- قد كان ما كان، ولن تلقى منا إلا آذاناً صاغية!
وبدا أن الناظر يريد أن يخرج من صمته بأي ثمن فقال بصوت ضعيف :
- ثمة فرصة لإصلاح ما سلف من أخطاء.
أرهفت الآذان لسماع كلامه رغبة في الإطلاع على حال الجبار إذا تخلى عن جبروته وكانوا يرمقونه بتشف قليل وإنكار وحب استطلاع لا حد لهم. وتشجع الأفندي بتغلبه على الصمت فقال :
- تستطيع اليوم أن تحتل مكانة زقلط عن جدارة.
فتجهم وجه جبل وقال بازدراء :
- ليست الفتونة مطلبي، فابحث لحمايتك عن غيري، وما أريد إلا حقوق آل حمدان كاملة.
- هي لكم دون نقصان، ولك إدارة الوقف إن شئت.
فقالت هدى برجاء :
- كما كنت يا جبل من قبل.
وهنا صاح دعبس من بين آل حمدان :
- ولم لا يكون الوقف كله لنا؟
وسرت همهمة في آل حمدان حتى اصفر وجه الناظر وزوجه حتى الموت، غير أن جبل قال بقوة غاضبة :
- أمرني الواقف باسترداد حقكم لا باغتصاب حقوق الآخرين.
فتساءل دعبس :
- ومن أدراك أن الآخرين سيأخذون حقوقهم؟
فصاح به جبل :
- لا شأن لي بذلك، وإنك لا تكره الظلم إلا إن وقع عليك!
فقالت الهانم بتأثر :
- نعم الرجل الأمين أنت يا جبل! ولشد ما أرجو أن تعود إلى بيتي.
فقال جبل بتصميم :
- سأقيم في ربوع حمدان.
- إنها لا تليق بمقامك.
- عندما يجري الخير بين أيدينا سنرفعها إلى مقام البيت الكبير، وتلك رغبة جدنا الجبلاوي!
ورفع الناظر عينيه في شيء من التردد إلى وجه جبل وقال :
- إن ما بدر من أهل الحارة اليوم يهدد أمننا.
فقال جبل باحتقار :
- لا شأن لي بما بينك وبينهم.
وإذا بدعبس يقول :
- وإذا احترمت عهدنا فلن يجرؤ أحد منهم على تحديك!
فقال الناظر بحماس :
- سيسجل حقكم على رؤوس الأشهاد!
وهنا قالت هدى برجاء :
- ستتناول العشاء معي الليلة، هذه رغبة أم!
وفطن جبل إلى ما ترمي إليه من إعلان المودة بينه وبين بيت الناظر، ولم يكن في وسعه أن ينبذ رغبتها، فقال :
- لك ما تشائين يا سيدتي.

************

(42)
وابيضت الأيام التالية بأفراح آل حمدان أو آل جبل كما باتوا يدعون. فتحت قهوتهم أبوابها وتربع رضوان الشاعر على الأريكة يلعب بأوتار الرباب. وجرت البوظة أنهاراً وانعقدت في سماء الحجرات سحب الحشيش. ورقصت تمرحنة حتى انحل وسطها. ولم يبالوا بأن يكشفوا عن قاتل قدرة، وصور لقاء الجبلاوي بجبل في هالات من نور الخيال. وكانت تلك الأيام بالنسبة لجبل وشفيقة أطيب الأيام. وقد قال لها :
- ما أجمل أن ندعو البلقيطي للإقامة معنا.
فقالت وهي تعاني متاعب المخاض الوشيك :
- نعم كي يستقبل حفيده ببركته.
فقال الرجل ممتناً :
- أنت قدم السعد يا شفيقة، وستجد سيدة زوجاً كفؤاً من آل حمدان.
- قل آل جبل كما يقولون فإنك خير من عرف هذا الحي.
فقال باسماً :
- بل أدهم خيرنا جميعاً، كم تمنى حياة النعيم حيث لا عمل للإنسان إلا الغناء، وسوف يتحقق لنا حلمه الكبير.
وتراءى دعبس وهو سكران يرقص في جمع من آل جبل، فلما رأى جبل مقبلاً لوح بنبوته جذلاً وقال له :
- إنك لا تبغي الفتونة، سأكون أنا الفتوة.
فصاح به ليسمع الجميع :
- لا فتونة في حمدان، ولكن ينبغي أن يكونوا فتوات جميعاً على من يطمع فيهم.
ومضى الرجل إلى القهوة فتبعه الجميع وهم يترنحون من السكر. وكان جبل سعيداً فقال لهم :
- إنكم أحب أهل الحارة إلى جدكم، فأنتم سادة الحارة دون منازع، ولذلك ينبغي أن يسود بينكم الحب والعدل والاحترام، ولن ترتكب جريمة في حيكم أبداً..
وترامى الطبل والغناء من بيوت حمدان، وأشرقت أنوار الأفراح في حيهم، على حين غرقت الحارة في ظلمتها المألوفة، وتجمع صغارها عند مشارف حي حمدان يتفرجون من بعيد. وإذا برجال من أهل الحارة يفدون على القهوة بوجوههم الكالحة. استقبلوا بالمجاملة ودعوا إلى الجلوس وقدم لهم الشاي. وحدس جبل أنهم لم يجيئوا لخالص التهنئة.
وصدق حدسه إذ قال له زناتي وكان أكبرهم سناً :
- يا جبل إننا أبناء حارة واحدة وجد واحد، وأنت اليوم سيد الحارة ورجلها الأقوى، وأن يسود العدل الأحياء جميعاً خير من أن يسود حي حمدان وحده.
لم يتكلم جبل، وبدا الفتور في وجه آل جبل. ولكن الرجل قال بعزم :
- بيدك أن تجري العدل في الحارة كلها.
لم يهتم جبل بأهل الحارة من أول الأمر، ولم يكن يهتم بهم أحد من آله، بل أنهم شعروا بالاستعلاء عليهم حتى في أيام محنتهم.
وقال جبل برقة :
- وصاني جدي بأهلي.
- ولكنه جد الجميع يا جبل.
فقال حمدان :
- في هذا الكلام موضع للنظر.
وتفرس في الوجوه ليتابع أثر قوله فرأى انقباضها يشتد فاستطرد :
- أما علاقتنا به فقد أكدها بنفسه في لقاء الخلاء!
وبدا زناتي لحظة وكأنه يود أن يقول : " في هذا الكلام موضع للنظر" ولكن غلبه الانكسار فقال مسائلاً جبل :
- أيرضيك ما نحن فيه من فقر وذل؟
فقال جبل دون حماس :
- كلا ولكن لا شأن لنا بذلك.
فتساءل الرجل في إصرار :
- وكيف لا يكون لكم شأن بذلك؟
وساءل جبل نفسه بأي حق الرجل يكلمه ذلك الرجل على هذا النحو؟ لكنه لم يغضب. وجد بنفسه جانباً يكاد أن يعطف على الرجل. غير أن جانباً آخر منه استنكر أن يخوض في متاعب جديدة من أجل الآخرين.
ومن هم هؤلاء الآخرون؟ وجاء الجواب على لسان دعبس حين صاح بالرجل :
- أنسيتم ما كنتم تعاملوننا به أيام محنتنا؟
فغص الرجل من بصره ملياً ثم قال :
- من ذا الذي يستطيع أن يجهر برأي أو يعلن عاطفة في أيام الفتوات؟ وهل كان الفتوات يعفون عن أحد يعامل الناس بغير ما يرتضون؟
فزم دعبس شفتيه في استعلاء وإنكار وقال :
- كنتم ومازلتم تحسدوننا على مكانتنا في الحارة، ولعلكم سبقتم الفتوات إلى ذلك!
فأحنى زناتي رأسه في قنوط وقال :
- سامحك الله يا دعبس!
فصاح دعبس دون رحمة :
- اشكروا رجلنا لأنه لم يقبل أن يوجه لكم يد الانتقام!
وتوزعت الأفكار المتضاربة جبل فلاذ بالصمت. أشفق من أن يمد يد العون. ولم يرتح إلى الجهر بالرفض. ووجد الرجال أنفسهم حيال تأنيب قارع من دعبس، ونظرات باردة تعكسها أعين الآخرين، وصمت لا أمل فيه عند جبل، فنهضوا خائبين، وذهبوا من حيث أتوا. وصبر دعبس حتى اختفوا ثم حرك قبضة يمناه في بذاءة وهتف :
- إلى حيث القت يا أولاد الخنازير.
فصاح جبل :
- الشماتة ليست من شيم السادة!

******************

(43)
كان يوماً مشهوداً يوم تسلم جبل حصة آله من الوقف. واتخذ في حوش الربع – ربع النصر- مجلسه ودعا إليه آل حمدان. وأحصى ما في كل أسرة من أنفس ووزع الأموال بالتساوي فيما بينهم وحتى شخصه لم يخصه بامتياز. ولعل حمدان لم يرتح إلى هذه العدالة كل الارتياح ولكنه عبر عن مشاعره بطريقة غير مباشرة فخاطب جبل قائلاً :
- ليس العدل أن تظلم نفسك يا جبل!
فقطب جبل قائلاً :
- أخذت نصيب اثنين أنا وشفيقة.
- ولكنك رئيس هذا الحي.
فقال جبل بصوت سمعه الجميع :
- ما ينبغي لرئيس القوم أن يسرقهم.
وبدا دعبس وهو ينتظر المحاورة في قلق، ثم قال :
- جبل غير حمدان، وحمدان غير دعبس، ودعبس غير كعبلها!
فقال جبل معارضاً في غضب :
- تريد أن تجعل من الأسرة الواحدة سادة وخدماً!
ولكن دعبس تشبث برأيه وقال :
- فينا صاحب القهوة والبائع الجوال والمتسول فكيف تسوي بين هؤلاء! وأنا كنت أول من خرج على الحصار حتى تعرضت لمطاردة قدرة، وأول من لاقاك في غربتك، وأول من تحمس لرأيك بعد. ذلك القوم مترددون واشتد الغضب بجبل فصاح به :
- مادح نفسه كذاب، والله إن أمثالك يستحقون الظلم الذي حاق بهم.
وأراد دعبس مواصلة الجدل ولكنه تبين في عيني جبل غضباً من نار فتراجع، وغادر المجلس دون أن ينبس، وقصد عند المساء غرزة عتريس الأعمش، وجلس في حلقة الجالسين يدخن مجتراً همومه. وأراد أن يتسلى فدعا كعبلها للمقامرة، فلعبا السيجة، ولم تكد تمضي نصف ساعة حتى خسر نصيبه من ريع الوقف! وضحك عتريس وهو يغير ماء الجوزة وقال :
- يا سوء بختك يا دعبس! الفقر مكتوب عليك ولو رغم إرادة الواقف!
فغمغم دعبس بحقد وقد طير الخسران السطل من مخه :
- ليس بهذه السهولة تضيع الثروات!
فأخذ عتريس نفساً من الجوزة ليضبط كمية المياه بها ثم قال :
- لكنها ضاعت يا ابن والدي!
كان كعبلها يسوي الأوراق المالية بعناية، ثم رفع يده بها ليدسها في صدره، لكن دعبس منعه بيده وأشار بالأخرى إشارة خاصة أن يرد النقود! وقطب كعبلها وقال :
- لم تعد نقودك ولا حق لك عليها!
فصاح دعبس :
- دع النقود يا ابن الزبالة!
ونظر عتريس نحوهما بقلق وقال :
- لا تتشاجرا في بيتي.
فصاح دعبس وهو يشد على يد كعبلها :
- لن يسرقني ابن الزانية!
- أترك يدي يا دعبس، أنا لم أسرقك.
- يعني ربحتها في تجارة؟
- لماذا قامرت؟
فلطمه بشدة وهو يقول :
- نقودي، قبل أن أكسر عظامك.
ونتش كعبلها يده فجأة فثار غضب دعبس لحد الجنون وضربه بسبابته في عينه اليمنى.
صرخ كعبلها صرخة عالية، وانتفض واقفاً، ثم غطى عينيه بكفيه تاركاً الأوراق تتهاوى إلى حجر دعبس، وترنح من الألم، ثم سقط وراح يتلوى ويئن أنيناً موجعاً. والتفت حوله الجالسون، على حين جمع دعبس النقود وأعادها إلى صدره. وإذا بعتريس يقترب منه قائلاً في هلع :
- صفيت عينه!
فارتاع دعبس ملياً، ثم وقف فجأة وغادر المكان.
ووقف جبل في حوش النصر في جمع من رجال حمدان، والغضب يتفجر من عينيه وشدقيه. وجلس كعبلها القرفصاء وقد شد على عينه رباطاً محكماً على حين وقف دعبس يتلقى ثورة جبل في صمت وخذلان. وأراد حمدان أن يهدئ من ثورة جبل فقال بلين :
- سيرد دعبس النقود إلى كعبلها.
فصاح جبل بأعلى صوته :
- فليرد إليه بصره أولاً.
فبكى كعبلها وقال الشاعر رضوان متأوهاً :
- ليت في الإمكان رد البصر.
فقال جبل وقد أظلم وجهه كالسماء الراعدة البارقة :
- ولكن في الإمكان أن تؤخذ عين بعين!
وحملق دعبس في وجه جبل متوجساً، وأعطى النقود حمدان وهو يقول :
- كنت فاقد العقل من الغضب، وما قصدت إيذاءه.
فتفرس جبل وجهه بحنق طويلاً، ثم قال بصوت رهيب :
- عين بعين والبادئ أظلم.
تبودلت نظرات الحيرة. لم يٌر جبل أغضب منه اليوم، وقد برهنت الأحداث على قوة غضبه. كغضبته يوم أن ركل بيت النعيم. وكغضبته يوم قتل قدرة. حقاً إنه لشديد الغضب وإذا غضب لم يردعه عن هدفه رادع. وهم حمدان بالكلام ولكن بادره قائلاً :
- إن الواقف لم يؤثركم بحبه ليعتدي بعضكم على بعض، فإما حياة تقوم على النظام وإما فوضى لن تبقي على أحد، لذلك أصر على تصفية عينك يا دعبس.
وركب الرعب دعبس فصاح :
- لن تمسني يد ولو قاتلتكم جميعاً.
فانقض جبل عليه كالثور الهائج وضربه بجماع يده في وجهه ضربة هائلة سقط على أثرها دون حراك. وأقامه وهو فاقد الوعي، واحتضنه من الخلف شاداً ذراعيه حول جسمه، والتفت نحو كعبلها قائلاً بلهجة آمرة :
- قم فخذ حقك.
وقام كعبلها ولكنه وقف متردداً، على حين تعالى الصراخ من مسكن دعبس، وحدج كعبلها بنظرة قاسية وصاح به :
- تقدم قبل أن أدفنك حياً.
واتجه كعبلها نحو دعبس وبسبابته ضرب عينه اليمنى حتى انفقأت عينه على مرأى من الجميع. واشيد الصراخ من بيت دعبس. وبكى بعض أصدقاء دعبس مثل عتريس وعلي فوانيس، فصاح بهم جبل :
- يا لكم من جبناء وأشرار، والله ما كرهتم الفتونة إلا لأنها كانت عليكم، وما يأنس أحدكم في نفسه قوة حتى يبادر إلى الظلم والعدوان، وما للشياطين المستترة في أعماكم إلا الضرب بلا رحمة ولا هوادة، فإما النظام وإما الهلاك.
وترك دعبس بين أيدي أصحابه وذهب. وكان لذلك الحادث في النفوس أثر وأي أثر. كان جبل من قبل رئيساً محبوباً، وكان يظنه آله فتوة لا يريد أن يتخذ لنفسه اسم الفتونة أو شعارها، فأصبح من بعده مخوفاً مرهوباً. وتهامس أناس بقسوته وظلمه ولكن وجد هؤلاء دائماً من يرد عليهم قولهم ويذكر بالوجه الآخر لقسوته، وهو الرحمة بالمعتدى عليهم، والرغبة الصادقة في إقامة نظام يضمن العدل والنظام والإخاء في آل حمدان، ووجد هذا الرأي الأخير كل يوم ما يسنده في فعال الرجل وأقواله حتى آنس إليه من استوحش، وآمن من خاف، ومال من جفا، وحرص الجميع على النظام فلم يجاوز حدوده حد. وسادت الاستقامة والأمان في أيامه، فلبث بينهم رمزاً للعدالة والنظام، حتى غادر الدنيا دون أن يحيد عن مسلكه قيد أنملة.
هذه قصة جبل.
كان أول من ثار على الظلم في حارتنا. وأول من حظا بلقيا الواقف بعد اعتزاله. وقد بلغ من القوة درجة لم ينازعه فيها منازع. ومع ذلك تعفف عن الفتونة والبلطجة والإثراء عن سبيل الإتاوة وتجارة المخدرات، ولبث بين آله مثالاً للعدل والقوة والنظام. أجل لم يهتم بالآخرين من أبناء حارتنا ولعله كان يضمر لهم احتقاراً وازدراء كسائر أهله. ولكنه لم يعتد على أحد منهم ولا تعرض له بسوء، وضرب للجميع مثالاً جديراً بالاحتذاء.
ولولا أن آفة حارتنا النسيان ما انتكس بها مثال طيب.
لكن آفة حارتنا النسيان.


.


_________________
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7221
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

44و45

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 10:35 am




44
رفاعة
أوشك الفجر أن يطلع . وآوى على المضاجع كل حي في الحارة حتى الفتوات و الكلاب و القطط . و استقر الظلام في الأركان كأنه لم يبرح أبداً . وفي رعاية الصمت الشامل فتح باب ربع النصر بحي آل جبل في حذر شديد , فتسلل منه شبحان , سارا في سكون نحو البيت الكبير , ثم تابعا سوره العالي إلى الخلاء . نقلا خطواتهما في حذر , و جعلا يتلفتان وراءهما من حين على حين ليطمئنا إلى أن أحداّ لا يتبعهما , و أوغلا في الخلاء مهتدين بنور النجوم المتناثرة , حتى تبينا صخرة هند كقطعة من ظلام أشد كثافة مما حوله , كانا رجلان في أواسط العمر و امرأة شابة حبلى , وكلاهما يحمل بقجة مكتظة . وعند الصخرة تنهدت المرأة و قالت بإعياء :
عن شافعي , تعبت .
فتوقف الرجل عن المسير وهو يقول في غيظ :
استريحي , ربنا يتعب المتعب !
وضعت المرأة البقجة على الأرض و جبست عليها مفرجة ما بين فخذيها لتريح بطنها المنداحة , ووقف الرجل لحظة ينظر فيما حوله , ثم جلس على بقجة أيضاً . وهبّت عليهما نسائم معبقة بأنفاس الفجر الرطيبة , لكن المرأة لم تغفل عما يشغلها فتساءلت :
أين سألد ياترى ؟
فقال شافعي ساخطاً :
أي مكان يا عبدة خير كمن حارتنا اللعينة .
ورفع عينه على شيح الجبل الممتد من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب و قال :
سنذهب على سوق المقطم , إليه قصد جبل أيام محنته , وسأفتح دكان نجارة وأعمل كما كنت أعمل في الحارة , لي يدان تدرّان الذهب , ومعي نقود للبدء بها .
فشدت المرأة خمارها على رأسها و منكبيها و قالت بحزن :
سنعيش في غربة كمن لا أهل له , ونحن من آل جبل أسياد الحارة !
فبصق الرجل متأففاً و قال محنقاً:
أسياد الحارة ! ما نحن غلا عبيد أذلاء يا عبدة , ذهب جبل و عهده الحلو , و جاء زنفل أحجمه الله , فتوتنا وهو علينا لا لنا , يلتهم أرزاقنا و يفتك بمن يشكو .
لم تنكر عبدة شيئاً من قوله . كأنها مازالت تعيش في أيام المرارة و ليالي الأحزان , لكنها حين ضمنت الابتعاد عن مكاره الحارة حن قلبها إلى ذكرياتها الطيبة فقالت متحسرة :
لا توجد حارة كحارتنا لولا أشرارها , أين تجد بيتاً كبيت جدنا ؟ أو جيرناً كجيراننا ؟ أين تسمع حكايات أدهم و جبل و صخرة هند ؟ ألا لعنة الله على الأشرار !
فقال الرجل بصوت مرير :
و النبابيت تهوي لأتفه سبب , و أصحاب الوجوه المستكبرة يختالون بيننا ا كالقضاء و القدر!
و ذكر زنفل اللعين و كيف أخذ بتلابيبه , وهزه بعنف حتى كاد يقتلع ضلوعه, ثم مرغه بالتراب أمام الخلق , لا لشيء إلا لأنه جعل مرة من الوقف حديثه ! وضرب الأرض بقدمه و استطرد قائلاً :
المجرم اللعين خطف و ليد سيدهم بياع لحمة الرأس , ثم لم يسمع عن الوليد بعد ذبك أبداً , لم تأخذه رحمة بطفل في شهره الأول , و تتساءلين أين سألد , ستلدين بين أناس لا يقتلون الأطفال .
فتنهدت عبدة و قالت برقة كأنما لتخفف من مضمون حديثها :
ليتك رضيت بما رضي به الآخرون !
فقطب غاضباً و راء قناع الظلمة و قال :
ماذا جنيت يا عبدة ؟ لا شيء , كنت أتساءل أين جبل , وعهد جبل , أين القوة العادلة ؟ ماذا أرجع آل جبل إلى الفاقة و الذل ؟ فحطم دكاني و ضربني و كاد أن يفتك بي لولا الجيران , ولو بقيتا ببيتنا حتى تلدي لا نقض على الوليد كما فعل بوليد سيدهم .
فهزت رأسها في حزن و قالت :
آه لو صبرت يا معلم شافعي ! ألم تسمعهم يقولون أن الجبلاوي لابد أن يخرج يوماً من عزلته لينقذ أحفاده من الظلم و الهوان ؟
فنفخ المعلم شافعي طويلاً و قال بسخرية :
هكذا يقولون ! طالما سمعتهم منذ كنت غلاماً , لكن الحقيقة أن جدنا في البيت اعتزل , و أن ناظر وقفه بريع الوقف استأثر , إلا ما يهب للفتوات نظير حمايته , و زنفل فتوة آل جبل يتسلم نصيبهم ليدفنه في بطنه , كأن جبل لم يظهر في هذه الحارة , و كأنه لم يأخذ عين صديقه دعبس يعين المسكين كعبلها.
و سكتت المرأة لتسبح في أمواج الظلام . سيطلع عليها الظلام بين قوم غرباء . سيكون الغرباء جيرانها الجدد .و تستقبل أيديهم وليدها . وينمو الوليد في أرض غريبة كغصن مقطوع من شجرة , وما كانت قانعة إلا في آل جبل . تحمل الطعام على زوجها في الدكان . و تجلس في الليل وراء النافذة لتسمع رباب عم جواد الشاعر الضرير . ما أحلى الرباب وما أحلى قصة جبل . ليلة التقى الجبلاوي في الظلام فقال له ألا تخف , حياه بالعطف و التأييد حتى انتصر . و عاد إلى حارته بحبور الخاطر , و ما أحلى العودة بعد الاغتراب .
وكان شافعي يقلب وجهه في السماء , في النجوم الساهرة و يرنو إلى طلائع الضياء فوق الجبل كسحابة بيضاء في أفق سماء مكفهرة . وقال محذراً :
ينبغي أن نسير كي نبلغ السوق قبيل الشروق
مازلت في حاجة على الراحة .
الله يتعب المتعب
ما أجمل الحياة لولا وجود زنفل . الحياة عامرة بالخيرات و الهواء النقي و السماء المرصعة بالنجوم و المشاعر الطيبة ولكن فيها أيضاً ناظر الوقف إيهاب و الفتوات بيومي و جابر و حندوسة و خالد و بطيخة و زنفل .
وفي الإمكان أن يصير كل ربع كالبيت الكبير وأن ينقلب الأنين ألحاناً و لكن المساكين يتمنون المحال كما تمناه أدهم من قبل . ومن هم المساكين ؟ إنهم أقفية متورمة من الصفع و أدبار ملتهبة من الركل و رؤؤس يعشش فيها القمل .
لماذا نسينا الجبلاوي ؟
غمغمت الامرأة
الله يعلم بحاله .
فصاح الرجل في حسرة و غضب :
يا جبلاوي !
فردد الوصت صوته . وقام وهو يقول :
توكلي على الله .
قامت عبدة . تناول كفها في يده . وسارا نحو الجنوب , نحو سوق المقطم .
**************
45


