مناره الشرق

نتمنى ان تنضم الى اسره المنتدى وتكون عضو فعال
نرحب بآرائك دائما

ثقافى وعلمى يعمل على بث روح الشرق بالعلوم العربيه


روايه اولاد حارتنا للاديب العالمى نجيب محفوظ

شاطر
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7308
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

روايه اولاد حارتنا للاديب العالمى نجيب محفوظ

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 7:56 am


أولاد حارتنا " الرواية الأشهر لنجيب محفوظ


افتتاحية

هذه حكاية حارتنا , أو حكايات حارتنا وهو الأصدق . لم اشهد من واقعها إلا طوره الأخير الذي عاصرته , ولكني سجلتها جميعا كما يرويها الرواة وما أكثرهم . جميع أبناء حارتنا يروون هذه الحكايات , ويرويها كلٌ كما يسمعها في قهوة حيّه أو كما نقلت إليه خلال الأجيال , ولا سند لي فيما كتبت إلا هذه المصادر . وما أكثر المناسبات التي تدعو إلى ترديد الحكايات . كلما ضاق أحد بحاله , أو ناء بظلم أو سوء معاملة , أشار إلى البيت الكبير على راس الحارة من ناصيتها المتصلة بالصحراء وقال في حسرة : " هذا بيت جدنا , جميعنا من صلبه , ونحن مستحقو أوقافه , فلماذا نجوع ولماذا نضام ؟ ! . " ثم يأخذ في قصّ القصص و الاستشهاد بسير أدهم و جبل و رفاعة و قاسم من أولاد حارتنا الأمجاد . وجدّنا هذا لغز من الألغاز , عمّر فوق ما يطمع إنسان أو يتصور حتى ضَرب المثل بطول عمره . واعتزل في بيته لكبره منذ عهد بعيد , فلم يره منذ اعتزاله أحد . وقصة كبره و اعتزاله مما يحير العقول , ولعل الخيال أو الأغراض قد اشتركت في إنشائها . على أي حال كان يدعى الجبلاوي و باسمه سميت حارتنا . وهو صاحب أوقافها وكل قائم فوق أرضها و الأحكار المحيطة بها في الخلاء . سمعت مرة رجلا يتحدث عنه فيقول : " هو أصل حارتنا , وحارتنا اصل مصر أمّ الدنيا , عاش فيها وحده وهي خلاء خراب , ثم امتلكها بقوة ساعده ومنزلته عند الوالي , وسمعت آخر يقول عنه : " كان فتوة حقاً و لكنه لم يكن كالفتوات الآخرين , فلم يفرض على أحد أتاوة , ولم يستكبر في الأرض , وكان بالضعفاء رحيماً " . ثم جاء زمان فتناولته قلة من الناس بكلام لا يليق بقدره و مكانته , و هكذا حال الدنيا . وكنت وما زلت أجد الحديث عنه شائقاً لا يمل ولكن دون جدوى . وكم وقفت أمام بابه الضخم أرنو إلى التمساح المحنط المركب أعلاه , وكم جلست في صحراء المقطم غير بعيد من سوره الكبير فلا أرى إلا رؤوس أشجار التوت و الجميز و النخيل تكتنف البيت , ونوافذ مغلقة لا تنم على أي اثر لحياة . أليس من المحزن أن يكون لنا جدّ مثل هذا الجد دون أن نراه أو يرانا ؟ أليس من الغريب أن يختفي هو في هذا البيت الكبير المغلق وأن نعيش نحن في التراب ؟ ! و إذا تساءلت عما صار به وبنا إلى هذا الحال سمعت من فورك القصص , و ترددت على أذنيك أسماء أدهم و جبل و رفاعة وقاسم , ولن تظفر بما يبل الصدر أو يريح العقل . قلت أن أحدا لم يره منذ اعتزاله . ولم يكن هذا بذي بال عند أكثر الناس , فلم يهتموا منذ بادىء الأمر إلا بأوقافه و شروطه العشرة التي كثر القيل و القال عنها , ومن هنا ولد النزاع في حارتنا منذ ولدت , ومضى خطره يستفحل بتعاقب الأجيال حتى اليوم , و الغد . ولذلك فليس أدعى إلى السخرية المريرة من الإشارة إلى صلة القربى التي تجمع بين أبناء حارتنا . كنا و ما زلنا أسرة واحدة لم يدخلها غريب . وكل في حارتنا يعرف سكانها جميعا نساء و رجالاً . ومع ذلك فلم تعرف حارةٌ حدّة الخصام كما عرفناها , ولا فرّق بين أبنائها النزاع كما فرّق بيننا , و نظير كل ساع إلى الخير تجد عشرة فتوات يلوحون بالنبابيت و يدعون على القتال . حتى اعتاد الناس أن يشتروا السلامة بالإتاوة , والأمن بالخضوع و المهانة , ولاحقتهم العقوبات الصارمة لأدنى هفوة في القول أو في الفعل بل للخاطرة تخطر فيشي بها الوجه . وأعجب شيء أن الناس في الحارات القريبة منا كالعطوف وكفر الزغاري و الدراسة و الحسينية يحسدوننا على أوقاف حارتنا و رجالنا الأشداء , فيقولون حارة منيعة و أوقاف تدر الخيرات و فتوات لا يغلبون . كل هذا حق , ولكنهم لا يعلمون أننا بتنا من الفقر كالمتسولين , نعيش في القاذورات بين الذباب و القمل , نقنع بالفتات , ونسعى بأجساد شبه عارية , وهؤلاء الفتوات يرونهم وهم يتبخترون فوق صدورنا فيأخذهم الإعجاب , ولكنهم ينسون أنهم إنما يتبخترون فوق صدورنا , ولا عزاء لنا إلا أن نتطلع إلى البيت الكبير ونقول في حزن و حسرة , " هنا يقيم جبلاوي , صاحب الأوقاف , هو الحد و نحن الأحفاد " .

شهدت العهد الأخير من حياة حارتنا , وعاصرت الأحداث التي دفع بها إلى الوجود " عرفة " لبن حارتنا البار . وإلى أحد أصحاب عرفة يرجع الفضل في تسجيل حكايات حارتنا على يدي , , إذ قال لي يوماً : " إنك من القلة التي تعرف الكتابة , فلماذا لا تكتب حكايات حارتنا ؟ .. إنها تروى بغير نظام , و تخضع لأهواء الرواة و تحزباتهم , ومن المفيد أن تسجي بأمانة في وحدة متكاملة ليحسن الانتفاع بها , وسوف أمدك بما لا تعلم من الأخبار و الأسرار " . ونشطت إلى تنفيذ الفكرة , اقتناعاً بوجاهتها من ناحية , وحلاً فيمن اقترحها من ناحية أخرى . وكنت أول من اتخذ من الكتابة حرفةً في حارتنا على رغم ما جرّه ذلك علي من تحقير و سخرية . وكانت نهمتي أن أكتب العرائض و الشكاوى للمظلومين و أصحاب الحاجات . وعلى كثرة المتظلمين الذين يقصدونني فإن عملي لم يستطع أن يرفعني عن المستوى العام للمتسولين في حارتنا , إلى ما أطلعني عليه من أسرار الناس و أحزانهم حتى ضيق صدري وأشن قلبي . ولكن مهلاً , فإنني لا أكتب عن نفسي ولا عن متاعبي , وما أهون متاعبي إذا قيست بمتاعب حارتنا حارتنا العجيبة ذات الأحداث العجيبة . كيف وجدت ؟ وماذا كان من أمرها ؟ ومن هم أولاد حارتنا ؟


_________________
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7308
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