قالت عبدة بفرح تألق في عينيها و ثغرها :
هاهي حارتنا , وها نحن نعود إليها بعد غربة , فالحمد لله ري العالمين .
فابتسم عم شافعي وهو يجفف جبينه بكم عباءته وقال برزانة:
حقاً ما أبهج العودة!
وكان رفاعة يصغي إلى والديه , ووجهه الصافي الجميل يعكس دهشة ممزوجة بالحزن . فقال كالمحتج :
وهل ينسى سوق المقطم و جيرانه ؟!
ابتسمن الأم وهي تحبك طرف الملاءة حول شعرها الذي وخطه المشيب . أدرك أن الفتى يحن إلى مولده كما تحن هي إلى مولدها , و أنه بما جبل عليه من رقة و مودة لا يستطيع أن يسلو الصداقات . و أجابته :
الأشياء الطيبة لا تنسى أبداً , و لكن هذه هي حارتك الأصلية , هنا أهلك , سادة الحارة , ستحبهم و يحبونك , ما أجمل حب جبل بعد وفاة زنفل .
فهتف عم شافعي محذراً :
لن يكون خنفس خيراً من زنفل .
لكن خنفس لا يضمر لك عداوة .
عداوات الفتوات تنشأ بسرعة نشور الطين عقب المطر .
فقالت عبدة برجاء :
لا تفكر هكذا يا معلم , عدنا لنعيش في سلام , ستفتح الدكان و سيجيء الرزق , ولا تنسى أنك عشت تحت سيطرة فتوة بسوق المقطم , ففي كل مكان فتوة يخضع له الناس .
واصلت الأسرة مسيرها نحو الحارة , يتقدمها عم شافعي حاملاً جوالاً , , وتبعه عبدة و رفاعة حاملاً بقجة ضخمة . وبدا رفاعة بقامته الطويلة وعوده النحيل ووجهه الوضاء فتى جذاب المنظر ينضح بالوداعة و الرقة , غريباً في الأرض التي يسير فوقها . وتأملت عيناه ما حوله في شغف حتى انجذبتا إلى البيت الكبير الذي يقف عند رأس الحارة منفرداً , ورؤؤس الأشجار تهتز من فوق سوره . رنا إليه طويلاً ثم تساءل :
بيت جدنا ؟
فقالت عبدة بابتهاج :
نعم , أرأيت ما حدثتك عنه ؟ فيه جدك , صاحب هذه الأرض كلها وما عليها , الخير خيره والفضل فضله , ولولا عزلته لملأ الحارة نوراً.
و أكمل عم شافعي ساخراً :
و باسمه ينهب إيهاب ناظر الوقف حارتنا , و يعتدي الفتوات علينا .
تقدموا محو الحارة محاذين للسور الجنوبي للبيت الكبير . لم ترتد عينا رفاعة عن البيت المغلق . ثم نراءى لهم بيت ناظر الوقف إيهاب و بوابه المقتعد أريكة عند بابه المفتوح . وفي مقابله قام بيت فتوة الحارة بيومي الذب وقفت أمامه عربة كارو محملة بمقاطف الأرز و سلال الفاكهة وقد مضى الخدم يحملونها للداخل تباعاً .وبدت الحارة ملعباً للغلمان الحفاة . على حين افترشت أسر الأرض أو الحصر أمام مداخل البيوت لينقوا الفول أو يخرطوا الملوخية , و تبودلت أحاديث و نكات ’ وزجر ونهر , و تعالت ضحكات و صرخات . مالت أسرة عم شافعي إلى حي جبل فصادفها في عرض الطريق شيخ ضرير , يتلمس طريقه بعصاه على مهل , فأنزل عم شافعي الجوال من فوق ظهره ومضى محوه منبسط الأسارير , حتى وقف أمامه وهو يهتف :
عم جواد الشاعر , السلام عليكم !
توقف الشاعر وهو يرهف أذنيه في انتباه , ثم هز رأسه في حيرة قائلاً :
وعليكم السلام , صوت غير غريب علي !
أنسيت صاحبك شافعي النجار ؟
فنهلل وجه الرجل و صاح :
عم شافعي ورب السموات .
و فنح ذراعيه فتعانق الرجلان في شوق وحنان حتى تطلعت إليهما أنظار القريبين و حاكى عناقهما غلامان عابثان . وقال جواد وهو يشد على يد صاحبه :
هجرتنا عشرين عاماً أو يزيد , ياله من عمر , و كيف زوجك ؟
فقالت عبدة :
بخير ياعم جواد سألت عليك العافية , وهاهو ابننا رفاعة , قبل يد عمك الشاعر .
و اقترب رفاعة من الشاعر مبتهجاً فتناول يده فلثمها , و ربت الرجل كتفه , وتحسس رأسه في استطلاع, و قسمات وجهه و قال :
بديع بديع , ما أشبهك بجدك !
فنور الثناء وجه عبدة , وضحك عم شافعي قائلاً :
لو رأيت جسده النحيل ما فلت ذلك .
حسبه ما أخذ , إن الجبلاوي لا يتكرر , ماذا يعمل الفتى ؟
علمته النجارة , لكنه ابن وحيد مدلل , يمكث في دكاني قليلاً و يهيم على وجهه في الخلاء و الجبل أكثر الوقت .
فقال الشاعر مبتسماً :
لا يستقر الرجل حتى يتزوج , و أين كنت يا معلم شافعي ؟
في سوق المقطم .
فضحك الرجل ضحكة عالية و قال :
كما فعل جبل , لكنه عاد حاوياً و نعود نجاراً كما ذهبت , على أي حال مات عدوك و لكن الخلف كالسلف .
فقالت عبدة بسرعة :
كلهم كذلك , وما نطمع بشيء إلا أن نعيش كما يعيش المسالمون .
و عرف رجال شافعي فهرعوا إليه , و دار العناق و ارتفعت الأصوات , وعاد رفاعة يتفحص ما حوله باهتمام و شغف , وأنفاس قومه تتردد من حوله , فتخفف كثيراً من وحشة القلب التي غشيته مذ فارق سوق المقطم . و مضت عيناه في التجول حتى وقفتا عند نافذة في الربع الأول , تطل منها فتاة راحت تحملق في وجهه باهتمام , فلما التقت عيناهما رفعت ناظريها على الأفق . و لمح ذلك رجل من أصحاب والده فهمس قائلاً :
عيشة بنت خنفس , نظرة إليها تسبب مذبحة !
فتورد وجه رفاعة و قالت أمه :
ليس هو من هؤلاء الشبان و لكنه يرى حارته لأول مرة .
ومن الربع الأول خرج في متانة الثور و يرفل في جلباب فضفاض , و ينطلق من فوق فيه شارب متحرش في وجه كثير الندوب و البقع فتهامس الناس " خنفس .. خنفس " . و أخذ جواد عم شافعي من يده و اتجه نحو الربع وهو يقول :
سلام الله على فتوة آل جبل , إليك أخانا المعلم شافعي النجار , عاد إلى حارته يعد غربة عشرين عاماً !
ألقى خنفس نظرة حافرة على وجه شافعي , متجاهلاً يده الممدودة ملياً , ثم تمتم في برود :
أهلاً
وتأمله رفاعة بامتعاض فهمست أمه في أذنه أن بذهب للسلام عليه .
وذهب رفاعة متضايقاً فند له يده , و قال عم شافعي :
ابني رفاعة .
و نظر خنفس إلى رفاعة نظرة استنكار و ازدراء , أوّلها الحاضرون بأنها احتقار لرقته غير المألوفة في الحارة . و صافحه بعدم اكتراث ثم التفت إلى أبيه متسائلاً :
ترى هل نسيت في غربتك سنة الحياة في حارتنا ؟
فأدرك شافعي ما يرمي إليه , و قال مدارياً ضيقه :
نحن في الخدمة دائماً يا معلم .
فتفرس في وجهه في ريبة و سأله :
لماذا هاجرت من حارتك ؟
فصمت شافعي ريثما بجد جواباً مناسباً و فقال خنفس :
هرباً من زنفل ؟
فقال جواد الشاعر مبادراً :
لم يكن ذلك لخطأ لا يغتفر .
فقال خنفس لشافعي محذراً :
لن تجد مني مهرباً عند الغضب .
فقالت عبدة برجاء :
ستجدنا يا معلم من أطيب الناس .
و مضى شافعي و أسرته وسط الأصحاب إلى دهليز ريع النصر ليتسلم مسكناً خالياً دله عليه عم جواد . وتراءت في نافذة مطلة على الدهليز فتاة حسناء ذات جمال وقح , وقفت تمشط شعرها أمام زجاج النافذة و فلما رأت القادمين تساءلت في دلال :
من القادم كالعريس في الزفة ؟
فتضاحك كثيرون و قال رجل :
جار لك جديد يا ياسمينة سيقيم في الدهليز أمامك .
فهتفت ضاحكة :
ربنا يزيد في عدد الرجال !
ومرت عيناها بعبدة دون اكتراث , لكنها وقفت على رفاعة باهتمام و إعجاب . ودهش رفاعة لنظرتها أكثر من دهشته لنظرة عيشة بنت خنفس . وتبع والديه إلى باب المسكن المقابل لمسكن ياسمينة على الجانب الآخر للدهليز , وصوت ياسمينة يغني :
آه من جماله يامّة.











_________________
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7221
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

46و47

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 10:41 am



46
فتح عم شافعي دكان النجارة عند مدخل ربع النصر . ومع الصباح خرجن عبدة تتسوق , ومضى عم شافعي و ابنه رفاعة على الدكان . وجلسا على
عتبة الدكان ينتظران الرزق . وكان في حوزة الرجل مال يكفيه شهراً أو يزيد فلم يطرقه القلق , فراح ينظر إلى الدهليز المسقوف بالمساكن , المفضي إلى الحوش الكبير و يقول :
هذا هو الدهليز المبارك الذي أغرق فيه جبل أعداءنا .
فتأمله رفاعة بعينين حالمتين و ثغر باسم , فعاد الرجل يقول :
وفي هذه البقعة أقام ادهم كوخه و حدثت الأحداث , و فيها بارك الجبلاوي ابنه و عفا عنه .
فازداد الثغر الجميل ابتساماً وأغرقت العينان في الحلم . الذكريات الجميلة كلها ولدت في هذا المكان . لولا الزمن لبقيت آثار أقدام الجبلاوي و ادهم , ولردد الهواء أنفاسهم , ومن هذه النوافذ انصبت المياه على الفتوات في الحفرة . من نافذة ياسمينة انصبت المياه على الأعداء . اليوم لا ينصب منها إلا نظرات مرعبة . و يعبث الزمان بكل جليل . أما جبل فانتظر داخل الحوش بين رجال ضعفاء . لكنه انتصر .
انتصر جبل يا أبي و لكن ما جدوى النصر؟
فتنهد الرجل قائلاً :
تعاهدنا على ألاّ نفكر في ذلك , أرأيت خنفس ؟
وعلا صوت غنج منادياً :
يا عم يا نجار.
فتبادل الأب وابنه نظرة إنكار , و نهض الأب رافعاً رأسه فرأى ياسمينة تطل من النافذة , و ضفيرتاها الطويلتان تتدليان و تتأرجحان , فهتف :
نعم !
فقالت بصوت متهالك من العبث :
ابعث صبيك ليأخذ ترابيزة لإصلاحها .
عاد الرجل إلى مجلسه وهو يقول لابنه : " توكل على الله " .
ووجد رفاعة باب المسكن مفتوحاً في انتظاره فغمغم قائلاً : " احم " فأذنت له بالدخول فدخل . وجدها في جلباب بني ذي كلفة بيضاء حول الطوق و فوق نهضة النهدين . و حافية و عارية الساقين وجدها أبضاً . و لبثت صامتة ملياً لتمتحن أثر منظرها في نفسه , فلما رأت صفاء عينيه لا يتغير أشارت إلى ترابيزة صغيرة قائمة على ثلاثة أرجل في ركن الصالة و قالت :
الرجل الرابعة تحت الكنبة , ركبها و حياتك و ادهن الترابيزة من جديد .
فقال بصوت ذي موقع عذب :
في الخدمة يا ست .
و الثمن ؟
سأسأل أبي .
فشهقت متسائلة ك
وأنت ؟ ألا تعرف الثمن ؟
هو الذي يخاطب فيه .
فتفرست بقوة في وجهه وسألته :
ومن يصلحها ؟
أنا , ولكن بأشرافه و معاونته .
فضحكن دون مبالاة و قالت :
بطيخة اصغر فتواتنا دونك في السن لكته يستطيع أن يدوخ زفة برمتها , وأنت لا تستطيع أن تركب رجل ترابيزة بمفردك !..
فقال رفاعة بصوت من يروم إنهاء الكلام :
المهم أنها ستعود إليك كأحسن ما يكون
وتناول الرجل الرابعة من تحت الكنبة , وحمل الترابيزة على كتفه و اتجه نحو الباب قائلاً :
فتك بعافية .
ولما وضعها أمام أبيه في الدكان قال الرجل بامتعاض وهو يتفحص الترابيزة :
أقول الحق أني كنت أفضل أن يجيء أول رزق من ناحية أنظف .
فقال رفاعة في سذاجة :
ليست قذرة بأي حال يا أبي , لكنها وحيدة فيما يبدو .
ليس أخطر من امرأة وحيدة !
لعلها في حاجة على هداية !
فقال عم شافعي ساخراً :
حرفتنا النجارة لا الهداية , هات الغرا .
وعند المساء ذهب عم شافعي و رفاعة على قهوة جبل . كان الشاعر جواد متربعاً على أريكته يحسو قهوته . وجبس شلضم صاحب القهوة عند المدخل . على حين احتل خنفس مكان الصدارة وسط هالة من المعجبين . و قصد شافعي و ابنه الفتوة ليؤديا إليه تحية الخضوع ثن اتخذا مكاناً خالياً جنب شلضم . و مالبث أن تناول عم شافعي الجوزة , وقدم لابنه قدح قرفة بالبندق . وبدا جو القهوة ناعساً , تنعقد في سمائه سحب الدخان , وتنتشر في هوائه الساكن روائح المعسل و النعناع و القرنفل , أما الوجوه ذات الشوارب المستنفرة فلاحت شاحبة ثقيلة الأجفان , و تلاقى السعال و النحنحة بالضحكات الغليظة و النكات الفاجرة . و ترامى من بطن الحارة هتاف غلمان يترنمون :
يا ولاد حارتنا توت توت
أنتو نصاره ولا يهود
تاكلوا ايه ناكل عجوة
تشربوا ايه نشرب قهوة
وكانت عند مدخل القهوة قطة تتربص , فانقضت محو أسفل أريكة , وندّت وسوسة ثم ظهرت راكضة نحو الحارة قابضة بأسنانها على فأرة . وردّ رفاعة عن فيه قدح القرنفل متقززاً , ورفع عينيه فوقعتا على خنفس وهو يبصق . وصاح خنفس مخاطباً الشاعر جواد :
متى تبدأ يا رأس الدواهي ؟
فابتسم جواد وهو يهز رأسه , ثم تناول الربابة , وبدأ بتحية للناظر إيهاب , فتحية ثانية لبيومي فتوة الحارة , و الثالثة توجت خليفة جبل الفتوة خنفس , ومضى يقول :
" و جلس أدهم في إدارة الوقف يستقبل مستأجري الأحكار الجدد , وكان ينظر في الدفتر حينما جاءه صوت الرجل الأخير يقول معلناً عن اسمه :
إدريس الجبلاوي ز
فرفع أدهم رأسه في فزع فرأى أخاه واقفاً أمامه ..."
وواصل الرجل الحكاية في جو من الإنصات . وتابعه رفاعة في شغف . هذا هو الشاهر وهذه هي الحكايات . كن سمع أمه وهي تقول :
" حارتنا حارة الحكايات " . وحقاً كانت جديرة بالحب هذه الحكايات . لعل فيها عزاء عن ملاعب سوق المقطم و خلواته . وراحة لقلبه المحترق بهيان غامض . غامض كهذا البيت الكبير المغلق . لاأثر فيه لحياة إلا رؤؤس أشجار الجميز و التوت والنخيل . وأي دليل على حياة الجبلاوي إلا الشجار و الحكايات ؟ وأي دليل على أنه حفيده سوى الشبه الذي لمسه الشاعر جواد بيديه ؟ وكان الليل يتقدم , وعم شافعي يدخن جوزة ثالثة , و اختفت من الحارة نداءات الباعة وهتافات الغلمان , ولم يعد يبقى سوى أنغام الرباب ودقة دربكة آتية من بعيد . وصراخ امرأة ينهال عليها زوجها ضرباً . أما أدهم فقد جره إدريس إلى مصيره . إلى الخلاء تتبعه أميمة الباكية . كما خرجت أمي من الحارة وأنا في بطنها أضطرب . اللعنة على الفتوات . وعلى القطط حين تلفظ الفئران أنفاسها بين أسنانها . وعلى كل نظرة ساخرة أو ضحكة باردة . وعلى من يستقبل أخاه العائد بقوله لا مهرب مني عند الغضب . وعلى صانعي الرعب و خالقي النفاق . أما أدهم فلم يبقى له إلا الخلاء . وهاهو الشاعر يغني أغنية من أغاني إدريس المخمورة . ومال إلى أذن أبيه و قال :
أريد أن أزور المقاهي الأخرى .
فقال عم شافعي متعجباً :
قهوتنا خير قهوة في الحارة .
ماذا يقول الشعراء هناك ؟
الحكايات نفسها و لكنك اسمعها هناك وكأنها غير الحكايات .
وترامى التهامس إلى شلضم فمال نحو رفاعة قائلاً :
ليس أكذب من أهل حارتنا , والشعراء أكذب الكاذبين , يتسمع في القهوة التالية إن جبل قال إنه ابن الحارة , ووالله ما قال غلا أنه ابن حمدان .
فقال عم شافعي :
الشاعر يريد إرضاء السامعين بأي ثمن .
فقال شلضم همساً :
بل يريد ارضاء الفتوة .
و غادر الأب و الابن القهوة عند منتصف الليل , وكانت الظلمة كثيفة تكاد تتجسد . وهناك أصوات رجال كأنها تصدر عن لا شيء . وسيجارة تتوهج في يد غير مرئية كأنها نجم تهاوى نحو الأرض . و تساءل الأب :
أعجبتك الحكاية ؟
نعم , ما أجمل الحكايات .
فضحك الأب قائلاً :
عم جواد يحبك , وماذا قال لك في الاستراحة ؟
دعاني إلى زيارته في بيته .
ما أسرع أن تُحب , ولكنك صبي بطيء التعلم .
فقال معتذراً :
لدي عمر كامل للنجارة , ولكم يهمني الآن أن أزور المقاهي جميعاً .
وتلمسا طريقهما إلى الدهليز فترامت إليهما من بيت ياسمينة ضجة مخمورة , وصوت يغني :
يابو الطاقية الشبيكة قل لي مين شغلها لك
شبكت قلبي الهي ينشغل بالك
فهمس رفاعة في إذن أبيه :
ليست وحيدة كما ظننت .
فتنهد الأب قائلاً :
ما أكثر ما ضيعت من عمر في الخلوات !
وراحا يرقيان في السلم على مهل و حذر , وإذا برفاعة يقول :
أبي , سأوزر عم جواد الشاعر .


***********
47
طرق رفاعة باب جواد الشاعر بالربع الثالث بحي جبل . وكان يتصاعد من الحوش سباب حاد تتبادله نسوة ممن اجتمعن لغسل و الطهي فأطل من فوق درابزين الطرقة المستديرة المشرفة على فناء الريع . وكانت المعركة الأساسية تدور بين امرأتين , وقفت أولاهما وراء طشت غسيل تلوح بيدين مغطاتين برغوة الصابون , ووقفت الأخرى عند مدخل الدهليز مشمرة عن ساعديها ترد السباب بأفظع منه ونرّقص وسطها استهزاء . أما النساء الأخريات فانقسمن على فرقتين , و تلاطمت الأصوات حتى تجاوبت جدران الربع بالشتائم المقذعة و القذف العاهر . وسرعان ما جفل مما برى و يسمع فتحول عن موقفه إلى باب الشاعر متقززاً . حتى النساء , حتى القطط , و دعك من الفتوات . في كل يد مخلب وفي كل لسان سم , و في القلوب الخوف و الضغائن . أما الهواء النقي ففي خلاء المقطم أو في البيت الكبير حيث ينعم الواقف بالسلام وحده ! وفتح الباب عن وجه الضرير المستطلع فحياه فابتسمت أسارير الرجل , وأوسع له وهو يقول :
أهلاً بابن أخي
و تلقى رفاعة أول ما دخل شذى يخور نافذ كأنه أنفاس ملاك . ومضى وراء الرجل إلى حجرة صغيرة مربعة , اصطفت بأضلاعها الشلت , و انبسطت فوق أرضها حصيرة مزركشة , وبدا جوها خلف خصاص النوافذ المغلقة في سمرة الأصيل , وقد زين سقفها حول الفانوس المدلى بصور العصافير و الحمام . تربع الشاعر على شلتة فجبس رفاعة إلى جانبه , و قال الرجل :
كنا نعد القهوة .
و نادى زوجته فجاءت امرأة حاملة صينية القهوة فقال جواد :
تعالي يا أم بخاطرها , هذا رفاعة ابن عم شافعي .
فجلست المرأة على جاني زوجها من الناحية الأخرى , وراحت نصب القهوة في الفناجيل وهب تقول :
أهلاً بك يا ابني .
بدت في منتصف الحلقة السادسة , مستقيمة العود , قوية البنية , تلفت النظر بعينين نافذتين ووشم فوق الذقن . و أشار جواد ناحية الضيف و قال :
إنه سميع يا أم بخاطرها , شغوف بالحكايات , و بمثله يتحمس الشاعر و يرضى , أما الآخرون فسرعان ما يغلبهم نعاس المنزول و الحشيش .
فقالت المرأة بدعابة :
حكاياتك جديدة عليه معادة عليهم
فقال الشاعر بغيظ :
هذا صوت عفريت من عفاريتك.. ( ثم موجهاً الخطاب إلى رفاعة ) ... الولية كودية زار ..
فتطلع رفاعة نحو المرأة باهتمام فالتقت عيناهما وهي نمد له يدها بفنجال القهوة . كم كانت تجذبه دقة الزار في سوق المقطم . وكان قلبه يتابعها راقصاً , فيقف في الطريق رافعاً رأسه نحو النوافذ , متطلعاً إلى البخور السابح في الفضاء و الرؤوس المترنحة . و سأله الشاعر :
الم تعرف في غربتك شيئاً عن حارتنا ؟
حدثني أبي عنها كما حدثتني أمي , و لكن فلبي كان هنالك , فلم أكترث كثيراً للوقف و مشاكله , و عجبت من كثرة ضحاياه , فملت إلى رأي أمي في إيثارها الحب و السلام .
فتساءل جواد وهو يهز رأسه في حزن :
و كيف يتسنى للحب و السلام أن يعيشا بين الفقر و نبابيت الفتوات !
فلم يجبه رفاعة . لا لأنه لم يكن ثمة جواب . و لكن لأن عينيه رأتا لأول مرة صورة غريبة فوق الجدار الأيمن للحجرة صورة مرسومة بالزيت على الجدار كالصور التي تزين جدران المقاهي . و تمثل رجلاً هائلاً تبدو على جانبه ربوع الحارة ضئيلة كلعب الأطفال, فتساءل الشاب :
من صاحب هذه الصورة ؟
فأجابت أم بخاطرها :
الجبلاوي.
هل رآه أحد ؟
فقال جواد :
كلا و لم يره أحد من جيلنا , حتى جبل لم يتبينه في ظلمة الخلاء , و لكن المبّيض رسمه على مثال مايرد من وصفه في الحكايات .
فتساءل رفاعة متنهداً :
لماذا أغلق أبوابه في وجه أحفاده ؟
يقولون الكبر , من يدري كيف تمضي به الأيام ! و الله لو فتح أبوابه ما بقي احد من أهل حارتنا في داره القذرة .
ألا تستطيع إن ...
و لكن أم بخاطرها قاطعته قائلة :
لا تشغل به نفسك , فإن أهل حارتنا إذا بدئوا الكلام عن الواقف جرهم الكلام إلى الوقف ثم تقع المصائب أشكالاً و ألواناً .
فهز رأسه في حيرة متسائلاً :
و كيف لا تشغل النفس في مثل هذا الجد العجيب ؟ !
لنفعل مثله فإنه لا يشغل بنا نفسه .
فرفع رفاعة بصره على الصورة ثم قال :
لكنه قابل جبل و كلمه .
نعم , و لما مات جبل جاء ونفل ثم خنفس , و كأننا يا بدر لا رحنا و لاجينا
فضحك جواد و قال لامرأته :
إن الحارة في حاجة لمن يخلصها من شياطينها كما تخلصين الممسوسين من عفاريتهم .
فابتسم رفاعة و قال :
يا عمي إن العفاريت حقاً هم أولئك الناس , لو رأيت كيف كانت مقابلة خنفس لأبي !
لا شان لي بأولئك , عفاريتي الآخرون يذعنون لي كما كانت تذعن الثعابين لجبل , و عندي لهم جميع ما يحبون من بخور سوداني و تعاويذ حبشية و أغان سلطانية .
فسألها رفاعة باهتمام :
ومن أين أتتك هذه القدرة على العفاريت ؟
فحدجته بنظرة حذرة و قالت :
هب حرفتي كما أن النجارة حرفة أبيك , جاءتني من وهاب الفن !
فأفرغ رفاعة ثمالة الفنجان في فيه وهمّ بالكلام , غير أن صوت عم شافعي تصاعد من الحارة صائحاً :
يارفاعة , يا ولد يا كسول .
فقام رفاعة إلى النافذة ففتحها و أطل منها حتى التقت عيناه عيني أبيه وهتف :
أمهلني نصف ساعة يا أبي .
فرفع الرجل منكبيه فيما يشبه اليأس ورجع إلى دكانه . وعندما اخذ رفاعة بغلق النافذة رأى عيشة في موقفها بالنافذة كما رآها أول مرة , ترمو إليه باهتمام . خيل إليه أنها ابتسمت ئ. أو أن عينها تكلمت . و تردد لحظة , و لكنه أغلق النافذة و عاد على مجلسه . و إذا بجواد يضحك قائلاً :
أبوك يريد لك النجارة , و لكن فيما ترغب أنت ؟
فتفكر رفاعة ملياُ ثم قال :
علًي أن أكون نجاراً كأبي , و لكني أحب الحكايات , وهذه الأسرار حول العفاريت , فحدثيني عنها يا عمتي .
فابتسمت المرأة و بدت كأنها سنحت بأن تهبه" قليلاً " من علمها فقالت :
لكل إنسان عفريت هو سيده , و لكن ليس كل عفريت يشر يجب أن يخرج .
و كيف نميز بين هذا و ذاك ؟
عمله يدل عليه , أنت مثلاً و لد طيب فما يستحق سيدك إلا الجميل و ليس هكذا عفاريت بيومي و خنفس و بطيخة !
فقال ببراءة :
و عفريت ياسمينة هل يجب أن يخرج ؟
فضحكن أم بخاطرها و قالت :
جارتكم ؟ لكن رجال جبل يريدونها كما هي .
فقال باهتمام جدي :
أريد أن أعرف هذه الأشياء فلا تبخلي علي ى.
فقال جواد :
منذا الذي يبخل على الابن الطيب ؟
و قالت أم بخاطرها :
جميل أن تلازمني كلما سمح الوقت , و لكن على شرط ألا يغضب أبوك . و سيتساءل الناس ما لهذا الولد الطيب و العفاريت , و لكن اعلم ألا داء للناس إلا العفاريت .
و كان يستمع وهو يرتو على صورة الجبلاوي .








_________________
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7221
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

48و49و50

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 10:48 am





48

النجارة مهنته و مستقبله , لا مهرب منها فيما يبدو . إن تكن نفسه لا ترتاح إليها فأي شيء ترتاح إليه نفسه ؟ إنها أفضل من السعي الكادح وراء عربات اليد , أو من حمل المقاطف و السلال , أما الكمهن الأخرى كالبلطجة و الفتونة فما ابغضها وأمقتها . أم بخاطرها أثارت خياله كما لم يثره شيء من قبل اللهم إلا صورة الواقف المرسومة على جدار الحجرة في بيت جواد الشاعر . و حض أباه يوماَ على رسم صورة مثلها في بيتهم أو في الدكان فقال له الرجل نحو أولى بنفقاتها , وهي خيال وما قيمة الخيال ؟ فما كان منه غلا أن قال له بودي لو أراه ! فضحك الرجل ضحكة عالية و قال له معاتباً أليس من الأفضل أن ترى عملك ! لن أعيش لك إلى الأبد , و عليك أن تتأهب ليوم تحمل فيه وحدك أعباء أمك و زوجك و أطفالك . لكنه لم يكن يفكر في شيء كما كان يفكر فيما تقول أو نفعل أم بخاطرها . بدت له أحاديثها عن العفاريت غاية في الأهمية . ولم تزايل وعيه حتى في الأوقات السعيدة التي تردد فيها على مقاهي الحارة واحدة يعد أخرى . حتى الحكايات نفسها لن ترسب في نفسه كما رسبت أحاديث أم بخاطرها . لكل إنسان عفريت هو سيده , وكم من ليلة قضاها في حضرة الست , يتابع دقات الزار ز يشهد ترويض العفاريت . ومن المرضى من يساق إلى البيت في حال خمود و إعياء ومنهم من يحمل مقيداً في الأغلال اتقاء لشره . و يُحرق البخور المناسب إذا لكل حال بخورها , و تدق الدقة المطلوبة إذا لكل عفريت دقة يطلبها , ثم نحدث الأعاجيب . إذن عرفنا لكل عفريت دواءه و لكن ما دواء ناظر الوقف و فتواته ؟ ! هؤلاء الشرار يسخرون من الزار ولعله لم بخلق غلا لهم ! القتل هو الوسيلة للخلاص منهم أما العفريت فيستكين بالبخور الزكي و النغمة الطيبة . كيف يؤخذ العفريت الشرير بالجميل الطيب ؟ ! ألا ما أجب ما نتعلمه من الزار و العفاريت ! و قال لأن بخاطرها أنه يرغب من أعماق قلبه في تلقي أسرار الزار , فسألته أتطمع في المال الكثير ؟ فأجابها بأنه في تطهير الحارة يرغب لا في المال الكثير . و ضحكت المرأة قائلة أنه أول رجل يرغب في هذا العمل فماذا استهواه فيه ؟ فأكد قائلاً إن احكم مافي عملك أنك تهزمين الشر بالطيب الجميل . و لما مضت تبيح له أسرارها طاب نفساً . وإعراباً عن مسرته كان يصعد إلى سطح الربع في نشوة الفجر ليشهد يقظة النور , و لكن يستأثر البيت الكبير بلبه دون النجوم و السكون و صياح الديكة , و يرنو على البيت الراقد بين الشجار طويلاً , ثم يتساءل : أين أنت يا جدي ؟ لماذا لا تظهر ولو لحظة ! لماذا لا تخرج ولا مرة ؟ لماذا لا تتكلم ولو كلمة ؟ ألا تدري أن كلمة منك تغير حارتنا من حال على حال ؟ أم يرضيك ما يجري بها ؟ وما أجمل الأشجار حول بيتك ! إني أحبها لأنك تحبها , وأنظر إليها لألتقي نظراتك المطبوعة عليها . و كلما أفضى بخواطره إلى أبيه سمع عتاباً و قال له : " و عملك يا كسلان ! إن أمثالك من الشبان يجوبون الأحياء سعياً وراء الرزق أو يهزون الحارة إذا رفعوا النبابيت ! " ويوماً كانت الأسرة مجتمعة عقب الغداء إذا بعبده تقول لزوجها باسمة :
قل له يا معلم .
أدرك رفاعة أنه المقصود بالكلام فنظر إلى أبيه مستطلعاً لكن الرجل خاطب زوجته قائلاً :
حدثيه أنت بما عندك أولاً .
فنظرت عبدة على ابنها بإعجاب و قالت :
خبر سعيد يا رفاعة , زارتني ست زكية زوجة فتوتنا خنفس !ورددت لها الزيارة بطبيعة الحال فاستقبلتني بحفاوة وقدمت إلّي ابنتها عيشة , بنت جميلة كالقمر , ثم زارتني مرة أخرى ومعها عيشة .
د ولحظ عم شافعي ابنه بطرف خفي وهو يرفع فنجال القهوة على فيه ليرى اثر الحكاية في نفسه , ثم هز رأسه هزة من قدر الصعوبة التي تنتظره , و قال بتفخيم :
هذا شرف عظيم لم يحظ بمثله بيت في حي جبل , تصور أن زوجة خنفس و ابنته يزوران بيتنا هذا !
رفع رفاعة عينيه إلى أمه حائراً فقالت بحماس :
ما أفخم مسكنهم , المقاعد الوثيرة , السجاد الفاخر , حتى الستائر تنسدل فوق النوافذ و الأبواب .
فقال رفاعة ممتعضاً :
كل هذا الخير من أموال آل جبل المغتصبة !
فدارى عم شافعي ابتسامة وهو يقول :
تعاهدنا على ألاّ نتكلم في هذا الموضوع .
و قالت عبدة باهتمام :
فلنذكر فقط أن خنفس سيد آل جبل و إن صداقة أهله دعاء مستجاب .
فقال رفاعة في ضجر :
مباركة عليك هذه الصداقة .
فتبادلت الأم مع زوجها نظرات ذات معنى , قالت على أثرها :
إن مجيء عيشة مع أمها حدث له معنى !
فتساءل رفاعة وهو بشعر بانقباض :
ما معناه يا أمي :
فضحك شافعي وهو يلوح بيده يائساً وقال مخاطباً عبدة :
كان ينبغي أن نقص عليه كيف تم زواجنا !
فهتف رفاعة بضيق :
كلا ! كلا يا أبي .
ماذا تعني ؟ ومالك تبدو كالعذراء ؟
و قالت عبدة بإغراء و رجاء :
أنت الذي بيدك أن تدخلنا نظارة وقف آل جبل , سيرحبون بك إذا تقدمت , حتى خنفس سيرحب بك , إذا لولا ثقة المرأة في مكانتها عنده ما أقدمت على تلك الخطوة , أمامك جاه ستحسدك الحارة عليه من أولها إلى آخرها .
و قال الأب ضاحكاً :
من يدري فلعلنا نراه يوماً ناظراً لوقف آل جبل أو ترى أنت أحد أبنائك فيه .
أنت الذي تقول ذلك يا أبي ؟ ! ـأنسيت لماذا هاجرت من الحارة منذ عشرين عاماً ؟
فرمش عم شافعي في شيء من الارتباك و قال :
نحن نعيش اليوم كما يعيش غيرنا , فلا يجوز أن نهمل انتهاز فرصة تجيء بنفسها إلينا .
و تمتم رفاعة وكأنه بحادث نفسه :
كيف اصهر إلى عفريت و أنا لا هّم لي اليوم إلا مطاردة العفاريت !
فصاح عم شافعي محتداً :
ما طمعت يوماً في أن أجعل منك أكثر من نجار , ولكن الحظ يعرض عليك درجة مرموقة من حارتنا , و لكنك تريد أن نكوم كودية زار , يا للعار , أي عين أصابتك ؟
قل أنك ستتزوجها ودعنا من الهزر :
لم أتزوجها يا أبي .
فقال شافعي دون مبالاة :
سأزور خنفس لأطلب القرب منه .
فهتف رفاعة بحرارة :
لا تفعل يا أبي فسأله أبوه في جزع :
خبِّرني ما شانك ياولد ؟ !
و توسلت عبدة على زوجها قائلة :
لا تشتد عليه , أنت أعلم بحاله .
ياسوء ما أعلم , حارتنا تعيرنا برقته .
ترفق به حتى يفكر بالأمر .
أقرانه آباء , و الأرض تهتز عند وقع أقدامهم .
وحدجه بنظرة مغيظة ثم استطرد محتداً :
لماذا يهرب الدم من وجهك ؟ إنك من صلب رجال !
وتنهد رفاعة . الصدر منقبض لحد البكاء . وشائج الأبوة يمزقها الغضب . و البيت يقسو أحباناً فيرتد سجناً كئيباً . ومرادك ليس في هذا المكان ولا بين هؤلاء الناس . و قال بصوت مبحوح :
لا تعذبني يا أبي .
أنت الذي تعذبني , كما عذبتني منذ ولدت .
وأحنى رفاعة رأسه حتى اختفى وجهه عن والديه , و أخفض الرجل من صوته وسكّن ما استطاع غضبه , ثم سأله :
هل تخاف الزواج ؟ ألا تحب أن تتزوج ؟ صارحني بما في نفسك , أم أذهب على أم بخاطرها فلعلها تعرف عنك ما لا نعرف !
فهتف بحدة :
كلا ..وقام فجأة فغادر الحجرة .

*****************
49

ونزل عم شافعي ليفتح الدكان فلم يجد رفاعة هناك كما توقع . و لكنه لم يناد عليه و قال لنفسه : إنه من الحكمة أن يتظاهر بالبرود لغيابه . و مضى النهار يزحف رويداًً وضوء الشمس ينحسر عن أرض الحارة و النشارة تتكاثف حول قدمي شافعي دون أن يظهر رفاعة . و أتى المساء و أغلق الرجل الدكان وهو في غاية من الضيق و الغضب . و قصد كعادته قهوة شلضم و اتخذ مجلسه , ولما رأى جواد الشاعر قادماً وحده تولاه العجب و سأله :
إذن أين رفاعة ؟
فأجابه الرجل وهو يتلمس طريقه إلى أريكته :
لم أره منذ أمس .
فقال شافعي بقلق:
لم أره منذ تركنا بعد الغداء .
رفع جواد حاجبيه الأشيبين ثم تساءل وهو يتربع على الأريكة و يضع الرباب إلى جانبه :
هل وقع بينكما شيء ؟
و لم يجبه شافعي , وقام فجأة فغادر القهوة . و تعجب شلضم لقلق شافعي و قال ساخراً :
هذه طراوة لم تعرفها حارتنا مذ أقام إدريس كوخه في الخلاء , كنت أتغيب في صغري عن الحارة أياماً عن الحارة فلا يسأل عني أحد , وعند عودتي يصيح بي أبي الله يرحمه : " ما الذي عاد بك يا ابن اللئيمة " ؟ فعلق خنفس على كلامه من صدر القهوة قائلاً :
أصله لم بكن على يقين من أنك ابنه .
و ضجت القهوة بالضحك , وهنأ كثيرون خنفس على جميل دعابته ! أما عم شافعي فمضى على بيته و سال عبدة : هل عاد رفاعة ؟ فاستحوذ القلق علة المرأة وقالت : إنها كانت تظنه بالدكان كعادته . و اشتد قلقها حين أخبرها أنه بم يذهب كذلك إلى بيت جواد الشاعر , و راحت المرأة تتساءل في قلق :
إذن أين ذهب ؟
و ترامى إليهما صوت ياسمينة و هي تزعق منادية على بياع تين فنظرت عبدة إلى شافعي نظرة مريبة فهز الرجل رأسه برماً و أطلق ضحكة جافة مقتضبة ساخرة و لكن المرأة قالت :
فتاة مثلها تحل العُقد !
و ذهب الرجل إلى بيت ياسمينة مدفوعاً باليأس وحده . طرق الباب فتحت ياسمينة بنفسها , و لما عرفته تراجع رأسها في دهش مقرون بالظفرو قالت :
أنت ! ياما تحت السواهي دواهي !
فغض الرجل بصره أمام شفافية قميصها و قال بانكسار:
رفاعة عندك ؟
فازدادت دهشة و قالت :
رفاعة ! لمه ؟
فعلا الرجل الارتباك , فأشارت إلى الرجل فسألته ساخرة :
هل أدركه البلوغ اليوم ؟
و سمعها تخاطب شخصاً في الداخل قائلة :
في هذا الزمان الفتى يخشى عليه أكثر من الفتاة .
ووجد عم شافعي عبدة تنتظره في الدهليز , فقالت له :
سنذهب معاً إلى سوق المقطم .
فصاح الرجل بغضب :
الله يتعبه , أهذا جزائي بعد يوم عمل شاق !
و استقلا عربة كارو إلى سوق المقطم , وسألا عنه عند جيرانهما الأقدمين , وعند المعارف فلم يعثرا له على أثر . أجل كان يتغيب ساعات في العصارى أو الأصائل في الخلوات أو الجبل , ولكن لا يتصور أحد أن يلبث حتى هذه الساعة من الليل في الخلوات أو الجبل , وعادا إلى الحارة كما ذهبا ولكن على حال من الجزع أشد . ولاكت الألسن اختفاؤه خاصة بعدأن مضت عليه أيام . صار دعابة في القهوة و بيت ياسمينة و في حي جبل . تندّر الجميع بفزع والديه . و لعل أم بخاطرها وعم جواد كنا الوحيدين اللذين شاركا والديه في حزنهما . و قال عم جواد :
: أين ذهب الفتى ؟ ليس من أولئك الشبان , لو كلن على شاكلتهم ما جزعنا ! " وصاح بطيخة مرة وهو سكران : " جدع تايه يا أولاد الحلال " كأنما ينادي على طفل تائه , فضحكن الحارة وراح الغلمان يرددونها . ومرضت عبدة من الحزن . وعمل شافعي في دكانه بعقل شارد و عينين محمرتين من الأرق . أما زكية زوجة خنفس فقد انقطعت عن زيارة عبدة و تجاهلتها في الطريق , ويوماً كان شافعي مكياً على نشر قطعة من الخشب إذ صاحت يه ياسمينة وهي عائدة من مشوار :
عم شافعي .. انظر .
وجدها تشير إلى نهاية الحارة عند الخلاء فغادر الدكان و المنشار في يده ليرى ما تشير إليه فرأى ابنه يتقدم نحو الربع في استحياء . وترك الرجل المنشار وهرع نحو ابنه وهو يتفحصه بدهشة , ثم قيض على عضديه هاتفاً :
رفاعة ! أين كنت ؟ ألا تدري ما بعني غيابك لنا ؟ لأمك المسكينة التي تكاد أن تموت جزعاً ؟
ولم ينبس الشاب , ووضح للأب هزاله فسأله :
هل كنت مريضاَ ؟
فأجاب في ارتباك :
كلا , دعني أرى أمي .
و اقتربت ياسمينة منهما وسألت الشاي في ارتياب :
ولكن أين كنت ؟
فلم ينظر نحوها , وتجّمع حوله الغلمان . فسار به أبوه إلى البيت . وسرعان ما تبعهما عم جواد و أم بخاطرها . و لما رأته أمه وثبت من الفراش وهي تقول بصوت ضعيف :
سامحك الله .. كيف هانت عليك أمك ؟
فتناول راحتها بين يديه وأجلسها على الفراش و جلس إلى جانبها وهو يقول :
إني آسف..
فرفع أبوه وجهاً متجهماً تقيض الارتياح الساري في أعماقه كالغمامة السوداء المظلّة لوجه القمر و قال بعتاب :
ليس إلا أننا قصدنا إسعادك !
فتساءلت عبدة بعينين مغرورقتين :
توهمت أننا نجيرك على الزواج !
فقال بحزن :
إني متعب .
فسأله أكثر من صوت :
أين كنت ؟
فتنهد قائلاً :
ضقت بحياتي فذهبت على الخلاء , شعرت برغبة في الوحدة والخلاء . ولم أمن أتركه إلا لشراء الطعام .
فضرب الأب جبهته بيده وصاح :
ما هكذا يفعل العقلاء !
وإذا بأم بخاطرها تقول في إشفاق :
دعوه , أنا خبيرة بهذه الأحوال , ولا يصح أن يُفرض على مثله شيئاً يأباه .
فقالت عبدة وهي تشد على يده :
كانت سعادته أملنا , و لكن ماقدر كان , كم ضمرت يا ابني !
و تساءل عم شافعي في غيظ :
دلوني على شيء كهذا لم يحصل من قبل في حارتنا !
فقالت أم بخاطرها في لوم :
ليس حاله بالغريب با عم شافعي , صدّقني , إنه شاب نادر المثال !
فغمغم عم شافعي في حزن :
صرنا أحدوثة في الحارة .
فقالت أم بخاطرها غاضبة :
ليس في الحارة ملها فتلا مثله .
فقال عم شافعي :
هذا موضع الأسى .
فصاحت أم بخاطرها :
وحِّد الله يارجل , أنت لا تدري ماذا تقول ولا تفهم ما يقال .