1

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 8:07 am




أدهم







1
كان مكان حارتنا خلاء . فهو امتداد بصحراء المقطم الذي يربض في الأفق . ولم يكن بالخلاء من قائم إلا البيت الكبير الذي شيده الجبلاوي كأنما ليتحدى به الخوف و الوحشة وقطاع الطريق . كان سوره الكبير العالي يتحلق مساحة واسعة , نصفها الغربي حديقة , و الشرقي مسكن مكّون من أدوار ثلاثة . ويوماً دعا الواقف أبناؤه إلى مجلسه بالبهو التحتاني المتصل بسلاملك الحديقة . وجاء الأبناء جميعاً , إدريس و عباس و رضوان و جليل و أدهم, في جلابيبهم الحريرية , فوقفوا بين يديه وهم من إجلاله لا يكادون ينظرون نحوه إلا خلسة . وأمرهم بالجلوس فجلسوا على المقاعد من حوله , وراح يتفحصهم هنيهة بعينيه النافذتين كأعين الصقر , ثم قام متجهاً نحو باب السلاملك . ووقف وسط الباب الكبير ينظر إلى الحديقة المترامية التي تزحمها لأشجار التوت و الجميز و النخيل , وتعترش في جنباتها الحناء و الياسمين , وتثب فوق غصونها مزقزقة العصافير . ضجت الحديقة بالحياة و الغناء على حين ساد الصمت بالبهو . وخيِّل إلى الأخوة أن فتوة الخلاء قد نسيهم , وهو يبدو بطوله و عرضه خلقاً فوق الآدميين كأنما من كوكب هبط . وتبادلوا نظرات متسائلة . إن هذا شأنه إذا قرر أمراً ذا خطر , وما يقلقهم إلا أنه جبار في البيت كما هو جبار في الخلاء وإنهم حياله لا شيء . التفت الرجل نحوهم دون أن يبرح مكانه و قال بصوت خشن عميق تردد بقوة في أنحاء البهو الذي توارت جدرانه العالية وراء ستائر و طنافس :
- أرى من المستحسن أن يقوم غيري بإدارة الوقف ...
وتفحّص وجوههم مرة أخرى , ولكن لم تنم وجوههم على شيء . لم تكن إدارة الوقف ما يغري قوماً استحلوا الفراغ و الدعة و عربدة الشباب , وفضلاً عن هذا فإدريس الأخ الأكبر هو المرشح الطبيعي للمنصب , فلم يعد أحد منهم يتساءل عما هناك . وقال إدريس لنفسه : " ياله من عبء , هذه الأفكار لا حصر لها , وهؤلاء المستأجرون المناكيد ! " , أما الجبلاوي فاستطرد قائلاً :
- وقد وقفع اختياري على أخيكم أدهم ليدير الوقف تحت إشرافي ..
عكست الوجوه وقع مفاجأة غير متوقعة , فتبودلت النظرات في سرعة و انفعال , إلا أدهم فقد غض بصره حياءً و ارتباكاً , وولاهم الجبلاوي ظهره وهو يقول في عدم اكتراث :
- لهذا دعوتكم ..
تفجر الغضب في باطن إدريس , فبدا كالثمل من شدة مقاومته , ونظر إلى أخوته بحرج , ودارى كل منهم – عدا أدهم طبعاً – غضبه لكرامته باحتجاجه الصامت على تخطي إدريس , الذي كان تخطياً مضاعفاً لهم . أما إدريس فقال بصوت هادىء كأنما يخرج من جسم آخر:
- ولكن يا أبي ..
قاطعه الأب ببرود وهو يلتفت نحوهم :
- ولكن ؟ ! .
فغضوا الأبصار حذراً من يقرأ ما في نفوسهم , إلا إدريس فقد قال بإصرار :
- و لكنني الأخ الأكبر.. فقال الجبلاوي مستاء " :
- - أظن أنني أعلم ذلك , فأنا الذي أنجبتك .
فقال إدريس وحرارة غضيه آخذة في الارتفاع :
- للأخ الأكبر حقوق لا تهضم إلا لسبب ..
فحدجه الرجل بنظرة طويلة كأنما يمنحه فرصة طيبة لتدبر أمره وقال :
- أؤكد لكم أنني راعيت في اختياري مصلحة الجميع ..
تلقى إدريس اللطمة بصبر ينفذ . إنه يعلم كم يضيق أبوه بالمعارضة , وأن عليه أن يتوقع لطمات أشد إذا تمادى فيها , ولكن الغضب لم يدع له فرصة لتدبّر العواقب , فاندفع خطوات حتى كاد يلاصق ادهم , و انتفخ كالديك المزهو ليعلن للأبصار فوارق الحجم و اللون و البهاء بينه و بين أخيه , و انطلق الكلام من فيه كما ينطلق نثار الريق عند العطس بغير ضابط :
- إني و أشقائي أبناء هانم من خيرة النساء , أما هذا فابن جارية سوداء ..
- شحب وجه أدهم السمر دون أن تنّد عنه حركة , على حين لوح الجبلاوي بيده قائلاً بنبرات الوعيد :
- تأدب يا إدريس ..
ولكن كانت تعصف به عواصف الغضب المجنونة فهتف :
- وهو أصغرنا أيضاً , فدلني على سبب يرجحني به إلا أن يكون زماننا زمان الخدم و العبيد ..
- اقطع لسانك رحمة بك يا جاهل ..
- إن قطع لساني أحي إلي من الهوان ..
ورفع رضوان رأسه نحو أبيه و قال برقة باسمة :
- نحن جميعاً أبناؤك , ومن حقنا أن نحزن إذا افتقدنا رضاك عنا , و الأمر لك على أي حال .. و غاية مرامنا أن نعرف السبب ..
وعدل الجبلاوي عن إدريس على رضوان , مروّضاً غضبه لغاية في نفسه فقال :
- أدهم على دراية بطباع المستأجرين , ويعرف أكثرهم بأسمائهم , ثم إنّه على علم بالكتابة و الحساب ..
- وعجب إدريس من قول أبيه كما عجب أخوته . متى كانت معرفة الأوشاب ميزة يفضل من أجلها إنسان ؟ ! . و دخول الكتّاب , أهو ميزة أخرى ؟ ! . و تساءل إدريس متهكماً :
- أتكفي هذه الأسباب لتبرير ما يراد به من مذلة ؟
فأشار الجبلاوي نحوه بضجر و قال :
- فأشار الجبلاوي نحوه بضجر و قال :
- هذه إرادتي , وما عليك إلا السمع و الطاعة ..
و التفت الرجل التفاتة حادة صوب أشقاء إدريس وهو يسأل :
- ما قولكم ؟
فلم يحتمل عباس نظرة أبيه , وقال وهو واجم :
- سمعاً و طاعة ..
و سرعان ما قال جليل وهو يغض طرفه :
- أمرك يا أبي ..
و قال رضوان وهو يزدرد ريقه الجاف :
- على العين و الراس ..
عند ذاك ضحك إدريس ضحكة غضب تقلصت إلى أساريره حتى قبحت وجهه و هتف :
- يا جبناء , ما توقعت منكم غلا الهزيمة المزرية . وبالجبن يتحكم فيكم ابن الجارية السوداء ..
فصاح الجبلاوي مقطباً عن عينين تتطاير منهما النذر :
- إدريس !
ولكن الغضب كان قد اقتلع جذور عقله فصاح بدوره :
- ما أهون الأبوة عليك , خلقت فتوة جباراً فلم تعرف إلا أن تكون فتوة جباراً , ونحن أبناؤك تعاملنا كما تعامل ضحاياك العديدين ..
اقترب الجبلاوي خطوتين في بطء كالتوثب , و قال بصوت منخفض وقد أنذرت أساريره المتقبضة بالشر :
- اقطع لسانك !
ولكن إدريس واصل صياحه قائلاً :
- لن ترعبني , أنت تعلم أنني لا أرتعب , وأنك إذا أردت أن ترفع ابن الجارية عليّ فلن اسمعك احن السمع و الطاعة .
- ألا تدرك عاقبة التحدي يا ملعون ؟
- الملعون حقاً هو ابن الجارية ..
فعلت نبرات الرجل و اخشوشنت وهو يقول :
- إنها زوجتي يا عربيد , فتأدّب و إلا سويّت بك الأرض ..
وفزع الأخوة و أولهم أدهم لدرايتهم ببطش أبيهم الجبار , ولكن إدريس كان قد بلغ من الغضب درجة لم يعد يدرك معها خطراً كأنه مجنون يهاجم ناراً مندلعة , فصاح :
- إنك تبغضني , لم أكن أعلم هذا , ولكنك تبغضني دون ريب , لعل الجارية هي التي بغضّتنا إليك , سيد الخلاء و صاحب الأوقاف و الفتوة الرهيب , ولكن جارية استطاعت أن تعبث بك , وغداً يتحدث عنك الناس يكل عجيبة يا سيد الخلاء .
- قلت لك اقطع لسانك يا ملعون .
- لا تسبّني من أحل أدهم , طوب الأرض يأبى ذلك و يلعنه , وقرارك الغريب سيجعلنا أحدوثة الأحياء و الحواري ..
فصاح الجبلاوي بصوت صكّ الأسماع في الحديقة و الحريم :
- أغرب بعيداً عن وجهي ..
- هذا بيتي , فيه أمي , وهي سيدته دون منازع .
- لن تُرى فيه بعد اليوم , وإلى الأبد ..
و اكفهر الوجه الكبير حتى حاكى لونه النيل في احتدام فيضانه , و تحرك صاحبه كالبنيان , مكوراً قبضة من الصوان . وأيقن الجميع أن إدريس قد انتهى . ماهو إلا مأساة جديدة من الماسي التي يشهدها هذا البيت صامتا . كم من سيدة مصونة تحولت بكلمة إلى متسولة تعيسة . وكم من رجل غادره بعد خدمة طويلة مترنحاً يحمل على ظهره العاري آثار سياط حملت أطرافها بالرصاص و الدم يطفح من فيه و أنفه . و الرعاية التي تحوط الجميع عند الرضا لا تشفع لأحد وأن عزّ جانبه عند الغضب . لهذا أيقن الجميع أن إدريس قد انتهى . حتى إدريس بكري الواقف و مثيله في القوة و الجمال قد انتهى . و تقدم الجبلاوي خطوتين أخريين وهو يقول :
لا أنت ابني ولا أنا أبوك , ولا هذا البيت بيتك و ولا أم لك فيه ولا أخ ولا تابع . أمامك الأرض الواسعة فاذهب مصحوباً بغضبي و لعنتي , و ستعلمك الأيام حقيقة قدرك وأنت تهيم على وجهك محروماً من عطفي و رعايتي ! .
فضرب إدريس البساط الفارسي بقدمه و صاح :
- هذا بيتي , ولن أغادره ..
فانقضّ عليه الأب قبل أن يتقيه , و قبض على منكبه بقبضة كالمعصرة , و دفعه أمامه و الآخر يتراجع مقهقراً , فعبرا باب السلاملك , و هبطا السلم و إدريس يتعثر , ثم اخترق به ممراً تكتنفه شجيرات الورد و الحناء مفروشاً بالياسمين حتى البوابة الكبيرة فدفعه خارجاً و أغلق الباب . وصاح بصوت سمعه كلّ من يقيم في البيت :
- الهلاك لمن يسمح له بالعودة أو يعينه عليها ..
ورفع رأسه صوب نوافذ الحريم المغلقة وصاح مرة أخرى :
- و طالقة ثلاثا من تجترىء على هذا ..


_________________
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7308
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

2و3

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 8:10 am


2
منذ ذلك اليوم الكئيب و أدهم يذهب كل صباح إلى إدارة الوقف في المنظرة الواقعة إلى يمين باب البيت الكبير . وعمل بهمة في تحصيل أجور الأحكار و توزيع أنصبة المستحقين و تقديم الحساب إلى أبيه . وأبدى في معاملة المستأجرين لباقة و سياسة , فرضوا عنه على رغم ما عرف عنهم من مشاكسة و فظاظة . وكانت شروط الواقف سراً لا يدري به أحد سوى الأب , فبعث اختيار أدهم للإدارة الخوف أن يكون هذا مقدمةً لإيثاره في الوصية . و الحق لأنه لم يبد من الأب قبل ذلك اليوم ما ينم عن التحيز في معاملته لأبنائه . و عاش الأخوة في وئام و انسجام بفضل مهابة الأب و عدالته . حتى إدريس – على قوته و جماله و إسرافه أحياناً في اللهو – لم يسيء قبل ذلك اليوم إلى أحد من أخوته . كان شاباً حلواً كريم المعشر حائزاً الود و الإعجاب . ولعل الأشقاء الأربعة كانوا يضمرون لأدهم شيئاً من الإحساس بالفارق بينهم و بينه , ولكن أحداً منهم لم يعلن هذا ولا اشتم منه في كلمة أو إشارة أو شلوك . ولعل أدهم كان اشد إحساساً منهم بهذا الفارق , بين سمو أمهم وضاعة أمه , ولعله عانى من ذلك أسى مكتوماً و ألماً دفيناً , ولكن جو البيت المعبق بشذى الرياحين , الخاضع لقوة الأب و حكمته , لم يسمح لشعور سيء بالاستقرار في نفسه , فنشأ صافي العقل و القلب .
و قال أدهم لأمه قبيل ذهابه إلى إدارة الوقف :
- باركيني يا أمي , فما هذا العمل الذي عهد به إليّ إلا امتحان شديد لي و لك ..
فقالت الأم بضراعة :
- ليكن التوفيق ظلك يا بني , أنت ولد طيّب و العقبى للطيبين ..و مضى أدهم على المنظرة ترمقه العيون من السلاملك و الحديقة ومن وراء النوافذ , و جلس على مقعد ناظر الوقف و بدأ عمله . وكان عمله أخطر نشاط إنساني يزاول في تلك البقعة الصحراوية ما بين المقطم شرقاً و القاهرة القديمة غرباً . و اتخذ أدهم من الأمانة شعاراً , و سجل كل مليم في الدفتر لأول مرة في تاريخ الوقف . وكان يسلم إخوته رواتبهم في أدب ينسيهم مرارة الحنق ثم يقصد أباه بحصيلة الأموال . و سأله أبوه يوماً :
- كيف تجد العمل يا أدهم ؟
فقال ادهم بخشوع :
- ما دمت قد عهد به إليّ فهو أعظم ما في حياتي ..
فشاعت في الوجه العظيم البشاشة , إذا أنه على جبروته كان يستخفّه طرب الثناء .وكان أدهم يحب مجلسه . وإذا جلس إليه اختلس منه نظرات الإعجاب و الحب . وكم كان يسعده أن يتابع أحاديثه وهو يروي – له ولأخواته حكايات الزمان الأول , و مغامرات الفتوة و الشباب , إذ هو ينطلق في تلك البقاع ملوحاً بنبوته المخيف غازياً كل موضع تطأه قدماه . ولعد طرد إدريس ظل عباس و رضوان و جليل على عادتهم من الاجتماع فوق سطح البيت , يأكلون و يشربون و يقامرون . أما أدهم فلم يكن يطيب له الجلوس إلا في الحديقة . كان عاشقاً للحديقة منذ درج , وكان عاشقاً للناي . ولازمته تلك العادة بعد اضطلاعه بشئون الوقف وإن لم تعد تستأثر بجل وقته . فكان إذا فرغ من عمله في الوقف افترش سجادة على حافة جدول , و أسند ظهره إلى جذع نخلة أو جميزة , أو استلقى تحت عريشة الياسمين , وراح يرنو إلى العصافير وما أكثر العصافير , أو يتابع اليمام وما أحلى اليمام , ثم ينفخ في الناي محاكيا الزقزقة و الهديل و التغريد وما أبدع المحاكاة , أو يمد الطرف نحو السماء خلال الغصون وما أجمل السماء . ومرّ به أخوه رضوان وهو على تلك الحال فرمقه بنظرة ساخرة وقال :
ما أضيع الوقت الذي تنفقه في إدارة الوقف !
فقال أدهم باسماً :
لولا إشفاقي من غضب أبي لشكوت ..
فلنحمد نحن المولى على الفراغ !
فقال أدهم بساطة :
هنيئاً لكم ..
فسأله رضوان وهو يداري الامتعاض بالابتسام :
أتود أن تعود مثلنا ؟
خير ما تمضي الحياة في الحديقة و الناي ..
فقال رضوان بمرارة ك
كان إدريس يود أن يعمل .ز
فغض أدهم بصره وهو يقول :
لم يكن عند إدريس وقت للعمل , ولاعتبارات أخرى غضب , أما السعادة الحقة ففي هذه الحديقة تجدها ..
ولما ذهب رضوان قال أدهم لنفسه : " الحديقة , وسكانها المغردون , والماء , و السماء , و نفسي النشوى , هذه هي الحياة الحقة . كأنّني أجد البحث عن شيء . ما هذا الشيء ؟ الناي أحياناً يكاد يجيب . و لكن السؤال يظل بدون جواب . لو تكلمت هذه العصفورة بلغتي لشفت قلبي باليقين . و للنجوم الزاهرة حديث كذلك . أما تحصيل الإيجار فنشاز بين الأنغام " .
ووقف أدهم يوماً ينظر على ظله الملقى على الممشى بين الورود , فإذا بظل جديد يمتد من ظله واشياً بقدوم شخص من المنعطف خلفه . بدا الظل الجديد كأنما يخرج من موضع ضلوعه . و التفت وراءه فرأى فتاة سمراء وهي تهّم بالتراجع عندما اكتشفت وجوده , فأشار بالوقوف فوقفت , و تفحصها ملياً , ثم سألها برقة :
من أنت ؟
فأجابت بصوت متلعثم :
أميمة ..
إنه يذكر الاسم , فهو لجارية و قريبة لأمه , وكما كانت أمه قبل أن يتزوج منها أبوه .
ومال إلى محادثتها أكثر فسألها :
ماذا جاء بك على الحديقة ؟
فأجابت مسبلة الجفنين :
حسبتها خالية ..
لكن ذلك محرم عليكن ..
فقالت بصوت لم يكاد يسمع :
أخطأت يا سيدي ..
و تراجعت حتى توارت وراء المنعطف , ثم ترامى إلى أذنيه وقع أقدامها المسرعة , وإذا به يغمغم متأثرا " ما أملحك ! " . و شعر بأنه لم يكن قط أدخل في خلائق الحديقة منه في هذه اللحظة . و إن الورد و الياسمين و القرنفل و العصافير و اليمام و نفسه نغمة واحدة . و قال لنفسه : " أميمة مليحة , حتى شفتاها الغليظتان مليحتان , و جميع أخوتي متزوجين عدا إدريس المتكبر , وما أشبه لونها بلوني , وما أجمل منظر ظلها وهو مفروش في ظلي كأنه جزء من جسدي المضطرب بالرغبات , ولن يسخر أبي من اختياري وإلا فكيف جاز له أن يتزوج من أمي ؟ ! . " .