**********

50
أصبح للدكان منظر يوحي بالنشاط و النجاح . فعند طرف الطاولة وقف عم شافعي ينشر الخشب , وعند طرفها الآخر قبض رفاعة على القدوم وراح يدق المسامير , أما أسفل الطاولة فبدا إناء الغراء مغروساً في ركام النشارة حتى منتصفه . وأسندت على الجدران ضلفات نوافذ و مصاريع أبواب , يتوسطها صف عمودي من الصناديق الجديدة بلون الخشب الباهت المصقول لا ينقصها غلا الدهان . و امتلأ الجو برائحة خشبية وأصوات النشر و الدق والحك و قرقرة الجوزة يدخنها أربعة زبائن جلسوا عند مدخل الدكان يتحادثون . و قال حجازي مخاطباً عم شافعي :
سأجرب مهارتك في هذه الكنبة وإن شاء الله سيكون العمل القادم جهاز البنت ( ثم مخاطباً أصحابه) ... وأعود فأقول لكم إننا نعيش في أيام لو عاد إليها جبل لجُنّ .
فهزوا رؤوسهم في أسى وهم يدخنون , أما برهوم الترابي فسال عم شافعي باسماً :
لماذا لا تريد أن تصنع لي تابوتاً ؟ أليس كل شيء بثمنه ؟
فكف عم شافعي يده عن المنشار لحظة وقال ضاحكاً :
يفتح الله , وجود التابوت في الدكان يهّرب الزبائن .
فقال فرحات مؤمناًُ على قوله :
صدفت , قطع الموت و سيرته .
فعاد حجازي يقول :
عيبكم أنكم تخافون الموت أكثر مما ينبغي : لذلك سيطر عليكم خنفس , و تسلطن بيومي , و صادر إيهاب أرزاقكم .
وأنت ألا تخاف الموت مثلنا ؟
فبصق ثم قال :
العيب عيبنا جميعاً , كان جبل قوياً , وبالقوة و العنف استخلص لنا حقنا الذي أضاعه الجبن .
وإذا برفاعة يتوقف عن الدق فيخرج المسامير من فمه و يقول :
أراد جبل استخلاص حقنا بالحسنى . ولم يعمد إلى القوة إلا دفاعاً عن نفسه .
فضحك حجازي استهزاء وقال متسائلاً :
خبرني ياابني هل تستطيع دق المسامير إلا بالقوة ؟
فقال رفاعة باهتمام جدي :
ليس الإنسان كالخشب يا معلم .
وحدجه أبوه بنظرة فعاد على عمله . واستطرد حجازي قائلاً :
الحق أن جبل كان فتوة من اشد الفتوات الذين عرفتهم حارتنا , و كم حث آل جبل على الفتونة .
فقال فرحات مصححاً :
أراد منهم أن يكونوا فتوات على الحارة لا على آل جبل .
وماهم اليوم إلا فئران و أرانب .
و تساءل عم شافعي وهو يجفف انفه بظهر يده :
وأي الألوان تفضل ياعم حجازي؟
اختر لوناً لا يتوسخ بسرعة , فهذا أضمن للنظافة .
وواصل حديثه للأصحاب قال :
ويوم فقأ دعبس عين كعبلها فقأ جبل عينه , فبالجبروت أقام العدل ..
وتنهد رفاعة بصوت مسموع وقال :
لا يعوزنا الجبروت , كل ساعة من نهار أو ليل نرى أناساً يضربون و يجرحون و يقتلون , حتى النساء ينشبن الأظافر حتى تسيل الدماء , ولكن أين العدل ؟ إلا ما أقبح هذا كله ! .
ووجم الجميع لحظة ثم قال حتورة , وكان بتكلم لأول مرة :
هذا المعلم الصغير يحتقر حارتنا ! إنه رقيق أكثر من اللازم و أنت السبب يا معلم ياشافعي .
أنا ؟ !
نعم , إنه شاب مدلع .
والتفت حجازي نحو رفاعة و قال ضاحكاً :
خير من هذا أن تجد لنفسك عروساً !
و تعالى الضحك , فقطب عم شافعي , وتورد وجه رفاعة , و عاد حجازي يقول مؤكداً :
القوة .. القوة , بغيرها لا يسود العدل !
فقال رفاعة بإصرار رغم نظرات أبيه إليه الحق أن حارتنا في حاجة على الرحمة .
فضحك برهوم الترابي قائلاً :
أتريد أن تخرب بيتي ؟
وضجوا بالضحك . وأعقب ذلك نوبات سعال , حتى قال حجازي وقد صارت عيناه في لون الغرا :
قديماً ذهب جبل إلى الأفندي يسأله العدل و الرحمة , فأرسل إليه زقلط و رجاله ولولا النبابيت – لا الرحمة – لهاك الجيل و اله .
و هتف عم شافعي محذراً :
ياهوه ! للحيطان آذان , لو سمعوكم ما وجدتم من يسمّي عليكم .
فقال حمورة :
صدق الرجل , ما أنتم إلا حشاشون لا خير فيكم , ولو مر أمامكم خنفس الآن لسجدتم بين يديه .
ثم وهو يلتفت نحو رفاعة :
لا تؤاخذنا يا بني فليس على الحشاش حرج , الم تجرب الحشيشة يا رفاعة ؟
فقال عم شافعي ضاحكاً :
لا يميل إلى مجالسه, وإن زاد على نفسين لهث و نام .
فقال فرحات :
ما ألطف هذا الشاب , يظنه البعض كودية زار لملازمته لأم بخاطرها ويظنه آخرون شاعراً لتعلقه بالحكايات .
فقال حجازي ضاحكاً:
و يكره مجالس الحشيش كما يكره الزواج !
و نادى برهوم صبي القهوة ليأخذ الجوز , ثن قاموا مسلّمين فانفض المجلس . وترك عم شافعي المنشار لينظر على أبيه في عتاب ثم قال :
لا تحشر نفسك في أحاديث هؤلاء الناس .
وجاء غلمان ليلعبوا أمام الدكان فدار رفاعة حول الطاولة حتى وقف أمام أبيه , ثم تناول يده ورجع به إلى ركن الدكان بعيداً عن الآذان . بدا منفعلاً قلقاً لكن تطابقت شفتاه في تصميم . وشع من عينيه نور عجيب حتى تساءلت عينا الرجل وإذا برفاعة يقول :
لن استطيع السكوت بعد اليوم
فتضايق الأب , ياله من متعب هذا الابن العزيز . ينفق وقته الغالي في بيت أم بخاطرها . و بخلوا الساعات الطوال إلى نفسه عند صخرة هند . وإذا مكث في الدكان ساعةً أثار المشاكل بمناقشاته .
هل تجد تعباً ؟
فقال بهدوء غريب حل محل القلق :
لا يجوز أن أخفي عليك ما بنفسي .
ماذا عندك ؟:
فاقترب منه أكثر و قال :
أمس عقب خروجي من بيت الشاعر عند منتصف الليل شعرت برغبة في الانطلاق فقصدت الخلاء , مشيت في الظلام حتى تعبت , ثم اخترت مكاناَ أسفل سور البيت الكبير المشرف على الخلاء مسنداً ظهري إلى السور .
فبدا الاهتمام في عيني الرجل , وحثه بنظرة على متابعة الحديث فقال :
سمعت صوتاً غريباً يتكلم , كأنما كان يحدث نفسه في الظلام , فدهمني شعور مشرق بأنه صوت جدنا الجبلاوي .
فحملق الرجل في وجه ابنه وتمتم في ذهول :
صوت الجبلاوي ؟ ماالذي حملك على هذا الظن ؟
فقاف رفاعة بحرارة :
ليس ظناً يا أبي , سيجيئك الدليل , وقد قمت حال سماعي الصوت فاستدرت نحو البيت و تراجعت على الوراء لأتمكن من رؤيته وبكني لم أرَ إلا ظلاماً .
الحمد لله !
صبراً يا أبي و سمعت الظل وهو يقول : " أما جبل فقد قام بمهمته وكان عند حسن الظن به , ولكن الأمور ارتدت على أقبح مما كانت عليه " !
شعر شافعي بصدره يحترق و تفصّد جبينه عرقاً , وقال بصوت متهدج :
ما أكثر الذين جلسوا بمجلسك تحت السور فلم يسمعوا شيئاً .
لكني أنا سمعت يا أبي .
لعله أجد كان راقداً في الظلام !
فهز رأسه بعزم وقال :
بل جاء الصوت من البيت !
كيف عرفت هذا ؟
هتفت قائلاً : " ياجدي جبل مات , و خلفه آخرون , فمّّد إلينا بدك .
فقال شافعي باضطراب :
الله اسأل ألا يكون أحد سمعك .
فقال رفاعة بعينين مضيئتين :
جدي سمعني , و جاءني صوته قائلاً : " ما أقبح أن يطالب شاب جده العجوز بالعمل , و البن الحبيب من يعمل .. " فسألته : " وما حيلتي حيال أولئك الفتوات أنا الضعيف ؟ " فأجابني : " الضعيف هو الغبي الذي لا يعرف سر قوته وأنا لا أحب الأغبياء : .
فتساءل عم شافعي في فزع :
أتظن أن هذا الكلام دار بينك و بين الجبلاوي ؟
نعم و رب السموات !
فند عن الرجل أنين , و قال متوجعاً :
يا للأوهام خلاقة المصائب !
صدقني يأبي , فليس فيما أقول شك .
فقال الرجل متحسراً :
لا تقطع أملي في أن تجد فيه شكاًً .
فقال رفاعة بوجه يتألق نشوة كالنغمة الحلوة :
وأعرف الآن ما يراد مني.
فضرب الرجل جبينه بغيظ وصاح متسائلاً :
وهل أيضاً يراد منك شيء ؟
نعم , إني ضعيف و لكني لست غبياً , و البت الحبيب من يعمل !
فهتف شافعي وهو يشعر كأن المنشار ينشر صدره :
سيكون عملك اسود , وسوف تهلك و تجرنا معك إلى الهلاك !
فقال رفاعة باسماً :
إنهم لا يقتلون إلا من يتطلع إلى الوقف !
و هل تتطلع على شيء غير الوقف ؟
فقال رفاعة يصوت مليء بالثقة :
كان أدهم ينشد الحياة الصافية الغنّاء , كذلك جبل وهو لم يطالب بحقه في الوقف إلا سعياً وراء الحياة الصافية الغناء , و لكن غلب علينا الظن بأن هذه الحياة لن تتيسر لأحد إلا إذا توزع الوقف على الجميع فنال كل حقه و استثمره حتى يغنيه عن الكد فتخلص له الحياة الصافية الغناء , ولكن ما أتفه الوقف أن أمكن بلوغ هذه الحياة بدونه , وهو أمر ممكن لمن يشاء , و بوسعنا أن نغني منذ الساعة !
فتنهد عم شافعي في شيء من الارتياح , وتساءل :
هل قال لك جدك ذلك ؟
قال إنه لا يحب الغباء , وقال إن الغبي هو الذي لا يعرف سر قوته , وإني آخر من يدعوا إلى قتال في سبيل الوقف , الوقف لا شيء يا أبي , وسعادة الحياة الغنّاء هي كل شيء , ولم يكن عبثاً أن أشغف بطب العفاريت وأن أحسنه , لعلها إرادة رب السموات هي التي دفعتني إليه .
ارتاح شافعي بعد عذاب , ولكن بعد أن استنفذ العذاب قواه , فانحط على النشارة , ماداً ساقيه , مسنداً ظهره إلى ضلفة نافذة منتظرة دورها في الإصلاح , ثم ساءل ابنه في شيء من السخرية :
و كيف لم نبلغ الحياة الغناء و فينا أم بخاطرها من قبل أن تولد أنت ؟
فقال رفاعة بالصوت المليء بالثقة :
أنها تنتظر حتى يجيء إليها المرضى الموسرون ولا تذهب بنفسها إلى المساكن .
فنظر عم شافعي في أركان دكانه وقال بارتياب :
انظر على إقبال الرزق علينا فماذا يخبئ لنا الغد من تحت راسك ؟
فقال رفاعة بابتهاج :
كل خير ياأبي , إن شفاء المرضى لن يقلق إلا العفاريت .
وتوهج ضياء في الدكان من مرآة صوان قرب الباب , عاكساً شعاع الشمس المائلة




_________________
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7221
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

51و52و53و54

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 10:55 am



51

وانتقل القلق ليلاً إلى بيت عم شافعي . ومع أن الحديث تناهى إلى عبدة بنوع من الطمأنينة , ومع أنها لم تعلم سوى أن رفاعة سمع صوت جده وهو يتكلم وأنه قرر بعد ذلك أن يزور المساكين ليطرد عنهم العفاريت , إلا أن القلق اجتاح نفسها و ظلت تقلب وجوه العواقب . كان رفاعة في الخارج . وكان في أقصى الحارة – بعيداً عن حي جبل – هرس تترامى منه أصوات طبل و زمر وزغاريد . وأرادت المرأة أن تواجه الحقيقة فقالت بحزن :
رفاعة لا يكذب
فقال شافعي بامتعاض :
ولكن قد تخدعه الأوهام , كلنا عرضة لذلك .
وماذا ترى فيما سمع ؟
كيف لي أن أجزم !
الويل لنا لو عرف الخير .
فقالت برجاء :
فلنكتم الخبر , و لنحمد الله على أنه ركز اهتمامه بالنفوس لا بالوقف , ومادام لا يؤذي أحداً فلن يؤذيه أحد .
فقال شافعي بفتور :
ما أكثر الذين يؤذون في حارتنا دون أن يؤذوا أحداً !
و اختفت أنغام العرس وراء ضجة انفجرت في الدهليز . وأطلا من النافذة فرأيا الدهليز مزدحماً بالرجال , و تبينّا على ضوء مصباح في يد أحدهم وجوه حجازي وبرهوم و فرحات و حفورة و آخرين , وكان كل لسان يتكلم أو يصرخ فاختلطت الأصوات وعمت الضوضاء وعلا صوت هاتفاً : " شرف آل جبل في الميزان , ولن نسمح لأحد بتلويثه "
و همست عبدة في أذن زوجها وهي ترتعد :
سر ابنا انكشف !
فتراجع شافعي عن النافذة متأوهاً وهو يقول :
لم يكذبني قلبي قط .
و اندفع الرجل خارج بيته غير مبال بالخطر فتبعته زوجه على الثر وشق الرجل في الزحام سبيلاً متسائلاً بصوت مرتفع :
رفاعة !. ابن أنت يا رفاعة ؟
ولم يرَِِ الرجل ابنه في مجال ضوء المصباح , ولم يسمع صوته وبكن حجازي اقترب منه وسأله بصوت مرتفع ليسمعه رغم الضوضاء :
هل تاه ابنك مرة أخرى ؟
وصاح به فرحات :
تعال اسمع ما يقال و انظر كيف يعبث العابثون بال جبل على آخر الزمان !
فهتفت عبدة جزعاً :
وحدوا الله , و المسامح كريم .
فتعالت أصوات الغضب , يهتف بعضها : " هذه المرأة مجنونة ! " و يهتف آخرون : :" إنها لا تعرف معنى الشرف ! " و امتلأ قلب شافعي رعباً وسأل حجازي مستعطفاً :
أبن الولد ؟
فشق حجازي سبيله نحو الباب وصاح بأعلى صوته :
برفاعة .. تعال ياولد كلم عم شافعي .
فاختلط الأمر على عم شافعي الذي كان يظم أن ابنه مقبوضاً عليه في ركن الدهليز , وإذا برفاعة يظهر في مجال ا لضوء فيجذبه أبوه من ذراعه ويتقهقر به إلى موقف عبدة . وسرعان ما تراءى فانوس في يد شلضم يسير به بين يدي خنفس الذي تقبّض وجه حنقاً و تجهماً . واتجهت الأنظار نحو الفتوة وساد الصمت . وتساءل خنفس بصوت غليظ :
ماذا وراءكم ؟
فأجابه أكثر من صوت في آن :
ياسمينة لوثتنا .
فقال خنفس :
فليتكلم الشاهد منكم .
فتقدم زيتونة – سائق عربة كارو – حتى وقف أمام خنفس و قال :
- منذ قليل رايتها خارجة من بيت بيومي الخلفي , تبعتها إلى هنا ثم سألتها عما كانت تفعل في بيت الفتوة فتبين لي سكرها , كانت رائحة الخمر تخرج من فيها فتملأ الدهليز , أفلتت مني وأغلقت على نفسها الباب , والآن سلو أنفسكم ماذا يمكن أن تفعل امرأة سكرانة في بيت فتوة .
استرخت أعصاب شافعي و عبدة من ناحية , و توترت أعصاب خنفس من ناحبة أخرى . أدرك الرجل أن فتونته تتعرض لامتحان قاس . فلو تهاون في معاقبة ياسمينة سيفقد كرامته أمام آل جبل , ولو ترك الغاضبين ليعتدوا عليه فسيدفع بنفسه على موقف التحدي أمام بيومي فتوة الحارة كلها ز ما العمل ؟ وكان رجال جبل يتوافدون من الربوع , ويحتشدون في الحوش , وفي الحارة أمام ربع النصر فازداد مركز خنفس حرجاً . وتتابعت الأصوات في غضب :
اطردوها من حي جبل .
يجب أن تُجلد قبل طردها .
اقتلوها قتلاً
وترامت صرخة ياسمينة التي كانت تنصت في الظلام وراء النافذة . وأحدقت الأعين بخنفس لكن رفاعة سمع وهو يسأل اباه :
أليس الأولى بهم يا أبي أن يصّبوا غضبهم على بيومي المعتدي ؟
وغضب كثيرون من بينهم زيتونة الذي أجابه قائلاً :
هب التي ذهبت على بيته بنفسها .
وصاح به آخر :
وإذا لم يكن عندك كرامة فمن الخير أن تسكت .
وزجره أبوه بنظرة لكن رفاعة قال بإصرار :
لم يفعل بيومي إلا مثلما تفعلون .
فصرخ به زيتونة بجنون :
هي من آل جبل فليست للآخرين
هذا الولد سفيه و بدون كرامة .
فلكزه عم شافعي كي يسكن على حين صاح به برهوم :
الكلمة الآن للمعلم !
وغلى الغيظ في قلب خنفس حتى كاد أن يختنق . وصرخت ياسمين صرخات استغاثة . وانتشر الغضب فاتجهت الأنظار محو بيت الفتاة و توثب فيها الهجوم . وتتابعت صرخات ياسمينة حتى تقطع قلب رفاعة ولم بعد في وسعه الاحتمال , فأفلت من يد أبيه وشق طريقه إلى بيت ياسمينة وهتف برجاء :
رحمة يضعفها و ذعرها .
فصاح به زيتونة :
أنت مرة !
وناداه شافعي بحرارة لكنه لم يباله و أجاب زيتونة :
الله يسامحك ( ثم للجميع ) ارحموها افعلوا بي ما تشاءون , ألا تحرك الاستغاثات قلوبكم ؟ !
فعاد زيتونة يصيح :
لا تلفتوا لهذا الرقيع ( ثم مخاطبا خنفس ) الكلمة كلمتك يا معلم !
فتساءل رفاعة :
هل يرضيكم أن أتزوج كمنها ؟
فاختلط صراخ الغضب بصيحات الاستهزار , وقال زيتونة :
لا يهمنا إلا أن تنال جزاءها .
فاستقتل رفاعة قائلاً :
سيكون العقاب من شأني أنا .
بل هو من شأن الجميع .
ووجد خنفس في اقتراح رفاعة منقذاً له من ورطته . لم يكن في قلبه مقتنعاً به ولكن لم يكن عنده خير منه . وغالى في تجهمه مدارياً ضعفه , و قال :
الولد ارتبط أمامنا في بزواجها فله ما يطاب .
زاغ بصر زيتونة وأعماه الغضب فصاح :
ضيّع الجبن الشرف !
وإذا بقبضة خنفس تحطم أنفه , فتراجع مولولاً و الدم يسيل من منخريه بغزارة . وأدرك الجميع أن خنفس سيغطي على موقفه الضعيف بإرهاب من يخالفه .وقلب عينيه في الوجوه التي كشف ضوء الفانوس عن خوفها فلم تند من أحد منهم حركة عطف على محطم الأنف . بل وبخ عرفات زيتونة قائلاً : ": عيبك في لسانك " . وقال برهوم لخنفس : " لولاك ما اهتدينا إلى حل " و قال له حنورة : " زعلك بالدنيا يا معلم " . وأخذوا بالتفرق فلم يبق في النهاية إلا خنفس و شلضم و شافعي و عبدة ورفاعة . و مضى عم شافعي إلى خنفس ليحييه فمد له يده ولكن الآخر استشاط غضباً وضرب يده بظاهر كفه فتأوه الرجل مقهقراً . وهرع إليه ابنه وزوجته على حين غادر خنفس الدهليز وهو يسب الرجال النساء و الرجال وال جبل و جبل نفسه . و نسي عم شافعي في ألمه الورطة التي عثر فيها ابنه . ونقع الرجل يده في ماء ساخن وراحت عبدة تدلكها وهي تقوا :
ترى هل أوغرت زكية صدر زوجها علينا ؟ !
فقال عم شافعي متوجعاً :
نسي الجبان أن ابننا الأحمق هو الذي أنقذه من نبوت بيومي ..