3
وجع أدهم إلى إدارة الوقف بقلب مفعم بجمال غامض كالعبير . و حاول كثيراً أن يراجع حساب اليوم , ولكنه لم يرى في صفحة عقله إلا السمراء . ولم يكن عجيباً أن يرى أميمة اليوم لأول مرة , فالحريم في هذا البيت كالأعضاء الباطنية يعرفها صاحبها على نحو و يعيش بفضلها و لكنه لا يراها . و استسلم أدهم إلى تيار أفكاره الوردية حتى انتزع منه على صوت مرعد قريب كأنما انفجر في المنظرة نفسها وهو يصيح : " أنا هنا , في الخلاء يا جبلاوي , ألعن الكل , اللعنة على رؤوسكم نساءً و رجالاً , وأتحدى من لم تعجبه كلماتي , سامعني يا جبلاوي ؟ ! " . وهتف أدهم : " إدريس ! " و غادر المنظرة إلى الحديقة فرأى أخاه رضوان متجهاً نحوه في اضطراب ظاهر , و بادره قائلاً :
إدريس سكران , رايته من النافذة مختل التوازن من السكر , أي فضائح تخبئ الأقدار لأسرتنا ؟
فقال أدهم وهو يغضي ألماً :
قلبي يتقطع أسفا يا أخي ..
وما العمل ؟ ! إن كارثة تهددنا !
ألا ترى يا أخي أنه يجب علينا أن نحدِث أبانا بالأمر.. ؟
فقطب رضوان قائلاً :
أبوك لا يراجَع في أمر , و حال إدريس هذه لا شك ضاعفت من غضبه عليه ..
فغمغم أدهم في كآبة :
ما كان أغنانا عن هذه الأحزان !
نعم , النساء يبكين في الحريم , عباس و جليل معتكفان من الكدر , و أبونا وحده في حجرته لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه ..
فتساءل أدهم في قلق وهو يشعر بأن ملابسات الحديث تدفعه إلى مأزق :
ألا ترى أنه ينبغي أن نعمل شيئاً ؟
يبدو أن كل واحد منا يود أن يلوذ بالسلامة , ولا يهدد السلامة مثل طلبها بأي ثمن , غير أني لن أجازف بمركزي ولو انطبقت السماء على الأرض , أما كرامة أسرتنا فتتمرغ الساعة في التراب في ثوب إدريس ..
لماذا قصدتني إذن ؟! بين يوم و ليلة انقلب أدهم غراب بين ينعق . وتنهد قائلاً :
إني بريء من كل هذا , ولكن لن تطيب لي الحياة إن سكتّ ..
فقال رضوان وهو يهم بالذهاب :
لديكك من الأسباب ما يوجب عليك العمل ..!
ومضى راجعاً . و لبث أدهم وحده و أذناه ترددان هذه العبارة " لديك من الأسباب ..." نعم . إنه المتهم دون ذنب جناه . كالقلة التي تسقط على راس لأن الريح أطاحت بها . وكلما أسف أحد على إدريس لُعِنَ أدهم و اتجه ادهم نحو الباب ففتحه ومرق منه . رأى إدريس غير بعيد يترنح دائراً حول نفسه , يقلب عينين زائغتين , وقد تشعث رأسه وانحسر جيب جلبابه عن شعر صدره . ولما عثرت عيناه على أدهم توثب للانقضاض كأنه قطة لمحت فأراً , ولكن أعجزه السكر فمال نحو الأرض وملأ قبضته تراباً ورمى به أدهم فأصاب صدره و انتثر على عباءته . و ناداه أدهم برقة :
أخي ..
فزمجر إدريس وهو يترنح :
اخرس يا كلب يا ابن الكلب , لا أنت أخي ولا أبوك أبي , ولأدكنّ هذا البيت فوق رؤوسكم ..
فقال أدهم متودداً :
بل أنت أكرم هذا البيت و أنبله ..
فقهقه إدريس من فيه دون قلبه و صاح :
لماذا جئت يا ابن الجارية ؟ عد إلى أمك و أنزلها إلى بدروم الخدم ..
فقال أدهم دون أن تتغير مودته :
لا تستسلم للغضب , ولا توصد البواب في وجه الساعين لخيرك . فلّوح إدريس بيده ثائراً و صاح :
ملعون البيت الذي لا يطمئن فيه إلا الجبناء , الذين يغمسون اللقمة في ذل الخنوع , و يعبدون مذلهم , لن أعود إلى بيت أنت فيه رئيس , فقل لأبيك أنني أعيش في الخلاء الذي جاء منه , وإنني عدت قطاع طريق كما كان , و عريبداً أثيماً معتوياً كما يكون , و سيشيرون إلّي في كل مكان أعيث فيه فساداً و يقولون : " لبن الجبلاوي " بذلك أمرغكم في التراب يا من تظنون أنفسكم سادة و أنتم لصوص ..
وتوسل أدهم قائلاً :
أخي أفِق , حاسب نفسك على كل كلمة توجب اللوم , ليس الطريق مسدوداً في وجهك إلا أنم تسده بيديك , وإني أعدك بأن يعود كل شيء طيب إلى أصله ..
فخطا إدريس نحوه بصعوبة كأن ريحاً ترجعه و قال :
بأي قوة تعدني يا ابن الجارية ؟
فقال وهو يرمقه بحذر :
بقوة الأخوة !
الأخوة ! قذفت بها في أول مرحاض صادفني ..
فقال أدهم متألماً :
ما سمعت منك من قبل إلا الجميل ..
طغيان أبيك أنطقني بالحق ..
لا أحب أنم يراك الناس على هذه الحال .
فأرسل إدريس ضحكة معربدة و صاح :
و سيرونني على أسوأ منها كل يوم , العار و الفضيحة و الجريمة ستحلّ بكم على يدي , طردني أبوك دون حياء فليتحمل العواقب ..ورمى بنفسه نحو أدهم فتنحّى هذا عن موقفه دون تردد , فكاد إدريس يهوى على الأرض لولا أن استند إلى الجدار , و لبث يلهث حانقاً , وينظر في الأرض مفتشاً عن حجر , فتراجع أدهم بخفة إلى الباب ودخل . و اغرورقت عيناه من الحزن , وكان صياح إدريس ما زال صاخباً . و حانت منه التفاتة نحو السلاملك فلمح أباه خلال الباب وهو يعبر البهو , فمضى نحوه وهو لا يدري و متغلباً على خوفه بحزنه . ونظر إليه الجبلاوي بعينين لا تفصحان عن شيء . وكان يقف بقامته المديدة ومنكبيه العريضين أمام صورة محراب نقشت على جدار البهو خلفه . وأحنى أدهم رأسه قائلاً :
السلام عليكم ..
فتفحصه الجبلاوي بنظرة عميقة ثم قال بصوت نفذ إلى أعماق قلبه :
صرِّح لما جئت من أجله ..
فقال أدهم بصوت مهموس :
أبي , إن أخي إدريس ..
فقاطعه الأب بصوت كضربة الفأس في الحجر :
لا تذكر اسمه أمامي ..
ثم وهو يمضي إلى الداخل :
اذهب إلى عملك !


_________________
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7308
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

4

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 8:13 am


4
توالى مشرق الشمس ومغيبها على هذه البقعة الخلاء و إدريس يتردى في مهاوي الشقاوة . في كل يوم يسجل في كتابه حماقة جديدة . كان يدور حول البيت ليقذفه بأقذع الشتائم . أو يجلس على كثب من الباب , عارياً كما ولدته أمه كأنما يتشمس , وهو يترنم بأفحش الأغاني وكان يتجول في الأحياء القريبة في خيلاء الفتوات , يتحدى كل عابر بنظرات هجومية , و يحترش بكل من يعترض سبيله , و الناس يتحاشونه كاظمين , وهم يتهامسون " ابن الجبلاوي " ولم يحمل لغذائه هماً , فكان يمد يده بكل بسلطة إلى الطعام حيث وجده . في مطعم أو على عربة , فيأكل حتى يكتظ ثم يمضي دون شكر من ناحيته أو محاسبة من الآخرين و إذا تاقت نفسه إلى العربدة مال إلى أول حانة تصادفه , فتقدم إليه البوظة حتى يسكر , ثم ينطلق لسانه كالنافورة بأسرار أسرته و أعاجيبها , و تقاليدها السخيفة و جبنها المهين , منوهاً بثورته على أبيه , جبار هذه الأحياء جميعاً , ثم يدخل في قافية ليغرق في الضحك , و يغني إذا لزم الحال و يرقص , و تتناهى مسرته إذا ختمت السهرة بمعركة , ثم يذهب مشيعاً بالتحيات . وفي كب مكان اشتهر بهذه السيرة , فتحاماه الناس ما استطاعوا , و لكنهم سلموا بأمره كأنه مصيبة من مصائب الدهر . ونال الأسرة ما نالهم من الغم و الكرب . وغلب الحزن أم إدريس فشُّلت و احتضرت . وجاء الجبلاوي ليودعها فأشارت نحوه بيدها محتجة و فاضت روحها بأسى و غضب , و خيم الحزن على الأسرة كخيوط العنكبوت , فتوقف سمر الأسرة فوق السطح , وسكت ناي أدهم في الحديقة .
و يوماً تفجر غضب الأب عن ثورة جديدة كانت ضحيتها هذه المرة امرأة . غذ تعالى صوته الجهير وهو يلعن نرجس الخادمة و يطردها من البيت . وعُلم في نفس اليوم أن أعراض الحمل ظهرت على المرأة , فقُررّت حتى أقرت بأن إدريس اعتدى عليها قبل طرده . و غادرت نرجس البيت وهي تصوت وتلطم على خديها . وهامت على وجهها سحابة النهار حتى عثر عليها إدريس فألحقها بركابه دون ترحيب , ودون جفاء كذلك إذ لم تكن تخلو من نفع عند الحاجة .
على أن كل مصيبة وإن جلّت لا بد يوماً و أن تؤلف . لذلك أخذت الحياة تعود إلى مجراها المألوف في البيت الكبير كما يعود السكان إلى ديارهم عقب زلزال أكرههم على الفرار منها . عاد عباس و رضوان و جليل إلى ندوة السطح , كما عاد أدهم إلى سهرة الحديقة يناجي الناي فيناجيه . ووجد أميمة تضيء خواطره و تدفىء مشاعره , و صورة ظلها المعانق لظله ترتسم بوضوح في مخيلته . فقصد مجلس أمه في حجرتها حيث كانت تطرز شالاً , فأفضى إليها بذات نفسه , إلى أن قال :
إنها أميمة يا أمي , قريبتك .
فابتسمت أمه ابتسامة باهتة دلت على أن فرحة الخبر لم تستطع التغلب على عناء مرضها فقالت :
نعم يا أدهم , إنها فتاة طيبة , نصلح لك كما تصلح لها , و ستسعدك بمشيئة المولى .
ولما رأت تورد البهجة في وجنتيه استدركت قائلة ك
لا ينبغي أن تدللها يا بني حتى لا تفسد حباتك , و سأخاطب أباك في الأمر لعلي أنعم برؤية ذريتك قبل أن يدركني الموت ..
وعندما دعاه الجبلاوي إلى مقابلته وجده يبتسم ابتسامة لطيفة حتى قال لنفسه : : " لا شيء يعادل شدة أبي إلا رحمته " . و قال الأب :
ها أنت تطلب زوجة يا أدهم , ما أسرع الزمن , وهذا البيت يحتقر المساكين ولكنك باختيار أميمة تكرم أمك , لعلك تنجب ذرية صالحة . لقد ضاع إدريس , وعباس و جليل عقيمان , و رضوان لم يعش له ولد حتى اليوم , و جميعهم لم يرثوا عني إلا كبريائي , فاملأ هذا البيت بذريتك , و إلا يذهب عمري هباء .
و كانت زفة ادهم لم يشهد لها الحي نظيراً من قبل . و حتى اليوم يجري ذكرها مجرى الأمثال في حارتنا . تدلت ليلتذاك الكلوبات من غصون الشجار ومن فوق السور حتى بدا البيت بحيرة من نور وسط الخلاء المظلم . و أقيم سرادق فوق السطح للمغنين و المغنيات . و امتدت موائد الطعام و الشراب في البهو والحديقة و الخلاء المتصل بمدخل البيت الكبير . و بدأت زفة أدهم من أقصى الجمالية عقب منتصف الليل . سار فيها كل من يحب الجبلاوي أو يخافه حتى انتظمت الجميع . و خطر أدهم في جلباب حريري ولاسة مزركشة بين عباس و جليل , لأمل رضوان فسار في المقدمة , وعلى اليمين وعلى اليسار حاملو الشموع و الورود , و تقدم الموكب مجموعة كبيرة من المنشدين و الراقصين , و تعالى الغناء , و تبعته تأوهات المطربين و تحيات المعجبين بالجبلاوي و أدهم , حتى استيقظ الحي و دوت الزغاريد . وسار الموكب من الجمالية فالعطوف ثم كفر الزغاري و المبيضة , ينهال عليه الترحيب حتى من الفتوات , وحطب من حطب , و رقص من رقص , ووزعت الحانات البوظة مجاناً فسكر حتى الغلمان , و تهادت الجِوز من جميع الغرز في طريق الموكب هدية للمحتفلين فعبق الجو بحسن كيف و الهندي .
وفجأة لاح إدريس كمارد انشقّت عنه الظلمة في آخر الطريق . لاح عند المنعطف المفضي على الخلاء على ضوء الكلوبات التي تتقدم الموكب فتوقف حاملو الكلوبات عن السير و انتشر التهامس باسم إدريس . ولمحته أعين المنشدين فاعترض الخوف حناجرهم فكّفت عن الغناء , ورآه الراقصون فجمدت أوساطهم . و سرعان ما سكتت المزامير و خرست الطبول , و غاضت الضحكات . و تساءل الكثيرين عم يفعلون , فهم إن استكانوا لم يأمنوا الأذى و إن ضربوا لم يضربوا غلا ابن الجبلاوي . ولوح إدريس بنبوته وهو يصيح :
لمن الزفة يا حثالة الجبناء ؟
فساد الصمت واشرأبت الأعناق نحو أدهم و إخوته , وعاد إدريس يتساءل :
متى كنتم لابن الجارية أو لأبيه أصدقاء ؟
عند ذلك تقدم رضوان خطوات و هتف قائلاً :
اخي, من الحكمة أن تدع الزفة تمر ..
فصاح إدريس مقطباً :
أنت آخر من يتكلم يا رضوان , أنت أخ خائن وابنٌ جبان , وذليل يشتري رغد العيش بالكرامة و الأخوة ..
فقال رضوان بإشفاق :
لا شأن للناس باختلافاتنا ..
فقهقه إدريس قائلاً :
الناس يعلمون بخزيكم , ولولا جبنهم العريق ما وجدت هذه الزفة زامراً أو منشداً ..
فقال رضوان بعزم ثابت :
أبوك عهد إلينا بأخيك , ولا بد أن نحفظه ..
فعاد إدريس يقهقه وهو يتساءل :
أرأيت أنك تدافع عن نفسك لا عن ابن الجارية ؟
أين رشادك با أخي ؟ بالحكمة وحدها تعود إلى بيتك .
إنك كاذب , وتعلم أنك كاذب .
فقال رضوان في حزن :
لن ألومك فيما يخصني , ولكن دع الزفة تمر بسلام ..
فكان جوابه أن انقض على الموكب كالثور الهائج . وأخذ نبّوته يرتفع و يهوي فتتحطم الكلوبات و تتصدع الفوانيس و تبعثر الورود , و راح الناس يولون مذعورون كالرمال أمام العاصفة . و تكاتف عباس و رضوان وجليل أمام أدهم فتضاعف غضب إدريس :
يا أنذال , تدافعون عمن تكرهون خوفاً على الطعام و الشراب .. وهجم عليهم , فتلقّوا ضرباته بنبابيتهم دون أن يردوا عليها وهم يتراجعون , وإذا به يرمي بنفسه فجأة بينتهم فيشور سبيلا إلى موقف ـدهم فعلا الصوت في النوافذ , وهتف أدهم وهو يتحفز للدفاع عن نفسه :
إدريس , لستُ عدوا لك فارجع إلى عقلك .
ورفع إدريس نبوته . وهنا صاح صائح : " الجبلاوي " . وصاح رضوان مخاطباً إدريس :
أبوك قادم ..
فوثب إدريس إلى جانب الطريق و التفت إلى الوراء فرأى الجبلاوي قادماً وسط هالة من الخدم يحملون المشاعل . وعض إدريس على أسنانه ثم هتف ساخراً :
سأهبك عمّا قريب حفيداً من الزنا تقر به عينك .
و اندفع نحو الجمالية والناس توسع له الجانبين حتى ابتلعته الظلمة . وبلغ الأب موقف الأخوة وهو يتظاهر بهدوء تحت آلاف الأعين المحدقة فيه , ثم قال بلهجة آمرة :
ليعد كل شيء إلى أصله ..
ورجع حماة الكلوبات إلى مواقعهم , و دقت الطبول , وعزفت المزامير , ثم غنى المنشدون , ورقص الراقصون , واستأنفت الزفة مسيرها ..
وسهر البيت الكبير حتى الصباح في طرب و شراء و غناء . وعندما دخل أدهم حجرته المطلة على خلاء المقطم وجد أميمة واقفة إلى جانب المرآة و النقاب الأبيض ما يزال يغطي وجهها . كان مخموراً مسطولاً لا تكاد تحمله قدماه , فاقترب منها وهو يبذل جهداً شديداً ليتمالك أعصابه . ورفع النقاب عن وجهها الذي طالعه في أحسن رواء , وهوى برأسه حتى لثم شفتيها المكتنزتين , ثم قال بلسان مخمور :
لتهم الهموم جميعاً مادمت حسن الختام ..
واتجه نحو الفراش , يستقيم خطوة و يترنح خطوة , حتى استلقى على عرض السرير باللاسة و المركوب , و كانت أميمة تنظر إلى صورته المنعكسة على المرآة وهي تبتسم في إشفاق و حنان