****************
52

كان رفاعة معقد آمال والديه فشد ما خابت الآمال . بزواجه من ياسمينة سينتهي الشاب إلى لاشيء , أما الأسرة فصارت مضغة للأفواه ولما يتم الزواج . وبكت عبدة خفية حتى اضر بها البكاء . وتجهم وجه شافعي إذا تجهمته الدنيا . لكنهما حيال الشاب انطويا على نفسيهما و تجنبا المغاضبة . ولعل ياسمينة هونت من الخطب بسلوكها عقب المظاهرة إذا هرعت على بيت عم شافعي وجثت أمام الرجل وزوجه باكية و سكبت على قدميهما بعض ما فاض به قلبها من الامتنان , ثم أعلنت في حرارة وجدّ توبتها . ولم يكن من الممكن العدول عن الزواج يعد أن ارتبط به الشاب جهاراً أمام آل جبل , فسلم عم شافعي وزوجه بالأمر ووطنّا النفس على تقبله . وتنازع قلبي الوالدين رغبتان , واحدة تود أن ترعى التقاليد في الاحتفال بعرس رفاعة و موكب زفته , والأخرى ترى الاقتصار على حفل بيتي حتى لا يتعرض الموكب بسخرية آل جبل الذين باتوا يعرضون بالزواج في كل ناد . وقالت عبدة في حسرة معربة عن عواطفها المكبوتة :
طالما منيّت نفسي برؤية زفّة رفاعة , ابني الوحيد , وهي تجوب الأحياء .
فقال عم شافعي بامتعاض :
لن يرضى بالاشتراك فيها أحد من آل جبل .
فقطبت عبدة قائلة :
العودة إلى سوق المقطم خير من البقاء بين أناس لا يحبوننا !
فقال رفاعة وهو يمد ساقيه تحت النافذة المفتوحة متشمساً:
لن نغادر الحارة يا أمي .
فصاح شافعي بحدة :
ليتنا لم نعد ! ( ثم مخاطباً ابنه ) .. الم تكن حزيناً يوم عدنا ؟
فابتسم رفاعة قائلاً :
اليوم غير الأمس , إذا ذهبنا فمنذا الذي يخلّص آل جبل من العفاريت ؟
فقال شافعي محتداً :
فلتركبهم العفاريت إلى الأبد .
ثم بعد تردد :
أنت نفسك ستجيء إلى بيتنا ب..
وقاطعه رفاعة :
لن أجيء إلى بيتنا بأحد , سأذهب أنا إلى المسكن الآخر.
فهتفت الأم :
لا يعني أبوك ذلك !
لكنني أعنيه يا أمي , ليس البيت الجديد بالبعيد , وفي وسعنا أن نتصافح كل صباح من النافذة !
ورغم أحزان عم شافعي قرر الاحتفال بيوم الزفاف ولو في أضيق الحدود . أقام الزينات بالدهليز وفوق بابي المسكنين , وجاء بمغن و طباخ . ودعا جميع المعارف و الأصدقاء , ولكن لم يلب الدعوة إلا عم جواد وأم بخاطرها وعم حجازي و أسرته و بعض الفقراء الذين حرصوا على الطعام . وكان رفاعة أول فتى يتزوج بلا زفة . و انتقلت الأسرة عبر الدهليز إلى بيت العروس . وغنى المطرب بفتور لقلة المدعوين وفي أثناء تناول الطعام أثنى جواد الشاعر على شهامة رفاعة و خلقه وقال أنه فتى زكي حكيم صافي السريرة ولكنه في حارة لا تقيم لغير البلطجية و النبابيت وزناً . وإذا بغلمان يقفون أمام الربع و يغنون معاً :
يارفاعة يا وش القملة مين قلك تعمل دي العملة
و يختمون بالتهليل و العربدة . ونظر رفاعة في الأرض على حين اصفّر وجه شافعي ,و غضب عم حجازي وقال :
الكلاب أولاد الكلاب !
ولكن عم جواد قال :
ما أكثر القاذورات في حارتنا و لكن الطيب لا ينسى فيها أبداً , كم من فتوة استكبر فيها ؟ لكنها لا تذكر بالجميل إلا أدهم وجبل .
ثم حث المطرب على الغناء ليغطي غناءه على الأصوات المعربدة .
ومضى الحفل في مغالبة للوجوم حتى انصرف الجميع . ولم يبق في البيت إلا رفاعة و ياسمينة . بدت الفتاة في ثوب العرس آية في الجمال , وإلى جانبها جلي رفاعة في جلباب حريري مهفهف , وعلى الرأس لاسة مزركشة , وفي القدمين مركوب فاقع الاصفرار . جلسا على كنبة يقابلها في الناحية الأخرى الفراش المورد , وقد لاحت في مرآة الصوان صورة الطست و الإبريق تحت الفراش . و الظاهر أنها كانت تتوقع من جانبه تمهيداً للهجوم المنتظر , ولكنه لبث يردد البصر بين الفانوس المدلى من السقف و الحصيرة الملونة . ولما طال الانتظار أرادت أن تبدد كثافة الصمت المخيم فقالت برقة :
لن أنسى فضلك , إني مدينة لك بحياتي .
فنظر نحوها بمودة وقال بصوت من لايود الرجوع إلى هذا الحديث :
كلنا مدينون بحياتنا لغيرنا .
ما أطيبه ! ليلة الحادث أبى أن يبيح لها يديه تقبلهما . وهو الآن لا يود تذكيره بالجميل الذي صنع . ليس كمثل طيبته إلا صبره . لكن فيما يفكر يا ترى ؟ هل ساءه أن تدفعه طيبته إلى الزواج من مثلها ؟
لست شريرة بالدرجة التي يظنها الناس , أما هم فقد أحبوني و احتقروني لشيء واحد .
فقال مواسياً :
أعرف ذلك , ما أكثر الأخطاء بحارتنا .
فقالت بحنق :
يفاخرون دائماً بأنهم من صلب أدهم , وفي نفس الوقت يباهون بالكبائر ..
فقال في يقين :
مادام التخلص من العفاريت ميسوراً فما أقربنا من السعادة .
ولم تدرك مرماه ولكنها استشعرت فجأة مدى السخرية التي تحيط بها في مجلسها فقالت ضاحكة :
ما أعجبه من حديث في ليلة الزفاف !
ورفعت رأسها في شيء من الكبرياء فبدا أنها تناست حال الامتنان , وأزاحت عن منكبيها الوشاح , ونظرت نحوه نظرة مفعمة بالدلال , فقال برجاء :
ستكونين أول من يسعد حارتنا .
فقالت ياسمينة :
حقاً ؟ ! عندي شراب !
شربت قليلاً مع العشاء , وفيه الكفاية .
فتفكرت قليلاً في حيرة ثم قالت :
عندي حشيش طيب !
جربّته فوجدتني لا أطيقه .
فقالت في ارتياح :
أبوك حشاش قارح , رأيته مرة خارجاً من غرزة شلضم وهو لا يميز بين الليل و النهار !
فابتسم دون أن ينبس , فردّت عنه طرفها في انكسار , وتميزن غيظاً . وقامت فمضت حتى الباب ثم استدارت عائدة حتى وقفت تحت الفانوس . وشف ثوبها الرقيق عن جسدها البارع . وجعلت تنظر في عينيه الهادئتين حتى داخلها اليأس . وتساءلت :
لماذا أنقذتني ؟
لا أطيق أن يتعذب إنسان .
فغلبها الغيظ و قالت في حدة :
من أجل هذا تزوجتني , من أجل هذا وحده !
فقال برجاء :
لا تعودي إلى أيام الغضب !
فعضت شفتيها فيما يشبه الندم وقالت بصوت منخفض :
ظننتك أحببتني .
فقال في صدق و بساطة :
إني أحبك يا ياسمينة .
فلاح التعجب في عينيها و غمغمت :
حقاً ؟ !نعم , ما من مخلوق في حارتنا إلا و أحبه !
فتنهدت في خيبة , ورمقته بريبة قائلة :
فهمتك , ستبقى إلى جانبي أشهراً ثم تطلقني .
فاتسعت عيناه وتمتم :
لا تعودي إلى الأفكار الماضية .
حيرتني ماذا عندك لي ؟
السعادة الحقيقية .
فقالت في امتعاض :
عرفتها أحياناً من قبل أن أراك !
لا سعادة بلا كرامة .
فقالت وهي تضحك على رغمها :
ولكننا لا نسعد بالكرامة وحدها .
فقال بصوت حزين :
لم يعرف أحد من حينا السعادة الحقيقية .
اتجهت بخطوات ثقيلة نحو الفراش , وجلست على حافته في فتور . ودنا إليها في حنان وقال :
إنك كجميع أهل حارتنا لا تفكرين إلا في الوقف الضائع !
فلاح في وجهها السخط وقالت :
ربنا يقدرني على حل ألغازك .
ستحل نفسها بنفسها عندما تتخلصين من عفريتك .
فهتفت في حدة :
إني راضية عن نفسي كما هي .
فقال رفاعة بأسى :
هكذا يقول خنفس و الآخرون !
ونفخت في ضيق وتساءلت :
هل نتكلم على هذا النحو حتى الصباح ؟
نامي , أسعد الله أحلامك !
وتزحزحت إلى الوراء ثن استبقت على ظهرها , ورددت عينيها بين الفراغ جنيها و بين عينيه , فقال :
خذي راحتك , سأنام على الكنبة .
وانتابتها نوبة ضحك , لكنها لم تستسلم لها طويلاً , وقالت ساخرة :
أخاف أن تزورنا أمك غداً لتحذرك من الإفراط !
ونظرت نحوه لتتشفى برؤية الخجل في وجهه ولكنه طالعها بعينين هادئتين صافيتين , وقال :
أود أن أخلصك من عفاريتك !
فصاحت غاضبة :
دع أعمال النساء للنساء .
وأدارت وجهها للحائط . وكان صدرها يحترق غيظاً وقلقاً . وقام رفاعة إلى الفانوس وأخفض ذبالته ثم نفخه فانطفأ وساد الظلام .

***************


53

وشهدت الأيام التالية للزواج حركة دائبة في حياة رفاعة . انقطع عن الدكان أو كاد , ولولا حب أبيه و عطفه لما وجد ما يمسك به حياته . ومضى يدعو من يصادفه من آل جبل إلى أن يثق به كي يخلصه من عفريته فيحقق بذبك سعادة صافية لم يحلم بها من قبل . و تهامس آل جبل بأن رفاعة ابن شافعي قد خف عقله وأمسى من زمرة المجذوبين , وعلل البعض ذلك بما عرف عنه من غرابة أطوار , كما علله آخرون بزواجه بامرأة مثل ياسمينة , ودارت الأحاديث عن ذلك في القهوة و البيوت وحول عربات اليد وفي الغرز . وشد ما دهشت أم بخاطرها حين مال رفاعة على أذنها وقال برقته المعهودة :
هلا سمحت لي بأن أطهرك ؟
فضرت المرأة صدرها بيدها وقالت :
من أدراك بأن علي عفريتاً شريراً ؟ ! أهذا هو رأيك عن المرأة التي أحبتك كابنها ؟ !
فقال جاداً :
أنا لا أعرض خدماتي إلا على الذين أحبهم و أحترمهم , وأنت مصدر خير و بركة ولكنك لا تخلين من طمع يحملك على الاتجار بالمرضى , فلو تخلصت من سيدك لوهبت الخير بلا ثمن !
ولم تتمالك المرأة من الضحك وهي تقول :
أتود خراب بيتي ! الله يسامحك يا رفاعة .
وتناقل الناس حديث أم بخاطرها ضاحكين , حتى عم شافعي ضحك ضحكة بلا مسرة و لكن رفاعة قال له :
أنت نفسك يا أبي في حاجة إلي , ومن البر أن ابدأ بك .
فهز الرجل رأسه في كمد , وراح يدق المسامير بين يديه بقوة وشت بانفعاله , ثم قال :
ربنا يصبرني .
وحاول الشاب إقناعه فتساءل الرجل متألماً :
أما كفاك أم جعلتنا أحدوثة الحي ؟ !
وانزوى رفاعة في ركن الدكان مكتئباً فرمقه الرجل بريبة و سأله :
أحقاً دعوت زوجتك إلى ما تدعونا إليه ؟
فقال بأسف :
وهي مثلكم لا ترغب في السعادة .
ومضى رفاعة إلى غرزه شلضم في الخرابة وراء القهوة فوجد حول المحجرة شلضم وحجازي و برهوم وفرحات و حنورة و زيتونة . تطلعوا إليه بغرابة و قال شلضم :
أهلاً بابن عم شافعي , ترى هل أقنعك الزواج بفائدة الغرز ؟ !
فوضع رفاعة على الطبلية لفة كنافة وقال وهو يتخذ مجلسه :
جئتكم بهذه تحية للمجلس .
فقال شلضم وهو يدير الجوزة :
مرحباً بالكرم .
لكن برهوم ضحك فجأة وقال بلا هوادة :
وسوف يعرض علينا بعد ذلك أن يقيم لنا حفلة زار ليطهرنا من العفاريت !
وهتف زيتونة حانقاً بصوته الأخنف وهو يلتهمه بنظرة حاقدة :
على زوجتك عفريت اسمه بيومي فخلصها منه إن استطعت .
وبهت الرجال ووضح في وجوههم الحرج فقال زيتونة وهو يشير على أنفه المحطم :
بسببه فقدت أنفي .
وبدا أن رفاعة لم يغضب , فنظر فرحات نحوه بأسى وقال :
أبوك رجل طيب و نجار ماهر , ولكنك بسلوكك هذا تجر عليه المتاعب و السخرية , لم يكد الرجل يفيق من زواجك حتى هجرت دكانه لتخلص الناس من العفاريت ! شفاك الله يا بني .
لست مريضاً و لكني أود لكم السعادة .
فشد زيتونة نفساً طويلاً وهو يرمقه بقسوة ثم نفث الدخان متسائلاً :
ومن أخبرك بأننا غير سعداء ؟ !
فقال الشاب :
أراد لنا جدنا غير ما نحن عليه .
فقال فرحات ضاحكاً :
دع جدك في حاله , ومن أدراك أنه لم ينسنا ! وحدجه زيتونة بنظرة حانقة حاقدة ولكن حجازي لكزه قائلاً في تحذير :
ينبغي أن تحترم المجلس فلا تفكر في الاعتداء !
وأراد الرجل أن يغير الجو فهز رأسه قائلاً وأشار إلى أصحابه إشارة خاصة فراحوا يغنون :
مركب حبيبي في المية جايه
راخية شعورها على الميه
وغادر المكان وبعضهم ينظر في رثاء . وعاد إلى بيته بفؤاد كسير فاستقبلته ياسمينة بابتسامة هادئة . وكانت تلومه أول الأمر على سلوكه الذي جعل منه – ومنها بالتالي – نادرة . للكمها كفت عم لومه يائسة . وصبرت على تلك الحياة التي لم تدر على أي وجه ستنتهي , بل وعاملته بلطف و رقة . ودق الباب , وإذا بالقادم خنفس فتوة آل جبل . دخل الرجل دون استئذان فقام له رفاعة مرحباً فقيض الفتوة على منكبه بيد شديدة كأنها فكا كلي غاضب . وسأله دون مقدمات :
ماذا قلت عن الوقف في غرزة شلضم ؟
ارتاعت ياسمينة حتى هرب دمها لكن رفاعة قال بهدوء رغم أنه بدا كعصفور بين مخالب نسر :
قلت أن جدنا يود لنا السعادة !
فهزه هزة عنيفة وسأله :
من أدراك بذلك ؟
ورد ذلك ضمن أقواله لجبل .
فازدادت يده شدة على منكبه وقال :
إنه كلم جبل عن الوقف .
فقال رفاعة وقد أنهكه تحمل الألم :
لا يعنيني الوقف في شيء , السعادة التي لم أستطع أن أحققها بعد لأحد شيء غير الوقف , وغير الخمر , وغير الحشيش , قلت ذلك في كل مكان بحي جبل , وسمعني الجميع وأنا أقوله .
فهزه مرة أخرى و قال :
كان أبوك عاصياً ثم تاب , احذر أن تعيد سيرته وإلا هرستك كما تهرس البقة ..
ودفعه فهوى على ظهره فوق الكنبة , ثم ذهب . وهرعت ياسمينة إليه لتواسيه وتدلك منكبه الذي مال عليه رأسه من الوجع . وبدا في شبه غيبوبة , وغمغم كأنما يحادث نفسه :
إنه صوت جدي الذي سمعته :
ونظرت في وجهه بإشفاق و ذعر . وتساءلت هل ضاع عقله حقاً ؟ !
ولم تعد عليه ما قال وساورها قلق لم تشعر به من قبل . ويوماً غادر الربع فاعترضت سبيله امرأة من غير آل جبل , وقالت باستعطاف :
صباح الخير يا معلم رفاعة .
ودهش لرنة الاحترام في صوتها و اللقب الذي قرنته باسمه فسألها :
ماذا تريدين ؟
فقالت بضراعة لي ابن ممسوس أرجو أن تخلصه !
وكان كال جبل جميعاً يحتقر أهل الحارة فاستنكف أن يضع نفسه في خدمة المرأة فيضاعف من ازدراء اله له , فقال لها :
ألا توجد كية في الحارة ؟
فقالت المرأة بصوت باك :
بلى ولكني امرأة فقيرة .
ورق لها قلبه كما أسره لجوؤها إليه هو الذي لم من اله إلا الهزأ و الاحتقار . ونظر إليها في تصميم وهو يقول :
إني طوع أمرك .
إذا الواح حكا بتقولوا الواح حكا , وإذا الواح ماحكا بتقولوا الواح ماحكا , وشو بدو يحكي الواح ليحكي !

من أقوال جودة في ضيعة ضايعة .

**************
54

كانت ياسمينة تطل من النافذة على الحارة متسلية بالمنظر الجديد . وكان في أسفل الربع غلمان يلعبون , و بائعة دوم تنادي , على حين امسك بطيخة بتلابيب رجل يضرب وجهه بكفه و الآخر يستعطفه دون جدوى . وسألها رفاعة وهو جالس على الكنبة يقص أظافر قدميه :
هل يعجبك بيتنا الجديد ؟
فالتفت نحوه قائلة :
هنا تحتنا الحارة , أما هنالك فلم نكن ترى إلى الدهليز المعتم .
فقال رفاعة بأسى :
ليت الدهليز بقي لنا , إنه دهليز مبارك , إذا فيه تقرر النصر لجبل على أعدائه , ولكن لم يكن في الإمكان مواصلة الإقامة بين أناس يستهزئون لنا في كل خطوة , أما هنا فالفقراء طيبون , والطيب هو السيد لا آل جبل .
فقالت ياسمينة باستهانة :
وأنا كرهتهم مذ عزموا على طردي .
فسألها باسماً :
لماذا إذن تقولين للجيران إنك من آل جبل !
فضحكت ضحكة كشفت عن أسنانها اللؤلئية و قالت في مباهاة :
ليعلموا أنني فوقهم جميعاً.
فوضع المقص على الكنبة وطرح ساقيه على الحصيرة وهو يقول :
ستكونين أجمل و أفضل عندما تقهرين الغرور , ليس آل جبل بخير حارتنا , خير الناس أطيبهم , وكنت مخطئاً مثلك فخصصت آل جبل باهتمامي , ولكن السعادة لا يستحقها إلا من ينشدها مخلصاً , انظري إلى الطيبين كيف يقبلون عليّ و كيف يبرأون من العفاريت !
فقالت باحتجاج :
لكن كل أحد هنا يعمل بأحر إلا أنت !
لولاي ما وجد الفقراء من يشفيهم , إنهم يقدرون الشفاء لكنهم لا يملكون ثمنه , وأنا ما عرفت الأصدقاء حتى عرفتهم .
وأمسكت عن الجدل بوجد ممتعض فقال رفاعة :
آه لو تذعنين لي كما يذعنون ! إذن لخلصتك مما يعكر صفو الحياة .
فتساءلت غاضبة :
أتجدني مزعجة لهذا الحد ؟
من الناس من يعشق عفريته وهو لا يدري .
فهتفت بحدة :
ما أبغض هذا الحديث إلي ّ !
فقال باسماً :
إنك من آل جبل , وكلهم أبى أن يسلم لدوائي , حتى أبي نفسه !
وعندما دق الباب أدركا أم زبوناً جديداً قد قدم فتهيأ رفاعة لاستقباله .
والحق أن رفاعة لم يلق من عمره اسعد من هذه الأيام . كان يدعى في الحي الجديد بالمعلم رفاعة , و كانوا يدعونه بها بإخلاص و محبة . وعرف بأنه يخلص من العفاريت ويهب الصحة و السعادة لوجه الله وحده . وهذا سلوك نقي لم يعرف عن أحد من قبله , فلذلك أحبه الفقراء كما لم يحبوا أحداً من قط . وكبيعي أن بطيخة فتوة الحي الجديد لم يحبه , لسلوكه الطيب من ناحيته ولأنه لم يكن من القادرين على أداء أية أتاوة من ناحية أخرى , ولكنه في الوقت نفسه لم يجد مسوغاً للاعتداء عليه . أما الذين برئوا على يديه فكأن لكل منهم قصة يرددها . فأم داوود كانت إذا ركبتها النوبة العصبية عضت وليدها , وهي اليوم مثال للهدوء و الاتزان . وسنارة الذي لم يكن له من هواية إلا الشجار و النقار أصبح وديعاً حليماً كأنه تحية سلام . وطلبة النشال تاب توبة صادقة و اشتغل صبي مبيض نحاس . و عويس تزوج بعد الذي كان . واصطفى رفاعة من مرضاه أربعة وهو زكي و حسين و علي و كريم , اصطفاهم لصداقته فصاروا أخوة . لم يعرف أحد منهم الصداقة ولا الحب قبل أن يعرفه . كان زكي برمجياً , وكان حسين مدمن أفيون لا يفيق , وعلي يتدرب على الفتونة , وكريم قواداً , فانقلبوا رجالاً ذوي قلوب كبيرة . وكانوا يجتمعون عند صخرة هند حيث الخلاء و الهواء النقي , فيتبادلون أحاديث المودة والصفاء , ويتطلعون إلى طبيبهم بأعين تفيض بالحب و الإخلاص , ويحلمون جميعاً بسعادة ستظل الحارة بأجنحتها البيضاء . ويوماً تساءل رفاعة وهم بمجلسهم ينظرون على حمرة الشفق في هدوء المغيب :
لماذا نحن سعداء ؟
فأجلاي كسن بحماس :
أنتَ أنتَ سر سعادتنا .
فابتسم ابتسامة شكر و قال :
بل لأننا تخلصنا من العفاريت فتطهرنا من الحقد و الطمع و الكراهية وسائر الشرور التي تفتك بأهل حارتنا .
فقال علي مؤمناً على قوله :
سعداء بالرغم من أننا فقراء ضعفاء لا حظ لنا في الوقف أو الفتونة .
فهز رفاعة رأسه أسفاً و قال :
كم يتعذب الناس من أجل الوقف الضائع و القوة العمياء فالعنوا معي الوقف و الفتونة .
فاستبقوا إلى لعنهما , وتناول علي طوبة فرماها بأقصى قوته صوب الجبل . وعاد رفاعة يقول :
ومذ قال الشعراء إن جبلاوي حث جبل على أن يجعل من ربوع آل بيوتاً تضارع البيت الكبير في جلاله و جاهه , وتناسوا مزاياه الأخريات لذلك لم يستطع جبل أن يغير النفوس بنيله حقه في الوقف , ولما رحل عن الدنيا انقلب الأقوياء مغتصبين والضعفاء حاقدين و أطبق الشقاء على الجميع , أما أنا فافتح أبواب السعادة بلا وقف ولا قوة ولاجاه .
وهوى كريم بوجهه إليه فقبله , فمضى يقول :
وغداً عندما يلمس الأقوياء سعادة الضعفاء سيدركون أن قوتهم و جاههم وأموالهم المغتصبة لا شيء .
وصدرت عن الأصدقاء كلمات الثناء و الحب . وحمل الهواء غناء راع في أقصى الخلاء .
وتجلى في السماء نجم واحد . ونظر رفاعة في وجوه الأصحاب و قال :
ولكني لا أكفي وحدي لعلاج أهل حارتنا , آن لكم أن تعملوا بأنفسكم , وأن تتعلموا الأسرار لتخلصوا المرضى من العفاريت .
فبدت الغبطة في الوجوه وهتف زكي :
ذلك أعز أمانينا .
فابتسم إليهم قائلاً :
ستكونون مفاتيح السعادة في حارتنا .
ولما عادوا إلى حيّهم وجدوه يضيء بأنوار عرس في أحد الربوع . ورأى كثيرون رفاعة فاقبلوا عليه مصافحين . وتغيظ بطيخة فقام من مجلسه بالقهوة وهو يسب و يلعن , و يصفع هذا و ذاك ثم تحول إلى رفاعة متسائلاً في قحة :
ماذا ترى في نفسك ياولد ؟
فقال رفاعة برقة :
صديق المساكين يامعلم .
فصاح الرجل :
إذن امش كما يمش المساكين لا كعريس الزفة , أنسيت أنك طريد حيّ وزوج ياسمينة وكودية زار ؟ !
وبصق في تحرش . وتباعد الناس . وساد الوجوم . لكن زغاريد الفرح غطت على كل شيء