_________________
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7308
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

5

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 8:17 am



5


مجد أدهم في أميمة سعادة لم يعرفها من قبل . و لبساطته أعلن عن سعادته بأقواله و أحواله حتى تندّر به إخوته . وعند ختام كل صلاة كان يبسط يديه هاتفاً : " الحمد لصاحب المنن , على رضا أبي الحمد له , على حب زوجتي الحمد له , على المنزلة التي أحظى بها ون من هم أجدر مني بها الحمد له , على الحديقة الغناء و الناي الرفيق الحمد له " . و قالت كل امرأة من نساء البيت الكبير إن أميمة زوجة واعية , فهي ترعى زوجها كأنه ابنها , وتوادد حماتها و تخدمها حتى أسرتها , و تراعي مسكنها العناية التامة كـنه قطعة من جسدها . أما أدهك فكان زوجاً مترع القلب بالمحبة و حسن المعاشرة . وكما شغلته إدارة الوقف عن جزء من ملاهيه البريئة في الحديقة من قبل , فقد شغل الحب بقية يومه , و استبد به حتى نسي نفسه . و توالت أيام هانئة . وامتدت فوق ما قدر رضوان و عباس و جليل الساخرون , ولكنها ارتطمت في النهاية بذاك الهدوء الحكيم كما تنتهي مياه الشلال المتدفقة الراعدة المزبدة في النهر الرصين . وعاد التساؤل يحتل مكانه في قلب أدهم , فشعر أن الزمن لا يمر في غمضة عين , وأن النهار يعقبه الليل , وأن المناجاة إذا تواصلت إلى غير نهاية فقدت مل معنى , وأن الحديقة ملهاة صادقة لا يجدر به أن يهجرها , وأن شيئاً من هذا لا يعني بحال من الأحوال أن قلبه تحول عن أميمة , فما تزال في صميمه , ولكن للحياة أطواراً لا يخبرها المرء إلا يوماً بيوم . و عاد إلى مجلسه عند القناة , وأجال بصره في الأزهار و العصافير ممتناً و معتذراً . وإذا بأميمة تلحق به مشرقة بالبهجة , فجلست إلى جانبه وهي تقول :
نظرت من النافذة لأرى ما أخّرك , لماذا لم تدعُني معك ؟
فقال باسماً :
خفت أن أتعبك
تتعبني ؟..طالما أحببت هذه الحديقة , أتذكر أول لقاء لنا هنا ؟ وأخذ يدها في يده , واسند رأسه على جذع النخلة مريلاً طرفه إلى الغصون , وإلى السماء خلال الغصون , و عادت هي تؤكد له حبها للحديقة , و كلما أمعن في الصمت أمعنت في التوكيد , إذ أنها كانت تكره الصمت بقدر ما تحب الحديقة , وكان حديث حياتها أطيب حديث . ولا بأس بالوقوف بعض الوقت عند أهم الأحداث في البيت الكبير , خاصة ما يتعلق بزوجات رضوان و عباس و جليل , ثم تغير صوتها مائلاً نحو العتاب وهي تقول :
أنت تغيب عني يا أدهم ..؟
فابتسم إليها قائلاً :
كيف و أنت ملأ القلب !
ولكنك لا تصغي إلي ..؟
هذا حق . ومع أنه لم يرحب بمقدمها فإنه لم يضق به . ولو همت بالرجوع لأمسك بها صادقاً . و الحق أنه يشعر بأنها جزء لا يتجزأ منه . وقال كالمعتذر:
إني أحب هذه الحديقة , لم يكن في حياتي الماضية أطيب من جلستها , وتكاد أشجارها الباسقة ومياهها المفضفضة و عصافيرها المزقزقة تعرفني كما أعرفها , وأود أن تقاسمني حبها , أرأيت على السماء كيف تبدو خلال الغصون ؟
فرفعت عينيها مقدار لحظة ثم نظرت غليه باسمة و قالت :
إنها جميلة حقاً , وجديرة بأن تكون أطيب ما في حياتك ..
فانس من قولها العتاب دون إفصاح و بادرها قائلاً :
بل كانت كذلك قبل أن أعرفك ..
والآن ؟
فضغط على يدها بحنوّ قائلاً :
لا يتم جمالها إلا بك ..
فقالت وهي تحدّ بصرها نحوه :
من حسن الحظ أنها لا تؤاخذك على انصرافك عنها إليّ
فضحك ادهم و جذبها نحوه حتى التصق خدها بشفتيه , ثم سألها :
أليست هذه الأزهار أجدر بالتفاتنا من الكلام عن زوجات أخوتي ؟ ! .
فقالت أميمة باهتمام :
الأزهار أجمل لكن زوجات أخوتك لا يكففن عن الحديث عنك , إدارة الوقف , دائماً إدارة الوقف , و ثقة أبيك فيك , يبُدئن و يُعدن في هذا ..
و قطب أدهم غائباً عن الحديقة , و قال بحدة :
لا شيء ينقصهن !
الحق أني أخاف عليك العين ..
فهتف أدهم غاضباً :
لعنة الله على الوقف , أرهقني و غيّر القلوب عليّ و سلبني راحة البال , فليذهب في داهية ..
فوضعت إصبعها على شفتيه وهي تقول :
لا تكفر بالنعمة يا أدهم , إن إدارة الوقف شأن خطير , وقد تجر وراءها نفعاً لا يخطر بالبال ..
جرت حتى الآن المتاعب .. , وحسبنا مأساة إدريس ..
فابتسمت , لكن ابتسامتها لم تنّم عن بهجة وإنما دارت بها اهتماماً جدياً تجلى في نظرة عينيها , و قالت :
انظر إلى مستقبلنا كما تنظر إلى الغصون و السماء و العصافير ..
وواظبت أنينة على مشاركته جلسته في الحديقة . ولم تكن تعرف الصمت إلاّ في النادر , لكنه اعتادها , كما اعتاد الإصغاء بنصف انتباه أو دون ذلك , وعند الحاجة يتناول الناي لينفخ فيه ما شاء له من الطرب .
و استطاع أن يقول في رضى تام أن كل شيء طيب . حتى شقاوة إدريس باتت شيئاً مألوفاً , لكن المرض اشتد على أمه . و عانت آلاما لم تعرفها من قبل تقطّع لها قلبه و كانت تدعوه على جانبها كثيراً فتسبغ عليه أكرم الدعاء . ومرة قالت له بتوسل حار : " أدع ربك دائماً أن يقيك الشر و يهديك سواء السبيل " . ولم تدعه يذهب . و ظلت تراوح بين الأنين و بين مخاطبته و تذكيره بوصيتها حتى فاضت روحها بين يديه . و بكاها أدهم و بكتها أميمة , وجاء الجبلاوي و نظر في وجهها ملياً ثم سجّاها باحترام وقد تجلت في عينيه الحادتين نظرة كئيبة مليئة بالشجن .
و ما كاد ادهم يعود رويداً إلى مألوف الحياة حتى ارتطم بتغير طارىء على أميمة لم يعرف له علّة . بدأ بانقطاعها عن مجلسه في الحديقة فلم يسر بذلك كما كان يتوهم أحياناً . وسألها عن سر انقطاعها فاعتلّت بأعذار شتى كالعمل أو التعب . ولاحظ أنها لم تعد تقبل عليه بالاندفاع المعهود , فإذا أقبل هو عليها لاقته دون عاطفة حقيقية , كأنما تجامله , وكأنما مجاملته عناء . و تساءل عما هنالك ! لقد مر بشيء شبيه بهذا , و لكن حبه صمد له و تغلب عليه . و كان بوسعه أن يقسو عليها , وود أحياناً لو يفعل ذلك ولكن منعه انكسارها و شحوبها و مغالاتها في التأدب معه . أحياناً تبدو حزينة , وأحياناً تبدو حائرة , ومرة باغت في عينيها نظرة نافرة حتى ركبه الغضب و الجزع معاً . فقال لنفسه : " فلأصبر عليها قليلاً , إما أن ينصلح حالها أو فلتذهب في ألف داهية ! " .و جلس إلى أبيه في مخدع الرجل ليعرض عليه حساب الشهر الختامي و تفحصه الب دون أن بعنى بمتابعته و ساله :
مالك؟
فرفع ادهم رايه نحوه في دهشة و قال :
لا شيء يا أبي ..
فضيق الرجل عينيه و تمتم :
خبٍّرني عن أميمة :
فانخذات عيناه تحت نظرة ابيه النافذة و قال :
بخير ,كل شيء طيب .
فقال الجبلاوي بضجر :
صارحني بما عندك .
فصمت أدهم ملياً , وهو يؤمن بأن اباه قادر على معرفة كل شيء , ثم قال معترفاً :
تغيرت كثيراً , و تبدو كالنافرة .
فتجلت في عيني الأب نظرة غريبة و قال ك
هل وقع بينكما خلاف ..
أبداً
فقال الجبلاوي في ارتياح وهو يبتسم :
يا جاهل , ترفَّق بها , لا تقترب منها حتى تدعوك , سوف تكون أباً عما قريب .


_________________
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7308
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

6

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 8:20 am




6

جلس أدهم في إدارة الوقف يستقبل مستأجري الأحكار الجدد , واحداً بعد آخر , وقد وقفوا طابوراً , أوله أمامه و اخره في نهاية المنظرة الكبيرة . ولما جاء آخر المستأجرين سأله أدهم دون أن يرفع رأسه عن دفتره في عجلة و ضجر :
إسمك يا معلم ؟
فجاءه صوت يقول :
إدريس الجبلاوي .
فرفع أدهم رأسه في فزع فرأى أخاه واقفاً أمامه , ثم وقف متوثباً للدفاع عن نفسه وهو ينظر نحوه بحذر . لكن إدريس بدا في مظهر جديد لا عهد لأحد به . بدا رث الهيأة , هادئاً , متواضعاً حزين الطرف , مأمون الجانب , كالثوب المنشى بعد نقعه في الماء . ومع أن هذا المنظر استل من نفس أدهم كل حنق قديم غلا أنه لم يطمئن إلى السلامة كل الاطمئنان , فقال في تحذير مشوب بالرجاء :
إدريس . !
فأحنى إدريس رأسه قائلاً في رقة عجيبة :
لا تخف , لست إلا ضيفك في هذا البيت إذا وسعني كرم أخلاقك .
أهذا الكلام اللطيف يصدر عن إدريس حقاً ! . هل أدّبته الآلام ؟ . الحق أن خشوعه محزن كفجوره . وألا تعد استضافته له تحدياً للأب ؟ ..لكنه جاء دون دعوة منه . ووجد نفسه يشير إليه بالجلوس على مقعد قريب من مقعده , فجلسا معاً وهما يتبادلان النظر في غرابة حتى قال إدريس :
اندسست في جموع المستأجرين حتى أتمكن من الانفراد بك .
فتساءل ادهم في قلق :
ألم يرك أحد ؟
لم يرني أحد من البيت و اطمئنّ إلى هذا , لم أجيء لأكدر صفوكْ و لكني ألجأ إلى لطف أخلاقك .
فغض أدهم عينيه متأثراً وقد تصاعد الدم إلى وجهه, فقال إدريس :
العلك تعجبت لما غيَّرني , لعلك تتساءل أين ذهب تكبره وصلفه فاعلم أنني قاسيت آلاماً لا يقدر عليها أحد , و رغم هذا كله فإنني لا أقف موقفي هذا من أحد سواك إذ أن مثلي لا ينسى كبرياءه إلا حيال الخلق اللطيف .
فغمغم أدهم قائلاً :
خفف الله عنك وعنا , فكم نغّص مصيرك حياتي و كدرها .
كان ينبغي أن أعرف هذا من أول الأمر , ولكن الغضب جنني , و فتكت الخمر بكرامتي : ثم أجهزت حياة التشرد و البلطجية على الرمق الأخير من إنسانيتي , أعهدتَ مثل ذلك السلوك في أخيك الأول ؟ ! .
أبداً , كنت خير أخ و أنبل إنسان !
فقال إدريس بصوت المتوجع :
حسرة على تلك الأيام لست اليوم إلا شقياً , أخبط في الخلاء جارّاً ورائي امرأة حبلى , اشبع في كل مكان باللعنات , وأشتري رزقي بالمنكر و العدوان .
إنك تمزق قلبي يا أخي .
معذرة يا أدهم , لكن هذه هي طوّتك التي خبرتها منذ قديم , ألم أحملك صغيراً على يدي , ألم اشهد صباك و يفاعتك و المس فيها نبلك و سجاياك الحميدة ؟ لعن الله الغضب حيثما احترق .
لعنة أبدية يا أخي .
وتنهد إدريس وهو يقول و كأنما يخاطب نفسه :
شدّ ما أسأت غليك , إن ما حاق بي من شر وما سيحيق لهو دون ما استحق من جزاء .
خفف الله عنك , أتدري أنني لم أيأس أبداً من عودتك ؟
حتى في إبان غضب أبينا جازفت بمخاطبته في شـأنك.
فابتسم إدريس عن أسنان علاها الإصفرارو القذارة و قال :
هذا ما حدثتني به نفسي , قلت أن يكون ثمة رجاء في مراجعة أبي فلن يتأتى عن سبيل سواك .
فلمعت عينا أدهم وهو يقول :
إني ألمس الهداية في روحك الكريم , ألا ترى أنه قد آن الأوان لكي نخاطب والدنا في الأمر ؟
فهز ادرس رأسه الأشعث في يأس و قال :
أكبر منك بيوم يعرف أكثر منك بسنة , وأنا أكبرك بعشر سنوات لا بسنة واحدة , فاعلم أن أبانا يغفر كل شيء إلا أن يهينه أحد , لم يعفو عني أبوك بعد ما كان , ولا أمل لي في العودة إلى البيت الكبير .
لا شك فيما قاله إدريس , وهذا ما زاده حرجاً و ضيقاً , وتمتم في كآبة :
ماذا في وسعي أم أفعل من أجلك ؟
فابتسم إدريس مرة أخرى قائلاً :
لا تفكر في مساعدات مالية , فإني واثق من أمانتك كمدير للوقف , و اعلم أنك إذا مددت لي يد المعونة فسيكون من حر مالك وهو ومالا أقبله , إنك اليوم زوج وغداً أب , وأنا لم أجئك مدفوعاً بفقري , ولكني جئت لأعلن لك ندمي عما فرط مني في حقك , و لأسترد مودتك , ثم إن لي رجاء .
فتطلع إليه أدهم با اهتمام و تساءل :
قل يا أخي ما رجاؤك ؟
فأدنى إدريس رأسه من أخيه كأنما يخشى أن تسمعه الجدران و قال :
أريد أن أطمئن على مستقبلي بعد أن خسرت حاضري , سأكون أباً مثلك فما مصير ذريتي ؟
ستجدني رهن إشارتك في كل ما أستطيع
فربت إدريس كتف أدهم بامتنان و قال ك
أريد أن أعرف هل حرمني أبي حقي في الميراث ؟
كيف لي بمعرفة هذا ظ ولكن إن سألتني عن رأيي ..
فقاطعه إدريس قلقاً :
إني لا اسأل عن رأيك ولكن عن رأي أبيك .
إنه كما تعلم لا يصارح أحداً بما يدور في رأسه
و لكنه دون شك قد سجله في حجة الوقف .
فهز أدهم رأسه دون أن ينبس , فعاد إدريس يقول :
كل شيء في الحجة ..
لا علم لي بها , وأنت تعلم أن أحداً في البيت لا يدري عنها شيئاً , و عملي في الإدارة يسير تحت إشراف أبي الكامل
فحدجه إدريس بنظرة حزينة و قال :
الحجة في مجلد ضخم , وقد لمحته مرة في صباي و سالت أبي عما فيه – وكنت وقتذاك قرة عينه – فقال لي إنه يضم كل شيء عنا , ولم نعد إلى الحديث عنه , ولم يسمح لي بذلك حين بدا لي أن أسال عن بعض ما جاء فيه ولا اشك الآن أن مصيري قد نقرر فيه ..
فقال ادهم وهو يشعر بأنه ينحصر في ركن ضيق :
الله أعلم
إنه في الخلوة المتصلة بمخدع أبيك , ولا شك أنك رأيت بابها الصغير في نهاية الجدار الأيسر . وهو باب مغلق دائماً , لكن مفتاحه مودع في صندوق فضي صغير في درج الخوامة القريب من الفراش , أما المجلد الضخم فعلى ترابيزة في الخلوة الضيقة ..
فرفع ادهم حاجبيه الخفيفين في انزعاج وتمتم ك
ماذا تريد ؟
فقال إدريس متنهداً :
إن كان ثمة راحة بال باقية لي في هذه الدنيا فهي رهن بمعرفتي ما سجّل في الحجة عني ..
فقال أدهم في ارتياع :
أهون علي أن أسأله عما في الشروط العشرة صراحة !
لن يجيب , و سيغضب , وربما أساء الظن بك , أو خمن الدافع الحقيقي وراء سؤالك فثار سخطه , وكم أكره أن تخسر ثقة أبيك جزاء إحسانك إ لي وهو لا شك لا يريد أن يذيع شروطه العشرة , ولو أراد ذلك لعرفناها جميعاً , فلا سبيل مأمون إلى الحجة إلا لسبيل الذي وصفته لك , وهو ميسور جداً عند الفجر حين يتجول أبوك في الحديقة ..
فامتقع وجه أدهم وهو يقول :
ما أفظع أن تدعوني إليه يا أخي .
فداوى إدريس خيبته بابتسامة شاحبة و قال :
ليس جريمة أن يطلع ابن على ما يخصه في حجة أبيه
لكنك نطلب إلي سرقة سر يحرص أبونا على صونه ..
فتنهد إدريس بصوت مسموع و قال :
قلت لنفسي عندما قررت اللجوء إليك : " ما أصعب أن اقنع أدهم بعمل يعتبره مخالفاً لإرادة الأب " , ولم داعبني أمل قوي فقلت : " لعله يقدم إذا لمس مدى حاجني إلى معونته " , و ليس في الأمر في جريمة , و سيمر بسلام , و ستجد أمك انتشلت روحاً من الجحيم دون أدنى خسارة ..
ليحفظنا المولى من الأخطار ..
آمين , لكني أتوسل إليك أن تنقذني من العذاب ..
نهض أدهم في جزع و اضطراب , فنهض إدريس في أثره , و ابتسم ابتسامة دلت على تسليمه باليأس , و قال :
أزعجتك حقاً يا أدهم , ومن إمارات تعاستي أنني لا ألقى شخصاً حتى تدركه المتاعب على وجه أو آخر , بات إدريس لعنة ساخرة ..
كم يعذبني عجزي عن مساعدتك , إنه عذاب ما بعده عذاب
فدنا منه حتى وضع يده على منكبه في رقة , ثم لثم جبينه في عطف , و قال :
لا يسأل عن تعاستي إلا نفسي , لماذا أحملك فوق ما تطيق ؟ دعني أتركك بسلام و ليفعل الله ما يشاء ..
فقال إدريس ذلك ثم ذهب