_________________
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7221
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

55و56و57

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 11:04 am






55
وقف بيومي فتوة الحارة وراء باب حديقته الخلفي الذي بفتح على الخلاء . كان الليل في أوبه وكلن الرجل ينتظر وهو يتنصت . وعندما طرق أصبع الباب بخفة فتح الباب و تسللت امرأة على داخل الحديقة امرأة كأنها بملاءتها ونقابها قطعة من الليل . تناول بدبها وسار بها في مماشي الحديقة متجنباً الاقتراب من البيت حتى بلغ المنظرة فدفع الباب و دخل , وهي في أثره , وأشعل شمعة فأقامها على حافة النافذة , فبدت المنظرة في شبه مغيب , والكنبات مصطفة بأضلعها , وفي الوسط صينية كبيرة محملة بالجوزة و لوازمها في دائرة من الشلت . ونزعت المرأة عنها ملاءتها و النقاب , فضمها بيومي إليه بقوة نفذت إلى عظامها حتى رمقته بنظرة استرحام . وراح يعبث بأصبعه في رماد المجمرة حتى تكشف عن جمر يومض . وجلست إلى جانبه و قبلت أذنه ثم أشارت إلى المجمرة وهي تقول :
كدت أنسى رائحته .
فراح يمطر خدها وعنقها بالقبل ثم قال وهو يرمي قطعة في حجرة :
هذا الصنف لا يدخنه في حارتنا إلا الناظر و العبد لله !
وترامى من الحارة صوت معركة تحتدم , سبّ وارتطام عصي , وتحطم زجاج , ووقع أقدام جارية , وصوت امرأة , ثم نباح كلب .. ولاح تساؤل منزعج في عيني المرأة ولكن الرجل راح يقطع الصنف في غير مبالاة , فقالت المرأة :
كم يشق عليّ المجيء ! فلكي امن العيون أسير من الحارة إلى الجمالية , ومن الجمالية إلى الدراسة , ومن الدراسة إلى الخلاء حتى بابك الخلفي .
فمال نحوها دون أتكف أصابعه عن العمل وتشمم أبطها في لذة وقال :
لن ابلي أن أزورك في بيتك .
فابتسمت قائلة :
لو فعبت ما تعرض لك أحد من الجبناء , حتى بطيخة سيفرش لك الرمل , ثم يصبون غضبهم عليّ وحدي .
وعبثت بشاربه الغليظ وقالت في دعابة :
لكنك تسللت إلى المنظرة في بيتك خوفاً من زوجتك ,
فترك القطعة وطوقها بذراعه فضمها إليه بعنف حتى أنّت ثم همست :
اللهم احفظنا من عشق الفتوات .
فأطلقها وهو يرفع رأسه ويبرز صدره كالديك الرومي و قال :
لايوجد إلا فتوة واحد , أما الآخرون فصبيانه.
فلاعبت شعر صدره النحور عنه طوق جلبابه وقالت :
فتوة على الناس لا علي أنا .
فقرصها في صدرها بخفة و قال :
أنت تاج رأس الفتوة .
ومد يده إلى ما وراء الصينية فتناول إبريقاً وهو يقول :
بوظة عجيبة !
فقالت آسفة :
لها رائحة قوية قد يشمها زوجي العزيز!
فتجرع من الإبريق حتى روي , ومضى يرص الحجر وهو يقول مقطباً :
باله من زوج ! لمحته مرات وهو يهيم على وجهه كالمجنون , أول كودية زار من جنس الرجال في هذه الحارة العجيبة !
فتابعته وهو يدخن وقالت :
إني مدينة له بحياتي , لذلك أتصبر على معاشرته , ولاضرر منه إذ ليس أيسر من خداعه .
وقدم إليها الجوزة فالتقمت فوهها بشوق وشدت أنفاساً بشراهة ثم زفرت الدخان مغمضة العينين ثملة الحواس . وراح بدوره يدخن , فيأخذ أنفساً متقطعة وبين كل نفس وآخر يتكلم قائلاً :
تتركينه .. يعبث ... بك ... عبث .... الأطفال ..
فهزت منكبيها هازئة و قالت :
لا عمل لزوجي في هذه الدنيا إلا تخليص الفقراء من العفاريت ..
وأنت ألا تخلصينه من شيء ؟
مظلومة و حياتك ! نظرة واحدة إلى وجهه تغني عن الكلام .
ولامرة كل شهر !
ولا كل سنة , إنه مشغول عن زوجته بعفاريت الناس .
فلتركبه العفاريت ! وأي فائدة يجنيها من وراء ذلك ؟
فهزت رأسها في حيرة وقالت :
لا يجني شيئاً , ولولا أبو لهلكنا جوعاً , وهو يعتقد بأنه مكلف بإسعاد الفقراء و تطهيرهم .
ومن الذي كلفه ؟
يقول أن هذا مايريده الواقف لأبنائه .
وتجلى الاهتمام في عيني بيومي الضيقتين فوضع الجوزة في الكوز وسألها :
أقال إن الواقف يريد ذلك ؟
نعم .
ومن أدراه بما يريد الواقف ؟
وشعرت المرأة بضيق وانزعاج , وخافت أن يفسد الجو , أو أن تحدث أمور خطيرة , فقالت :
هكذا يؤول أقواله التي يتغنى بها الشعراء .
ومضى يرص حجراً جديداً وهو يقول :
حارة بنت كلب , وحيّ جبل أنجسها , فيهم ظهر أكبر دجال , وينشرون الأحبار العجيبة عن الوقف و الشروط العشرة , كأن الواقف جدهم وحدهم , وبالأمس جاء دجالهم جبل بكذبة سرق بها الوقف , و اليوم يؤول هذا المعتوه كلاماً لا يقبل التأويل , وسيزعم أنه سمعه من الجبلاوي نفسه .
فقالت بقلق :
إنه لا ينشد سوى تخليص الفقراء من العفاريت .
فشخر الفتوة هازئاً ثم تساءل :
ومن يدرينا فلعل في الوقف عفريتاً !
ثم بصوت ارتفع بدرجة لا تتفق و سرية الاجتماع :
الواقف ميت أو في حكم ذلك يا أولاد الكلب .
وانزعجت ياسمينة . خافت أن تفلت الفرصة المتاحة وأن يتعكر الجو , ومدت يدها إلى الفستان لتنتزعه رويداً . وانبسطت أسارير الرجل بعد تجهم ورنا إليها بعينين متوثبتين .
************
56

بدا الناظر في عباءته ضئيلاً . وكان الاهتمام بارزاً في وجهه الأبيض المستدير بروز الذبول الذي يعتور جفنيه و الشيخوخة المبكرة الواضحة في نظرة عينيه و التجاعيد المرسومة تحتهما من أثر التهالك في الشهوات . أما وجه بيومي الممتلئ فلم يشي بالارتياح الباطني الذي سرى فيه نتيجة لقلق سيده , ذلك القلق الذي يدل على خطورة الدور الذي يؤديه للناظر و الوقف . وكان يقول للناظر :
على رغمي أزعجك بهذه الأخبار , ولكن لم يكن في وسعي أن أتصرف دون الرجوع إليك في أمر يتعلق بالوقف , ومن ناحية أخرى هذا المشاغب المعتوه من آل جبل , وعلينا عهد ألا يتعدى أحد منا إلا بعد إذنك .
وتساءل الناظر إيهاب يوجه مكفهر :
وهل زعم حقاً أنه اتصل بالواقف ؟
تأكد لدي ذلك من أكثر من مصدر , إن مرضاه يؤمنون بذلك ولو أنهم يتكتمون الأمر بحرص شديد .
لعله مجنون , كما كان جبل دجالاً , ولكن هذه الحارة القذرة تحب المجانين و الدجالين . ماذا يريد آل جبل بعدما نهبوا الوقف بلا حق ؟ لماذا لا يتصل الواقف بأحد غيرهم ؟ لماذا لا يتصل بي وأنا أقرب الناس إليه ؟ إنه قعيد حجرته , ولا يُفتح باب بيته إلا عندما تحمل إليه حوائجه , ولا يراه أحد ولا يرى هو إلا جاريته , ولكن ما أيسر أن يقابله آل جبل أو أن يسمعوه .
فقال بيومي بحنق :
لن يرتاح لهم بال حتى يستولوا على الوقف كله .
فاصفر وجه الناظر غضباً , وتوثب لإصدار الأوامر , ولكنه تراجع متسائلاً :
أقال عن الوقف شيئاً أم قصر نشاطه على إخراج العفاريت ؟
فقال بيومي بحنق :
مثل جبل كان نشاطه قاصراً على إخراج الثعابين . ؟
ثم في تهكم :
ما للوقف و العفاريت ؟ !
فوقف إيهاب وهو يقول بحدة :
لا أريد أن تصيبني اللعنة التي أصابت الأفندي .
ودعا بيومي جابر و حندوسة وخالد و بطيخة إلى غرزته وقال لهم أن يجدوا علاجاً لجنون رفاعة ابن شافعي النجار . وتساءل بطيخة في انزعاج :
أمن أجل هذا دعوتنا يا معلم ؟
فهز بيومي رأسه بالإيجاب فضرب بطيخة كفاً على كف و هتف :
باهوه ! فتوات الحارة تجتمع من أجل مخلوق لا هو ذكر ولا هو أنثى !ط
فرماه بيومي بنظرة ازدراء وقال :
مارس نشاطه تحت سمعك و بصرك فلم تدرك له خطراً , وطبعاً لك تسمع عن مزاعمه عن الاتصال بالواقف .
وتبادلوا نظرات نارية من خلال الدخان المنتشر وقال بطيخة بذهول :
ابن الهرمة ! ما للواقف و العفاريت ! هل كان جدنا كودية زار ؟ وشرعوا في الضحك ولكن سرعان ما عدلوا عنه لتجهم بيومي الذي قال :
أنت شمام يا بطيخة , الفتوة يسكر و يحشش ولكن لا يليق به الشم !
فقال بطيخة مدافعاً عن نفسه :
يا معلم أنا في زفة عنتر كنت الهدف لنبابيت عشرين رجلاً فغطى الدم وجهي وعنقي ولكن نبوتي لم يسقط من يدي .
وهنا قال حندوسة في رجاء :
فلندع له الأمر يعالجه بما يرى , وإلا فقد هيبته , وليته يجد طريقة غير الاعتداء على المعتوه , فإن الاعتداء على مثله مهين للفتوة !
و نامت الحارة ولا أحد يدري بما بيت في غرزة بيومي . وفي صباح اليوم التالي غادر رفاعة الربع فرأى بطيخة في طريق فحياه قائلاً :
صباح الخير يا معلم بطيخة .
فرماه الرجل بنظرة مقت و صاح :
صباح القطران يا ابن القديمة , عد إلى بيتك ولا تخرج منه و إلا كسرت رأسك .
فتساءل رفاعة في دهشة :
ماذا أغضب فتوتنا ؟
فصاح مزمجراً :
أ،ت الآن تكلم بطيخة لا الواقف فاذهب بلا تردد .
وهمّ رفاعة بالكلام فلطمه الفتوة لطمة دفعته إلى جدار الربع مترنحاً . ورأت امرأة الموقعة فصوتّت حتى ملأ صوتها الحارة , وتبعها نسوة أخريات . وارتفعت أصوات استغاثة من أجل رفاعة . وفي لمح البصر جرى نحو المكان كثيرون , ومن بينهم زكي و علي و حسين و كريم , ثم جاء عم شافعي , كما جاء جواد الشاعر متلمساً طريه بعصاه , وما لبث أن ازدحم الموقع بمحبي رفاعة من الرجال و النساء . ودهش بطيخة الذي لم يتوقع شيئاً مما حدث , ورفع يده وهوى بها على وجه رفاعة فتلقاها هذا دون دفاع ولكن الواقفين تصايحوا في انزعاج , واعتراهم انفعال شديد , فتوسل البعض إلى بطيخة أن يتركه , وعدّد آخرون حسنات رفاعة و مزاياه , وتساءل كثيرون عن أسباب الاعتداء , وتعالت احتجاجات , فاستشاط بطيخة غضباً و صاح
أنسيتم من أكون ؟
و الحق أن حب المتجمعين لرفاعة الذي دفعهم بغير وعي إلى التجمع هو الذي شجعهم على الرد على إنذار بطيخة , فقال أحد الواقفين بالصف :
فتوتنا و تاج رأسنا , وما جئنا إلا لنسألك العفو عن الرجل الطيب
وصاح رجل منه وسط المظاهرة متشجعاً بالزحام وبمكانه فيه :
فتوتنا على العين و الرأس , ولكن ماذا عن رفاعة ؟
وصاح ثالث في آخر المظاهرة مطمئناً إلى تواريه عن متناول عين الفتوة :
رفاعة بريء و الويل لمن يمد له بداً بسوء !
وثار غضب بطيخة فرفع نبوته فوق رأسه وهو يصيح :
يا نسوان , سأجعلكم عبرة .
وإذا بصوات النساء يرتفع من الأركان حتى انقلب الحي مأتماً , وقذفت الأفواه الغاضبة بالإنذارات الدموية , و أخذ الطوب يتساقط أمام بطيخة ليمنعه من التقدم . ووجد الرجل نفسه في مركز حرج لم يقع له ولا في الكابوس . كان الموت أهون عليه من الاستنجاد بأحد من الفتوات , وكان الهجوم بهدد بالقضاء عليه تحت وابل الطوب , وكان في السكوت الإجهاز على فتونته . وتطاير الشرر من عينيه , واستمر تساقط الطوب , وتمادى القوم في تحديهم , ولم يكن حدث شيء كهذا لأحد من الفتوات من قبل .
واندفع رفاعة فجأة حتى وقف أمام بطيخة , ولوح للناس بيديه حتى ساد السكوت , وهتف يصوت قوي :
لم يخطئ فتوتنا و أنا الملوم !
لاحت نظرات الإنكار في الوجوه ولكن أحداّ لم ينبس بكلمة فقال رفاعة :
تفرقوا قبل أن تتعرضوا لغضبه .
وفهم أناس أنه يريد أن ينقذ كرامة الفتوة حلاً للأزمة فتفرقوا , وتبعهم آخرون وهو في حيرة من الأمر , ثم سارع الباقون في التفرق خشية أن ينفرد بطيخة بأحد منهم , فأقفر الحي...

*****************
(57)
اشتد التوتر بالحارة بعد تلك الواقعة. وكان أخوف ما يخاف الناظر أن تعتقد الحارة بأن في تضامنها قوة تكفل الصمود في أمام الفتوات. لذلك وجب – في نظره- القضاء على رفاعة ومن تحدثهم أنفسهم بالوقوف إلى جانبه على أن يتم ذلك بالاتفاق مع خنفس فتوة آل جبل تجنباً لنشوب عراك شامل في الحارة. وقال الناظر لبيومي : " ليس رفاعة بالدرجة التي تظنها من الضعف، فوراءه محبون استطاعوا إنقاذه رغم أنف الفتوة، فماذا يكون من أمره لو تعلقت به الحارة كما تعلق به حيه؟ هنالك سيدع العفاريت جانباً ويجاهر بأن الوقف غايته!.
وصب بيومي غضبه على بطيخة فهزه من منكبيه بعنف وقال له : " تركنا لك الأمر وحدك فماذا فعلت يا شين الفتوات!". وعض بطيخة على نواجذه بحنق وقال : " سأريحكم منه ولو بقتله" فصاح به بيومي : " خير ما تفعل أن تختفي من الحارة إلى الأبد". وأرسل إلى خنفس من يدعوه إلى مقابلته. ولكن عم شافعي اعترض سبيل خنفس وهو في حال من الفزع لم تسبق له من قبل. وكان قد حاول إقناع ابنه بالعودة إلى الدكان والإقلاع عن العمل الذي يجر عليه ولكنه فشل في مسعاه وعاد خائباً. ولما علم باستدعاء خنفس إلى مقابلة بيومي اعترض سبيله وقال له : " يا معلم خنفس أنت فتوتنا وحامينا، وإنهم يطلبونك لتتخلى عن رفاعة فلا تتخل عنه، تعهد لهم بما يشاءون ولكن لا تتخل عنه، مرني فأهجر الحارة مصطحباً إياه ولو بالقوة ولكن لا تتخل عنه!". فقال خنفس في حذر واحتياط : " إني أعلم الناس بما يجب على وبما تقتضيه مصالح آل جبل". والحق أن خنفس توجس خيفة من ناحية رفاعة منذ علم بوقعة بطيخة، وقال لنفسه إنه هو الذي ينبغي أن يحذر لا الناظر ولا بيومي.
ومضى إلى بيت بيومي فاجتمع به في المنظرة. وصارحه الفتوة بأنه دعاه بصفته فتوة آل جبل ليتفقا على رأي في مشكلة رفاعة. قال :
- لا تستهن بشأنه فإن الأحداث تقطع بخطورة أثره.
ووافق خنفس على ذلك ولكنه قال برجاء :
- أرجو ألا يعتدى عليه أمامي.
فقال بيومي :
- نحن رجال يا معلم، ومصالحنا واحدة، ولا نعتدي على أحد في بيوتنا، وسيجيء هذا الولد الآن لاستجوابه على مسمع منك.
وجاء رفاعة بوجهه المشرق فحيا الرجلين، وجلس حيث أشار له بيومي أن يجلس على شلته أمامهما. وتفرس بيومي في وجهه الجميل المطمئن وهو يعجب كيف أمسى هذا الطفل الوديع مصدراً للقلاقل المفزعة. وسأله بصوت غليظ :
- لماذا هجرت حيك وأهلك؟
فقال ببساطة :
- لم يستجب لي منهم أحد.
- ماذا كنت تريد منهم؟
- أن أخلصهم من العفاريت التي تفسد عليهم سعادتهم!
فوشى صوت بيومي بغيظة وهو يسأله :
- وهل أنت مسئول عن سعادة الناس؟
فقال رفاعة بصراحة وبراءة :
- نعم مادمت قادراً على تحقيقها.
فتجهم وجه بيومي وهو يقول :
- سمعوك وأنت تحتقر الجاه والقوة؟
- لكي أبرهن على أن السعادة ليست فيما يتوهمون ولكن فيما أفعل.
فتساءل خنفس غاضباً :
- أليس في ذلك تحقير لأصحاب القوة والجاه؟
فقال دون أن يضطرب لغضب الرجل :
- كلا يا معلم ولكن فيه تنبيه بأن السعادة غير ما يملكون من قوة وجاه.
وتفحصه بيومي بنظرة نافذة وهو يسأله :
- وسمعوك أيضاً وأن تؤكد أن ذلك ما يريده لهم الواقف.
فتجلى الاهتمام في العينين الصافيتين وقال :
- هم يقولون ذلك!
- وماذا تقول أنت؟
فقال بعد تردد لأول مرة :
- على قدر فهمي أتكلم.
فقال خنفس متهكماً :
- المصائب تجيء من العقل الزنخ.
وقال بيومي وهو يضيق عينيه :
- لكنهم يقولون أنك تعيد عليهم ما سمعته من الجبلاوي نفسه!
فبدت الحيرة في عينيه، وتردد للمرة الثانية، ثم قال :
- هكذا فهمت أقواله لأدهم ولجبل!
فصاح خنفس غاضباً :
- أقواله لجبل لا تحتمل التأويل.
واشتد الحنق ببيومي، وقال لنفسه : " كلكم كذابون، وجبل أول كذاب فيكم يا لصوص" وقال :
- أنت تقول إنك سمعت الجبلاوي، وتقول هذا ما يريده الجبلاوي، وليس لأحد أن يتكلم باسم الجبلاوي إلا ناظر وقفه ووريثه، ولو أراد الجبلاوي أن يقول شيئاً لقاله له، وهو الأمين على وقفه ومنفذ شروطه العشرة، يا معتوه كيف تحقر القوة والجاه والثراء باسم الجبلاوي وهي مزاياه وصفاته؟!
فنمت الأسارير الصافية عن ألم وقال :
- إني أخاطب أهل حارتنا لا الجبلاوي، هم الذين تركبهم العفاريت، وهم الذين تعذبهم المطالب.
فصاح به بيومي :
- ما أنت إلا عاجز عن القوة والجاه، فلذلك تلعنهما، ولترفع مكانتك الحقيرة في نظر الأغبياء من أهل حارتنا فوق مكانة السادة، وعندما تجدهم طوع يديك تنهب بهم القوة والجاه!
فاتسعت عينا رفاعة دهشة وتساءل :
- لا غاية لي إلا سعادة أهل حارتنا.
فصاح بيومي :
- يا ابن الماكرة، أنت توهم الناس بأنهم مرضى، بأننا جميعاً مرضى، فلا صحيح غيرك في هذه الحارة!
- لماذا تكرهون السعادة وهي بين أيديكم؟
- يا ابن الماكرة! ملعونة السعادة التي تجيء من مثلك! فتساءل رفاعة متنهداً :
- لماذا يكرهني أناس وأنا ما كرهت أحد قط؟!
فصرخ فيه بيومي :
- لا تخدعنا بما تخدع به الأغبياء، وأقلع عن خداعك، وأفهم أن أمري لا يخالف، واحمد الله على أنك في بيتي وإلا ما خرجت سالماً.
وقف رفاعة يائساً، فحياهما وانصرف. وقال خنفس :
- دعه لي.
لكن بيومي قال :
- للمعتوه محبون كثيرون، ونحن لا نريد مذبحة.








_________________
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7221
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

58و59و60و61

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 11:10 am





(58)
خرج رفاعة من بيت بيومي قاصداً بيته. كانت السماء متلفعة بأردية الخريف وفي الجو نسيم معتدل. وازدحمت الحارة حول مقاطف الليمون كأنما تحتفل بموسم التخليل، وترامت الأحاديث والضحكات، على حين اشتبك غلمان في معركة يتقاذفون بالتراب. وتلقى رفاعة تحيات الكثيرين وأصابه رشاش تراب فمضى إلى بيته وهو ينفضه عن كتفه ولاسته. ووجد زكي وعلي وحسين وكريم في انتظاره فتعانقوا كما يتعانقون عند كل لقاء، ثم قص عليهم – وعلى زوجته التي انضمت إلى المجلس- ما دار بينه وبين بيومي وخنفس. تابعوه باهتمام وقلق، فلما فرغ من قصته تجهمت الوجوه. وسئلت ياسمينة نفسها ترى عما يتمخض هذا الموقف الدقيق؟ وأليس هناك حل يقي الرجل الطيب من الهلاك دون أن يهدد سعادتها؟ وبدا التساؤل في الأعين جميعاً، أما رفاعة فأسند رأسه إلى الحائط في شيء من الإعياء. وقالت ياسمينة :
- لا يجوز الاستهانة بأمر بيومي.
وكان على أحدهم طبعاً فقال :
- لرفاعة أصدقاء هزموا بطيخة فاختفى من الحارة.
فقالت ياسمينة مقطبة :
- بطيخة لا بيومي! إذا تحديتم بيومي فقل عليكم السلام!
فالتفت حسين إلى رفاعة قائلاً :
- فلنستمع الأول إلى المعلم!
فقال رفاعة وهو شبه مغمض العينين :
- لا تفكروا في العراك فإن الذي يشقى لإسعاد الناس لا يهون عليه سفك دمائهم.
وتهلل وجه ياسمينة. كانت تكره فكرة الترمل خشية أن تحدق بها الأعين فلا تجد منفذاً إلى رجلها الرهيب، وقالت :
- خير ما تفعل أن ترحم نفسك من ذلك العناء.
فقال زكي محتجاً :
- لن نترك هذا العمل ولكن نترك الحارة.
فخفق قلب ياسمينة جزعاً لتخيل البعد عن حارة رجلها وقالت بحدة :
- لن نعيش غرباء ضائعين بعيداً عن حارتنا.
وتركزت الأعين في وجه رفاعة فاعتدل رأسه رويداً وقال :
- لا أحب أن أهجر حارتنا.
وهنا دق الباب دقات متتابعة في لهفة فذهبت ياسمينة تفتحه، وسمع الجالسون صوتي عم شافعي وعبدة يسألان عن ابنهما. وقام رفاعة فتلقى والدية بالعناق وجلسوا هما وشافعي وزوجته يلهثان، ووجهاهما ينطقان بما يحملان من أنباء مزعجة. وسرعان ما قال الأب :
- يا بني، تخلى عنك خنفس، فحياتك في خطر، وأخبرني أصحابي بأن أعوان الفتوات يحومون حول بيتك.
وجففت عبدة عينين حمراوين وقالت :
- ليتنا ما عدنا إلى هذه الحارة التي تباع فيها الأرواح بلا ثمن فقال على متحمساً :
- لا تخافي يا سيدتي، فحينا كله أصدقاء يحبوننا.
وقال رفاعة متأوهاً :
- ماذا فعلنا مما نستحق عليه العقاب؟!
فهتف عم شافعي جزعاً :
- أنت من حي جبل الكروه لديهم، وكم توجس قلبي خيفة منذ جاء ذكر الواقف على لسانك!
فقال رفاعة متعجباً :
- بالأمس حاربوا جبل لمطالبته بالوقف والبوم يحاربونني لاحتقاري الوقف!
فلوح شافعي بيده جزعاً وقال :
- قل فيهم ما تشاء فلن يغير هذا منهم شيئاً، ولكن اعلم أنك هالك إن غادرت بيتك، ولست آمن عليك إن بقيت فيه.
تسرب الخوف إلى قلب كريم أول ما تسرب لكنه داراه بإرادة قوية. وقال مخاطباً رفاعة :
- إنهم يتربصون لك في الخارج، وإذا لبثت هنا فسيجيئون إليك، هؤلاء هم فتوات حارتنا كما عرفناهم، فلنهرب إلى بيتي من فوق الأسطح وهناك نفكر فيما ينبغي عمله.
فصاح شافعي :
- ومن هناك تهربون من الحارة ليلاً.
فتأوه رفاعة متسائلاً :
- وأترك بنائي يتهدم؟
فتوسلت إليه أمه باكية :
- افعل ما يشير به عليك وارحم أمك!
فقال الأب محتداً :
- واستأنف عملك فيما وراء الخلاء إذا شئت.
وقام كريم في اهتمام وقال :
- فلنتدبر أمرنا، سيبقى المعلم شافعي وحرمه قليلاً ثم يذهبان إلى ربع النصر كأنهما راجعان بعد زيارة عادية، وتخرج الست ياسمينة إلى الجمالية كأنما لتتسوق، وعند عودتها تتسلل إلى مسكني وهذا أيسر لها من الهرب عبر الأسطح. ارتاح شافعي إلى الخطة فقال كريم :
- لا ينبغي أن نضيع دقيقة سدى، سأذهب لاستكشاف الأسطح.
وغادر الحجرة. وقام شافعي آخذاً رفاعة في يده، وأمرت عبدة ياسمينة أن تجمع الثياب في بجقة.
وأخذت ياسمينة في جمع الثياب القليلة بصدر مختنق وقلب ملكوم، وثورة من الحنق في باطنها تتجمع. وأقبلت عبدة على ابنها تقبله وترقيه بأعين باكية. ومضى رفاعة يفكر في حاله بقلب حزين، كم أحب الناس بكل قلبه وكم شقي لإسعادهم وكيف يعاني من بغضائهم وهل يسلم الجبلاوي بالفشل؟ ورجع كريم وهو يقول لرفاعة وصحبة :
- اتبعوني.
وقالت عبدة وهي تفحم في البكاء :
- سنلحق بك ولو بعد حين.
وقال له شافعي وهو يضغط على مخارج الدمع :
- فلتصحبك السلامة يا رفاعة.
عانق رفاعة والديه ثم التفت إلى ياسمينة قائلاً :
- احبكي الملاءة والبرقع كيلا يعرفك أحد.
ثم وهو يميل إلى أذنها :
- لا أطيق أن تمتد لك يد بسوء.
**************


(59)
غادرت ياسمينة الربع ملتفة في السواد وكلمات عبدة تتردد في أذنيها حين قالت لها وهي تودعها : " مع السلامة يا بنتي، وربنا يحفظك ويصونك، رفاعة عهدتك، سأدعو لكما في النهار والليل".
كانت طلائع الليل تزحف، وفوانيس المقاهي تشتعل، والغلمان يلعبون حول الأنوار المنبعثة من مصابيح عربات اليد، على حين احتدم عراك القطط والكلاب – كشأنه في ذلك الوقت من اليوم- حول أكوام الزبالة.
مضت ياسمينة نحو الجمالية وليس في قلبها العاشق مكان للرحمة. لم يساورها التردد ولكن ملأها الخوف فخيل إليها أن أعيناً كثيرة ترقبها. ولم تشعر بشيء من الاطمئنان حتى عرجت من الدراسة إلى الخلاء، لكنها لم تجد الاطمئنان الحقيقي إلا في المنظرة بين يدي بيومي. ولما نزعت النقاب عن وجهها تفحصها باهتمام وتساءل :
خائفة؟
فأجابت وهي تلهث :
نعم.
كلا الجبن ليس من صفاتك، خبريني ماذا وراءك؟
قالت بصوت لا يكاد يسمع :
هربوا من فوق الأسطح إلى بيت كريم، وسيغادرون الحارة عند الفجر.
فغمغم بيومي ساخراً :
عند الفجر يا أولاد الهرمة!
أقنعوه بالذهاب فلماذا لا تدعه يذهب؟
فابتسم ساخراً وقال :
قديماً ذهب جبل ثم عاد، هذه الحشرات لا تستحق الحياة.
فقالت وهي شاردة اللب :
إنه ينكر الحياة ولكنه لا يستحق الموت.
فتقلص فوه اشمئزازاً وقال :
في الحارة كفايتها من المجانين.
فنظرت إليه في استعطاف ثم غضت بصرها وهمست وكأنما تحدث نفسها :
أنقذني يوماً من الهلاك.
فضحك في سخرية غليظة وقال :
وها أنت تسلمينه إلى الهلاك، واحدة بواحدة والبادي أظلم!
فشعرت بقلق موجع كالمرض، ورمقته بعتاب وهي تقول :
فعلت ما فعلت لأنك أغلى من حياتي.
فربت خدها برقة وقال :
سيخلو لنا الجو، وإذا ضايقتك الظروف فلك في هذا البيت مكان.
فارتفعت روحها من هبوطها درجات وقالت :
لو عرضوا علي بيت الواقف من دونك ما قبلته.
أنت بنت مخلصة.
وشكتها "مخلصة" فعاودها القلق الذي هو كالمرض. وتساءلت ترى هل يسخر منها الرجل؟ ولم يكن ثمة وقت لمزيد من الكلام فقامت وقام ليودعها، حتى تسللت من الباب الخلفي، ووجدت زوجها وأصحابها في انتظارها، فجلست إلى جانب زوجها وهي تقول له :
بيتنا مراقب، ومن الحكمة أن أمك تركت المصباح مشتعلاً وراء النافذة، وسيكون الهرب ميسوراً عند الفجر.
فقال لها زكي وهو يلحظ رفاعة في حزن :
لكنه حزين، أليس المرضى في كل مكان، وأليسوا هم كذلك في حاجة إلى الشفاء؟
فقال رفاعة :
تشتد الحاجة إلى الدواء حيث يستفحل المرض.
ونظرت ياسمينة نحوه في رثاء. وقالت في نفسها أن من الظلم قتله.
وتمنت لو كان فيه جانب واحد يستحق العقاب. وذكرت أنه الوحيد في هذه الدنيا الذي أحسن إليها وأن جزاءه على ذلك سيكون القتل. ولعنت في سرها هذه الأفكار وقالت ليفعل الخير من يجد في حياته الخير. ولما رأته يبادلها النظر قالت كالمشفقة :
حياتك أغلى من حارتنا اللعينة.
فقال رفاعة باسماً :
هذا ما يقوله لسانك غير أني أقرأ الحزن في عينيك!
وارتعدت. وقالت لنفسها يا ويلي لو كانت قدرته على قراءة العين قدرته على إخراج العفاريت. وقالت له :
ليس ما بي حزن ولكنه الخوف عليك!
وقام كريم وهو يقول :
سأعد العشاء.
ورجع حاملاً الطبلية فدعاهم إلى الجلوس فجلسوا حولها. وكان العشاء مكوناً من العيش والجبن والمش والخيار والفجل، وثمة إبريق من البوظة. وملأ كريم الأكواب وهو يقول :
ليلتنا تحتاج إلى التدفئة والتشجيع.
وشربوا ثم قال رفاعة باسماً :
الخمر توقظ العفاريت ولكنها تنعش من تخلص من عفريته.
ونظر نحو ياسمينة إلى جانبه فأدركت مغزى نظرته وقالت :
ستخلصني من عفريتي غداً إن مد الله في العمر.
فتهلل وجه رفاعة سروراً وتبادل الأصدقاء التهاني. ومضوا يتناولون العشاء. قطعت الأرغفة. وتلاقت الأيدي فوق الأطباق، وبدو وكأنهم تناسوا الموت المحيط بهم، وإذا برفاعة يقول :
أراد صاحب الوقف لأبنائه أن يكونوا مثله، ولكنهم أبوا ألا أن يكونوا مثل العفاريت، إنهم أغبياء، وهو لا يحب الأغبياء كما قال لي.
فهز كريم رأسه أسفاً، وبلع لقمته ثم قال :
لو كان على شيء من قوته الأولى لسارت الأمور كما يشاء.
فقال علي حانقاً :
لو..لو..لو، ماذا أفدنا من لو! علينا أن نعمل.
فقال رفاعة بقوة :
ما قصرنا قط، حاربنا العفاريت دون هوادة، وكلما ترك عفريت فراغاً ملأه الحب، وليس وراء ذلك من غاية.
فقال زكي متحسراً :
ولو تركونا نعمل لملأنا الحارة صحة وحباً وسلاماً.
فقال على معترضاً :
إني أعجب كيف نفكر في الهرب لى كثرة ما لنا من أصدقاء!
فقال رفاعة باسماً :
إن عرق عفريتك مازال عالقاً بجوفك، فلا تنس أن غايتنا الشفاء لا القتل، ولخير للإنسان أن يُقتل من أن يَقتل.
والتفت رفاعة إلى ياسمينة فجأة ثم قال :
إنك لا تأكلين ولا تصغين!
فتقلص قلبها خوفاً، بيد أنها تغلبت على انفعالها وقالت :
إني أعجب كيف تتحادثون في مرح كأنكم في عرس!
ستألفين البهجة عندما تتخلصين من عفريتك غداً.
ثم نظر إلى إخوانه وقال :
بعضكم يخجل من المسالمة، فنحن أبناء حارة لا تحترك إلا الفتونة.
ولكن الفتونة ليست قاصرة على الإرهاب، فمصارعة العفاريت أشق عشرات المرات من الاعتداء على الضعفاء أو منازلة الفتوات.
فهز على رأسه أسفاً وقال :
وكان جزاء الإحسان هذا الموقف التعيس الذي وجدنا أنفسنا فيه.
فقال رفاعة بيقين :
لن تنتهي المعركة كما يتوهمون، ولسنا ضعفاء كما يتصورون ! إنما نقلنا المعركة من ميدان إلى ميدان، وميداننا يتطلب شجاعة أسمى وقوة اشد.
وواصلوا العشاء وهم يفكرون فيما سمعوا. وبدا لأعينهم هادئاً مطمئناً قوياً بقدر ما بدا جميلاً وديعاً. وفي فترة الصمت تجلى صوت شاعر الحي وهو يحكي قائلاً : " ومرة جلس أدهم في حارة الوطاويط عند الظهر ليستريح فنعس. واستقيظ على حركة فرأى غلماناً يسرقون عربته فنهض مهدداً. ورآه غلام فنبه أقرانه بصفير ودفع العربة ليشغله بها عن مطاردتهم فاندلق الخيار على الأرض على حين تفرق الغلمان مسرعين كالجراد. وغضب أدهم غضباً شديداً حتى قذف فوه المهذب بسيل من أقذع الشتائم، ثم انكب على الأرض يجمع الخيار الذي لوث بالطين وتضاعف غضبه دون أن يجد له متنفساً فراح يقول بتأثر وانفعال :
" لماذا كان غضبك كالنار تحرق بلا رحمة؟ لماذا كانت كبرياؤك أحب إليك من لحمك ومن دمك؟ وكيف تنعم بالحياة الرغيدة وأنت تعلم أننا نداس بالأقدام كالحشرات؟ والعفو واللين والتسامح ما شأنها في بيتك الكبير أيها الجبار!" وقبض على يد العربة وهم بدفعها بعيداً عن الحارة اللعينة وإذا بصوت يقول متهكماً :
بكم الخيار يا عم؟
رأى إدريس واقفاً يبتسم ابتسامة ساخرة.." وإذا بصوت امرأة يرتفع مغطياً على صوت الشاعر وهي تصرخ : " ولد تائه يا أولاد الحلال!"

**************
(60)
مضى الوقت والإخوان في سمر وياسمينة في عذاب. أراد حسين أن يلقي على الحارة نظرة لكن كريم اعترضه أن يلمحه أحد فيشك في الأمر. وتساءل زكي ترى هل هاجموا بيت رفاعة . فقال رفاعة أنهم لا يسمعون إلا نواح الرباب وتهليل الغلمان. كانت الحارة تحيا حياتها فليس ثمة ما يشي بسر جريمة تدبر. ودارت بياسمينة دوامة الفكر حتى خافت أن تفضحها عيناها. وتمنت أن ينتهي عذابها على أي وجه وبأي ثمن. وتمنت أن تملأ جوفها بالخمر حتى تذهل عما حولها. وقالت لنفسها أنها ليست أول امرأة في حياة بيومي ولم تكون أخرهن، وأنه حول أكوام الزبالة تكثر الكلاب الضالة، ولكن فلينته هذا العذاب بأي ثمن. وبتقدم الوقت أخذ الصمت يبتلع الضوضاء رويداً فسكتت أصوات الأطفال ونداءات الباعة، ولم يبق إلا نواح الرباب. ودهمتها كراهية مفاجئة لهؤلاء الرجال، لا لشيء إلا لأنهم على نحو ما يعذبونها.
وتساءل كريم :
- هل أعد المجمرة؟
فقال رفاعة بحزم :
- نحن في حاجة إلى وعينا!
- ظننت أن به نستعين على تحمل الوقت.
- أنت خائف أكثر مما ينبغي.
فنفى التهمة عن نفسه قائلاً :
- يبدو ألا داعي هناك للخوف!
أجل لم يقع حادث ولم يهاجم بيت رفاعة. وسكتت الأنغام وذهب الشعراء. وترامت أصوات الأبواب وهي تغلق، وأحاديث العائدين إلى البيوت، وضحكات وسعلات، ثم ساد الصمت. واستمر الانتظار والترقب حتى صاح أول ديك. وقام ذكي إلى النافذة ينظر إلى الطريق ثم التفت قائلاً :
- صمت وخلاء، الحارة كما كانت يوم طرد إدريس إليها.
فقال كريم :
- آن لنا أن نذهب.
وركب الجزع ياسمينة فتساءلت في نفسها ماذا يكون من أمرها لو تأخر بيومي عن موعده أو لو عدل عنه؟ وقام الرجال وكل يحمل بجقة. وقال حسين :
- الوداع يا حارتنا الجهنمية!
سار في المقدمة. ودفع برقة رفاعة ياسمينة أمامه وتبعها واضعاً يده على منكبها كمن يخشى أن يفقدها في الظلام، ثم جاء كريم فحسين ثم ذكي. تسللوا من باب الشقة واحداً في إثر آخر. ورقوا في السلم مهتدين بالدرابزين في الظلمة الحالكة. وبدا السطح أرق ظلمة رغم أنه لم يبد في السماء نجم واحد. ونضحت سحابة بنور القمر المتواري خلفها فسجلت لوحتها ركض السحاب. وقال على :
- أسوار السطح شبه متلاصقة وسنساعد الست إن لزم الأمر. تتابعوا داخلين. ولم دخل ذكي وهو آخرهم أحس حركة وراءه فالتفت نحو سطح الباب فوجد فرأى أربعة أشباح. فتساءل مذعوراً :
- من هناك؟
تسمر الجميع والتفتوا. وجاء صوت بيومي وهو يقول :
- قفوا يا أولاد الزنا.
وانتشر عن يمينه وعن يساره جابر وخالد وحندوسة. وندت عن ياسمينة آهة. وأفلتت من يد رفاعة ثم جرت نحو باب السطح فلم يعترضها أحد من الفتوات، حتى قال على مخاطباً رفاعة في ذهول :
- خانتك المرأة.
وفي لحظة أحاطوا بهم. وراح بيومي يتفحصهم عن قرب واحداً بعد آخر متسائلاً :
- أين كودية الزار؟
حتى تبين فقبض على منكبه بيد من حديد وهو يسأله متهكماً :
- أين أنت ذاهب يا نديم العفاريت؟
فقال رفاعة في وجوم :
- ضايقكم وجودنا فآثرنا الرحيل.
فأطلق ضحكة قصيرة ساخرة ثم التفت إلى كريم وقال :
- وأنت هل أجدى إخفائك لهم في بيتك؟
فازدرد كريم ريقه الحاف وقال وفرائضه ترتعد :
- لم أكن أعلم بشيء مما بينك وبينهم!
فلطمه بيده الأخرى على وجهه فسقط على الأرض، ولكن سرعان ما وثب قائماً وركض في رعب نحو سطح الربع الملاصق. وفجأة جرى وراءه حسين وذكي. وانقض حندوسة على علي فركله في بطنه فتهاوى على الأرض وهو يئن من أعماقه. وفي ذات الوقت هم جابر وخالد باللحاق بالهاربين ولكن بيومي قال باستهانة :
- لا خوف من هؤلاء فلن ينبس أحدهم بكلمة وإلا هلك. وقال رفاعة وقد انحنى رأسه نحو قبضة بيومي لشدة ضغطها :
- لم يفعلوا شيئاً يستحق العقاب.
فهوى بيومي بكفه على وجهه وهو يقول متهكماً :
- خبرني ألم يسمعوا الجبلاوي كما سمعته؟
ثم دفعه أمامه وهو يقول :
- سر أمامي ولا تفتح فاك.
سار مستسلماً للمقادر، هبط السلم المظلم محاذراً ووقع الأقدام الثقيلة يتبعه. وغشيه الظلام والحيرة والشر الذي يتهدده فلم يكد يفكر فيمن هرب ولا فيمن خان. وران عليه حزن شامل عميق فغطى حتى على مخاوفه وخيل إليه أن ذلك الظلام سيمسي صفة الدنيا الملازمة. وانتهوا إلى الحارة فقطعوا الذي لم يبق فيه مريض بفضله. وتقدمهم حندوسة نحو حي جبل فمروا تحت ربع النصر المغلق حتى خيل إليه أنه يسمع تردد أنفاس والديه. وساءل نفسه لحظة عنهما فخيل إليه أنه يسمع نحيب عبدة في الليل الصامت ولكن سرعان ما استرده الظلام والحيرة والشر الذي يتهدده. وبدا حي جبل هياكل أشباح عمالقة غارقة في الظلام، ما أشد الظلام وما أعمق النوم، أما وقع أقدام الجلادين في الظلمة الحالكة وأطيط نعالهم فكأنه ضحكات شياطين تعبث في الليل. ومضى حندوسة نحو الخلاء بحذاء سور البيت الكبير فرفع رفاعة عينيه إلى البيت لكنه رآه مظلماً كالسماء. ولاح شبح في نهاية السور فتساءل حندوسة :
- المعلم خنفس؟
فأجابه الرجل :
- نعم.
وانضم إلى الرجال دون كلام. وظلت عينا رفاعة مرفوعتين نحو البيت. ترى هل يدري جده بحاله؟ إن كلمة منه تستطيع أن تنقذه من مخالب هؤلاء الجبارين وترد عنه كيدهم. إنه قادر على أن يسمعهم صوته كما أسمعه إياه في هذا المكان. وجبل وجد نفسه في مأزق مثل مأزقه ثم نجا وانتصر. لكنه جاوز السور دون أن يسمع شيئاً سوى وقع أقدام الجبارين وتردد أنفاسهم. وأوغلوا في الخلاء وذكر أن المرأة خانته وأن الأصحاب لاذوا بالفرار. أراد أن يلتفت إلى الوراء صوب البيت ولكن بد بيومي دفعته في ظهره بغتة فسقط على وجهه. ورفع بيومي نبوته وهتف :
- معلم خنفس؟
فرفع الرجل نبوته قائلاً :
- معك إلى النهاية يا معلم.
وتساءل رفاعة في يأس :
- لماذا تبغون قتلي؟
فهوى بيومي بنبوته على رأسه بشدة فصرخ رفاعة صرخة عالية وهتف من أعماقه : "يا جبلاوي!".
وفي اللحظة التالية كان نبوت خنفس يصيب عنقه، واستبقت النبابيت.
وساد صمت لم تسمع خلاله إلا حشرجة.
وأخذت الأيدي تحفر الأرض بقوة في الظلام.
*****************
(61)
غادر القتلة المكان متجهين نحو الحارة فسرعان ما ذابوا في الظلام.
وإذا بأربعة أشباح تنهض قائمة من موضع غير بعيد من موضع الجريمة، ندت عنهم تنهدات وأصوات بكاء مكتوم حتى صاح أحدهم :
- يا جبناء، أمسكتم بي وكتمتم أنفاسي فقتل دون دفاع.
فقال له آخر :
- لو أطعناك لهلكنا جميعاً دون أن ننقذه.
فعاد على يقول غاضباً :
- يا جبناء! ما أنتم إلا جبناء.
فقال كريم بصوت باك :
- لا تضيعوا الوقت في الكلام، أمامنا عمل شاق يجب أن ننجزه قبل الصباح.
ورفع حسين رأسه إلى السماء يقلب فيها عينيه الدامعتين وتمتم بجزع :
- الفجر قريب فلنسرع.
فهتف زكي متأوهاً :
- يا له من وقت قصير كالحلم لكننا فقدنا فيه أعز من عرفنا في الحياة!
واتجه على نحو موقع الجريمة وهو يصر على أسنانه مغمغماً :
- يا جبناء.
فمضوا خلفه ثم جلسوا جميعاً على ركبهم في هيئة نصف دائرة وراحوا يتحسسون الأرض مفتشين.
وبغتة صرخ كريم كالملدوغ :
- هنا!
وتشمم يده وهو يقول :
- إن هذا هو دمه!
وفي ذات الوقت صاح ذكي :
- وهذا الموضع الهش مدفنه.
وتجمعوا حوله وأخذوا يزيحوا الرمال براحاتهم. ولم يكن في الأرض من هو أتعس منهم، لضياع العزيز، ولموقف العجز الذي وقفوه عند مصرعه، وعبرت كريم لحظة جنون فقال في بلاهة :
- لعلنا نجده حياً!
فقال علي بازدراء ويداه لا تكفان عن العمل :
- اسمعوا أوهام الجبناء.
وامتلأت خياشيمهم برائحة التراب والدم. وترامى من ناحية الجبل عواء. وهتف علي بإشفاق :
- تمهلوا، فهذا جسده.
فانخلعت قلوبهم، ورقت أيديهم، وتلمسوا أطراف ثوبه بجزع، ثم ارتفعت أصواتهم بالبكاء، وتعاونوا على استخلاص الجثة من الرمال وقاموا بها في رفق، وكان صياح الديكة يترامى من الحارات والأزقة. حث البعض على الإسراع ولكن لفتهم علي إلى وجوب ردم الحفرة، فخلع كريم جلبابه وفرشوا على الأرض فطرحوا الجثة عليه، وتعاونوا مرة أخرى على ردم الحفرة. وخلع حسين جلبابه فغطى به الجثة ثم حملوها وساروا نحو باب النصر. وأخذ الظلام يخف فوق الجبل ويشف عن السحاب، وتساقط الندى فوق الجباه والدموع. وكان حسين يدلهم على طريق مقبرته حتى بلغوها. وانهمكوا في فتح القبر صامتين، والضياء ينتشر رويداً، حتى تراءى للأعين الجثمان المسجي، وأيديهم الملطخة بالدماء، وأعينهم المحمرة من البكاء. وحملوا الجثة وهبطوا بها إلى جوف القبر. وقفوا حولها خاشعين وهم يضغطون جفونهم ليزيلوا الدموع التي تحول دون روئيتها.
وهمس كريم والعبرات تخنقه :
- كانت حياتك حلماً قصيراً، لكنها ملأت قلوبنا بالحب والنقاء. وما كنا نتصور أن تغادرنا بهذه السرعة فضلاً عن أن تقتل بيد أحد من الناس، أحد من أبناء حارتنا الجاحدة التي داويتها وأحببتها، حارتنا التي أبت إلا أن تقتل الحب والرحمة والشفاء ممثلة في شخصك فقضت على نفسها باللعنة حتى آخر الزمن.
وتساءل زكي منتحباً :
- لماذا يذهب الطيبون؟ لماذا يبقى المجرمون؟
وتأوه حسين قائلاً :
- لولا حبك الباقي في قلوبنا لمقتنا الناس إلى الأبد!
عند ذاك قال علي :
- لن يرتاح لنا بال حتى نكفر عن جبننا.
وعندما غادروا القبر متجهين نحو الخلاء كان النور يصبغ الأفاق بمثل ذوب الورد الأحمر.

**********
(62)
لم يعد أحد من الصحاب الأربعة يظهر في حارة الجبلاوي، وظن ذووهم أنهم غادروا الحارة خفية وراء رفاعة اتقاء لتحرش الفتوات. وعاش الرفاق في أطراف الخلاء في حالة نفسية متوترة، يصارعون بكل قواتهم وطأة الألم وحز الندم. كان فراق رفاعة أشد من الذبح على قلوبهم، وكان تخليهم عنه معذباً قاتلاً، لم يبق لهم من أمل في الحياة إلا أن يتحدوا موته بإحياء رسالته وأن ينزلوا العقاب بقاتليه كما صمم علي. أجل لم يكن في وسعهم العودة إلى الحارة ولكن كان في مأمولهم أن يقابلوا من يشاءون خارجها. وذات صباح استيقظ ربع النصر على صوات عبدة فهرع الجيران إليها يستطلعون الخبر فصاحت بصوت مبحوح :
قتل ابني رفاعة.
ووجم الجيران وتطلعوا إلى عم شافعي الذي كان يجفف عينيه.
فقال الرجل :
قتله الفتوات في الخلاء.
وعادت عبدة تنوح هاتفة :
ابني الذي لم يؤذ أحد في دنياه.
فتساءل البعض :
وهل علم بذلك فتوتنا خنفس؟
فقال شافعي غاضباً :
كان خنفس ضمن القاتلين.
وقالت عبدة باكية :
وخانته ياسمينة فدلت بيومي عليه!
فلاح الاستنكار في الوجوه وقال صوت :
لذلك فهي تقيم في بيته بعد أن هجرته زوجته.
وانتشر الخبر في حي جبل فجاء خنفس إلى بيت شافعي وصاح به :
أجننت يا رجل؟ ماذا قلت عني؟
فوقف شافعي أمامه دون مبالاة وقال بشدة :
إنك اشتركت في قتله وأنت فتوته وحاميه!
فتظاهر خنفس بالغضب وصاح :
أنت مجنون يا شافعي، لا تدري عما تقول شيئاً، ولن أبقى حتى لا أضطر إلى تأديبك.
وغادر الربع وهو يرغي ويزيد. وانتقل الخبر إلى حي رفاعة الذي أقام فيه عقب مغادرته لحي جبل فذهل الناس له، وارتفعت الأصوات بالسخط والبكاء، ولكن الفتوات خرجوا إلى الحارة يقطعونها ذهاباً وإياباً، النبابيت في أيديهم والشر يتقد في نظراتهم. ثم سرى نبأ يقول : إن الرمال غربي صخرة هند وجدت ملطخة بدم رفاعة. وذهب عم شافعي وخاصة أصحابه للبحث عن الجثة هنالك. ففتشوا وحفروا ولكنهم لم يعثروا على شيء. ولعظ الناس بالخبر وتبلبلت الأفكار وتوقع كثيرون أن تحدث في الحارة أمور، وراح الناس في حي رفاعة يتساءلون ماذا فعل رفاعة حتى يقضى عليه بالقتل؟ وقال آل جبل : رفاعة قتل وياسمينة مقيمة في بيت بيومي. وتسلل الفتوات بليل إلى المكان الذي قتل فيه رفاعة، وحفروا مدفنه على ضوء مشعل، ولكنهم لم يعثروا للجثة على أثر. وتساءل بيومي :
هل أخذها شافعي؟
ولكن خنفس أجابه :
كلا، لم يعثر على شيء كما أخبرتني العيون.
فضرب بيومي الأرض بقدمه وصاح :
إنهم أصحابه، لقد أخطأنا بتركهم يفلتون، وهاهم يحاربوننا من وراء وراء.
وعند عودتهم مال خنفس على أذن بيومي وهمس قائلاً :
إن احتفاظ المعلم بياسمينة لمما يسبب لنا المتاعب.
فقال بيومي ساخطاً :
بل اعترف بأنك فتوة ضعيف في حيك!
وودعه خنفس ساخطاً. واشتد التوتر بحي جبل ورفاعة، وتكرر اعتداء الفتوات على الساخطين، وساد الإرهاب في الحارة حتى كره أهلها الخروج إليها إلا لضرورة. وفي ليلة من الليالي – وكان بيومي في قهوة شلضم- تسلل أهل زوجته إلى بيته بقصد الاعتداء على ياسمينة، فشعرت بهم وفرت بجلبابها إلى الخلاء، وهم يطاردونها. وظلت تعدو في الظلام كالمجنونة حتى بعد أن كف المطاردون عن مطاردتها. وظلت تعدو في الظلام حتى أوشكت أنفاسها أن تنقطع فاضطرت إلى التوقف وهي تلهث بعنف وتركت رأسها إلى الوراء وأغمضت عينيها. ولبثت كذلك حتى استردت أنفاسها. ونظرت ورائها فلم تر شيئاً ولكنها جفلت من فكرة العودة إلى الحارة ليلا. ونظرت أمامها فرأت عن بعد نوراً ضئيلاً لعله ينبعث من كوخ فسارت نحوه آملة أن تجد عنده مأوى يأويها حتى الصباح. وطال بها المسير قبل أن تبلغه. وكان كما ظنت كوخاً فاقتربت من بابه وهي تنادي أهله وبغته وجدت نفسها أمام أصدقائه الحميمين : علي وزكي وحسين وكريم.








_________________
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7221
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

63

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 11:14 am







(63)
تسمرت ياسمينة بالأرض وهي تقلب في وجوههم بصراً زائغاً. تراءوا لها كجدار يعترض مطارداً في كابوس. كانوا يحدقون فيها باشمئزاز، وبدا الاشمئزاز في عيني علي في إطار حديدي من القسوة. وهتفت بلا وعي :
- إني بريئة، ورب السماء بريئة، ذهبت معكم حتى هاجمونا فهربت كما هربتم!
وكلحت الوجوه، وتساءل علي حانقاً :
- ومن أدراك بأننا هربنا؟
فقالت بصوت متهدج :
- لولا الهرب ما بقيتم على قيد الحياة، لكني بريئة، وما فعلت شيء إلا أنني هربت!
فقال علي وهو يعض أسنانه :
- هربت إلى سيدك بيومي.
- أبداً، دعوني أذهب..أنا بريئة.
فصاح بها علي :
- ستذهبين إلى جوف الأرض!
فهمت بالهرب لكنه وثب عليها فقبض على منكبيها بشدة فصرخت :
- أعتقني إكراماً له فإنه كان لا يحب القتل ولا القاتلين!
فقبض على عنقها بيديه، حتى قال كريم جزعاً :
- انتظر حتى نفكر في الأمر.
فصاح به :
- اصمتوا يا جبناء!
وشد على عنقها بكل ما يعتلج في صدره من حنق وحقد وألم وندم. حاولت التخلص من قبضته عبثاً، قبضت على ساعديه، ركلته، هزت رأسها، كان كل مجهود عبثاً ضائعاً فخارت قواها، وجحظت عيناها، ثم نفث أنفها دماً، وارتج جسدها بعنف، وسكتت إلى الأبد، وتركها فسقطت جثة تحت قدميه.
وفي صباح اليوم التالي وجدت جثة ياسمينة ملقاة أمام بيت بيومي. وانتشر الخبر كغبار الخماسين فجرى الناس نساء ورجال نحو بيت الفتوة وارتفعت الضوضاء، واختلطت التعليقات، ودارى الجميع مشاعرهم الحقيقية. وفتح باب بيت بيومي، واندفع منه الرجل كالثور الهائج، وراح يضرب بنبوته كل من يصادفه فركض الجميع في فزع، ولاذوا بالدور والمقاهي، ووقف الرجل في الحارة الخالية يسب ويلعن ويهدد ويتوعد، ويضرب الهواء والجدران وأديم الأرض.
وفي اليوم نفسه هجر عم شافعي وزوجته الحارة، وبدا أن أي أثر لرفاعة قد اختفى.
ولكن ثمة أشياء كانت تذكر به على الدوام، كبيت عم شافعي بربع النصر، ودكان النجارة ومسكن رفاعة في الحي الذي أطلقوا عليه دار الشفاء، ومصرعه غربي صخرة هند، وفوق كل أولئك أصحابه المخلصين الذين واصلوا اتصالاتهم بمحبيه، ولقنوهم أسرار علمه بتخليص الأنفس من العفاريت ليزاولوها في مداواة المرضى، اقتنعوا بأنه بذلك يعيدون رفاعة إلى الحياة. أما على فلم يكن ليهدأ له بال حتى يقضي على المجرمين. وقد قال له حسين معاتباً :
- إنك لست من رفاعة في شيء.
فقال علي بقوة :
- إني أعرف رفاعة أكثر مما تعرفونه، قضى حياته القصيرة في قتال عنيف مع العفاريت.
فقال كريم :
- إنك تريد العودة إلى الفتونة وما كان أبغضها إليه.
فهتف علي بحماس :
- كان فتوة ولا كل الفتوات ولكن خدعكم رقته.
وتوثب كل فريق للعمل على رأيه بإيمان صادق. وتناقلت الحارة قصة رفاعة على حقيقتها التي كان يجهلها الأكثرون. وتناقل أيضاً أن جثته ظلت ملقاء في الخلاء حتى حملها الجبلاوي بنفسه فواراها التراب في حديقته الغناء. وكادت الأحداث الخطيرة تتلاشى عند ذلك لولا أن اختفى الفتوة حندوسة اختفاء مريباً. وإذا بجثته تكتشف ذات صباح ملقاة مشوهة أمام بيت الناظر إيهاب. وتزلزل بيت الناظر كما تزلزل بيت بيومي. ومرت بالحارة فترة رهيبة من الرعب. انصب الاعتداء كالمطر بكل من له صلة أو شبهة صلة برفاعة أو بأحد من رجاله. انهالت النبابيت على الرؤوس، وهرست الأقدام البطون، وحفرت الكلمات الصدور، وألهبت الأيدي الأقفية، حتى حبس نفسه في الدور من حبس، وهجر الحارة من هجر، وقتل في الخلاء من استهان بالخطر، فضجت الحارة بالصوات والعويل. وغشيها السواد والظلام، وفاحت منها رائحة الدم. ومن عجب أن ذلك كله لم يقضي على عمل العاملين، فقد قتل الفتوة خالد وهو خارج من بيت بيومي قبيل الفجر. واشتد غضب الإرهاب حتى بلغ الجنون. لكن حارتنا استيقظت في الهزيع الأخير من الليل على حريق هائل التهم بيت الفتوة جابر وأهلك أسرته. وصاح بيومي :
- إن مجانين رفاعة منتشرون كالبق، والله ليقتلن ولو في بيوتهم!
ذاع في الحارة أن البيوت ستهاجم بليل فركب الفزع الناس حتى جنوا. وخرجوا في الربوع في ثورة هوجاء يحملون العصي والمقاعد وأغطية الحلل والسكاكين والقباقيب والطوب. وصمم بيومي على أن بضرب قبل أن يستفحل الأمر فرفع نبوته وخرج من بيته في هالة من الأعوان.
وظهر على لأول مرة ومعه رجال أشداء على رأس الثائرين. وما أن رأى بيومي حتى أمر بقذف الطوب فأرسل الهائجون أسراب الطوب كالجراد فانصبت على بيومي ورجاله وتفجرت الدماء. وهجم بيومي بجنون وهو يصرخ كالوحش ولكن حجراً أصاب أعلى رأسه فتوقف رغم الغضب ورغم القوة ورغم الفتونة، ثم ترنح وسقط مقنعاً بدمه. وسرعان ما فر الأعوان، واكتسحت أمواج الغاضبين بيت الفتوة حتى ترامت أصوات الكسر والتحطيم إلى مثوى الناظر في بيته. واستطار الشر، وانقض العقاب على من بقى من الفتوات وأعوانهم، وخربت بيوتهم، واستفحل الخطر، وأوشك أن يفلت الزمام. عند ذاك أرسل الناظر في طلب علي فذهب علي لمقابلته، وكف رجال علي عن الانتقام والتخريب انتظاراً لما تسفر عليه المقابلة فهدأت الأحوال وسكنت الخواطر.
وتمخضت المقابلة عن عهد جديد في الحارة. فقد اعترف بالرفاعيين كحي جديد مثل حي جبل فيما له من حقوق وامتيازات. ونصب علي ناظراً على وقفهم، وبمعنى فتوة لهم، يتسلم نصيبهم في الوقف ويوزعه عليهم على أساس المساواة الشاملة. وعاد إلى الحي الجديد جميع المهاجرين الذين فروا من الحارة في فترات الإرهاب، وعلى رأسهم عم شافعي وزوجته وزكي وحسين وكريم، وحظي رفاعة في موته بما لم يكن يحلم به في حياته من التكريم والإجلال والحب حتى سار قصة باهرة يرددها كل لسان وتتغنى بها الربابة، وبخاصة رفع الجبلاوي بجثته ودفنها في حديقته الغناء، وقد أجمع الرفاعيون على ذلك، كما أجمعوا على التقديس والولاء لوالديه، لكنهم اختلفوا فيما عدا ذلك، فأصر كريم على وحسين وزكي على أن رسالة رفاعة يجب أن تقتصر على مداواة المرضى واحتقار الجاه والقوة، فساوا ومن تبعهم في الحياة مساره، وغالى منهم قوم فتجنبوا الزواج حباً في محاكاته واستعادة لسيرته، أما علي فتمسك بكافة حقوقه في الوقف وتزوج ودعا إلى تجديد حي رفاعة. لم يكن يكره الوقف لذاته ولكن ليبرهن على أن السعادة الحقة متاحة بدونه، وليقضي على الشرور التي يستثيرها الطمع، فإذا وزع الريع بالعدل، ووجه للبناء والخير، فهو الخير كل الخير.
وعلى أي حال استبشر الناس خيراً، واستقبلوا الحياة بوجوه مشرقة، وقالوا بثقة واطمئنان إن اليوم خير من الأمس، وإن الغد خير من اليوم.
فلماذا كانت آفة حارتنا النسيان؟!








_________________
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7221
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

رد: روايه اولاد حارتنا للاديب العالمى نجيب محفوظ

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 11:39 am




القصة الرابعة (قاسم): تعايَش آل جبل وآل رفاعة، ونشأ إلى جانبهم حي الجرابيع، وعاد الفتوَّات إلى ظلمهم وبطشهم، وظهر في ذلك الوقت قاسم؛ طفل يتيم الأبوين نشأ في رعاية عمِّه زكريا من حي الجرابيع، وكان الطفل كثير التطلُّع إلى بيت الجبلاوي، وخرج مرَّة مع عمِّه في تجارة البطاطا، وتعرف على المعلم يحيى الذي أعطاه حجابًا يحفظه من السوء، وعمل برعي الغنم وازداد حبُّه مع الرعي للخلاء، وأنس إلى صخرة عند المقطم وكان يتردَّد على المعلم يحيى، ورعَى الغنم لسيدةٍ تُسَمَّى قمر التي أحبَّته وطلبت الزواج منه رغم فقره، وكانت في سن الأربعين، فتزوَّجها وأدار شؤون مالها.

ثم كَثُر تأمُّلُه في السماء، وحُبِّب إليه الخلاء، وفي يومٍ من الأيَّام تأخَّر إلى نصف الليل، فخرجوا يبحثون عنه فوجدوه مغشيًّا عليه عند الصخرة، وأخبَرَهم أن جده الجبلاوي أرسل إليه خادِمَه قنديل يطلب منه القضاء على سطوة الفتوَّات ليحقِّق المساواة بين أبناء الحارة.

وبدأ في دعوة الناس إلى اتِّباعه، وتزايَد أتباعه سرًّا وجعل له مقرًّا، فسارَع إليه العاطلون والمتسوِّلون وتحمَّسوا لأقواله، وعرف الناظر بأمرهم فأرسل إلى قاسم وضرَبَه وهدَّده، لكن قاسمًا أصرَّ على موقفه؛ فزاد الاضطهاد له ولأنصاره، فأمر قاسم أنصاره بالهجرة، ولما علم الفتوَّات قرَّروا قتل قاسم، فدبَّر قاسم خطَّة للهروب، واستطاع اللحاق بأنصاره إلى الحي الجديد الذي استقبَلَهم بالزغاريد، ودارَتْ بينهم وبين الفتوَّات معارِك متعدِّدة، حتى استطاع قاسم في النهاية أن يقضي على سلطة الفتوَّات، وأرسَى مبادئ مهمَّة؛ منها: أن الجبلاوي جد للجميع وليس لآل جبل فقط، والكل متساوٍ لا فرق بين رجل وامرأة، ولا حي وآخر، ويجب مراقبة الناظر، فإذا خان فاعزلوه، وتوسَّع في حياته الزوجية ليربط نفسه بأهل الحارة جميعًا.

ثم مات قاسم فخلفه (صادق) على النظارة وسار على سيرته، ورأى قوم أن (حسنًا) أحق بالنظارة لقرابته من قاسم، وبعد موت صادق سال الدم من جديد وانقلبت الأحياء، وأصبح لكلِّ حي فتوَّته، وأطلق على الجرابيع القاسميين، وتمنَّى الناس لو عادت أيام قاسم وصادق مرَّة أخرى.

وفي القصة الخامسة (عرفة): يأتي عرفة الغريب عن الحارة ليستأجر مكانًا يجعله معملاً لصناعة الأعاجيب، فكان يخلط بعض المواد ببعض ويصنع منها أشياء كثيرة، وكان لا يؤمن بما يقوله الناس عن الجبلاوي وجبل ورفاعة وقاسم، بل يتقزَّز منهم، واستطاع أن يكسب الناس جميعًا بما يعطيهم من علاجٍ وحلٍّ لمشكلاتهم، بل إن الفتوَّات أنفسهم عملوا له حسابًا لما كان يصنعه لهم، وتطلَّع عرفة لرؤية الجبلاوي الذي يتحدث الناس عنه؛ لأنه كان لا يؤمن إلا بما يراه، فذهب إلى جوار البيت الكبير فحفر حفرة ودخل وظلَّ يتسلَّل حتى وجد عجوزًا كادت أن تخبر به فخنقها وماتت ثم هرب مسرعًا، وإذا به يسمع أن الجبلاوي قد مات لتأثُّره بقتل خادمته، فلم تحتمل شيخوخته الخبر فمات، ثم تعاوَن عرفة بعد ذلك مع الناظر على قتل الفتوَّات، ولما تَمَّ ذلك أخذه الناظر إلى بيته وعاشَ معه، وتحدَّث الناس في الحارة عن عرفة وأحبوه؛ لما قدمه من منافع، رغم معرفتهم أنه قاتِل الجبلاوي، ورأوا أنه لا أمل لهم إلا في سحر عرفة، وأن الناس لو خُيِّروا بين الجبلاوي وسحر عرفة لاختاروا السحر، وكفَر أهل الحارة بالماضي ورفعوا ذكر عرفة فوق أسماء جبل ورفاعة وقاسم.
















_________________