_________________
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7308
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

7

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 8:25 am

7


دبت الحيوية في وجه أميمة لأول مرة منذ عهد قصير , فسالت أدهم باهتمام ك
ألم يحدثك أبوك عن الحجة من قبل ؟
كان أدهم متربعاً على الكنبة , ينظر من النافذة إلى الخلاء الغارق في الظلمة . فأجابها :
لم يحدث أحد عنها قط
لكن أنت ..
لست أحد إلا أبنائه الكثيرين ..
فابتسمت ابتسامة خفيفة و قالت :
لكنه اختارك أنت لتدير الوقف ..
فالتف نحوها قائلاً بحدة :
قلت أنه لم يحدث أحداً عنها قط ..
فابتسمت مرة أخرى كأنما لتلطف حدته , ثم قالت بمكر :
لا تشغل بالك , إدريس لا يستحق ذلك , إن إساءاته لك لا تنسى ابدً ..
فحول أدهم رأسه نحو النافذة , وقال بحزن :
إدريس الذي جاءني اليوم غير إدريس الذي أساء إلي , إن منظره النادم الحزين لا يبرح مخيلتي ..
فقالت بارتياح ظاهر :
هذا ما أدركته من حديثك , وهو سر اهتمامي بالأمر , ولكنك تبدو ضيق الصدر بخلاف عادتك ..
كان ينظر إلى ظلام الليل الكثيف , لكن رأسه المشغول لم يستجب له , فقال :
لا فائدة ترجى من الاهتمام ..
لكن أخاك النادم يسألك الرحمة ..
العين بصيرة و اليد قصيرة
يجب أن تحسن علاقتك به و وبأخوته , وإلا وجدت نفسك يوماً وحيداً أمامهم ..
أنت تهتمين بنفسك لا بإدريس ..
فهزت رأسها كأنما تزيح عنه نقاب المكر وقالت :
من حقي أن أهتم بنفسي , ومعنى هذا أن أهتم بك وبما في بطني ..
ماذا تريد المرأة ؟ وهذا الظلام ما أشد كثافته , حتى المقطم العظيم قد ابتلعه . وأراح نفسه بالصمت . وإذا بها تسأله :
ألا تذكر أنك دخلت الخلوة أبداً ؟
فأجاب خارجاً من صمته القصير :
أبداً , أحببت في صباي أن أدخلها فمنعني أبي , ولم تكن أمي تسمح لي بالاقتراب منها ..
لا شك أنك كنت تتمنى دخولها ما حادثها في الأمر إلا وهو ينتظر أن تدفعه عنه لا أن تجيز به إليه . كان بحاجة إلى من يؤكد له صواب موقفه من أخيه . كان بحاجة ماسة إلى ذلك ولكنه كمن كان ينادي في الظلام خفيراً فيخرج إليه قطاع طريق . و عادت أميمة تسأله :
و الخوان الذي به الصندوق الفضي هل تعرفه ؟
كل من دخل الحجرة يعرفه , لماذا تسألين عنه ؟
تزحزحت من مجلسها على الكنبة مقتربة منها و سألته بإغراء :
بربك ألا تود أن تتطلع على الحجة ؟
فأجاب بحدة :
كلا , لماذا أود ذلك ؟
منذا يقاوم الرغبة في الإطلاع على المستقبل ؟
تعنين مستقبلك أنتِ ؟ !
مستقبلي و مستقبلك , ومستقبل إدريس الذي حزنت عليه رغم ما سبق منه ضدك !
المرأة تعرب عما في نفسه . وهذا ما يثير حنقه . ومد رأسه نحو النافذة كأمكا يهرب منها وهو يقول :
لا أود ما لا يود أبي
فرفعت حاجبيها المزججين متسائلة :
لماذا يخفي هذا الأمر ؟
ذلك شانه , ما أكثر أسئلتك الليلة !
فقالت و كأنما تخاطب نفسها :
المستقبل ! نعرف مستقبلنا و نقدم إحساناً كبيراً إلى إدريس التعيس , لن يكلفنا هذا كله إلا قراءة ورقة دون أن يدري أحد , و أتحدى أي صديق أو عدو أن يثبت علينا سوء نية في عملنا هذا أو أنه يمس من قريب أو من بعيد والدك المحبوب !
وكان أدهم يراقب نجماً فاق الأنجم بضيائه اللامع فقال متجاهلاً قولها :
ما أجمل السماء ! لولا رطوبة الليل لجلست في الحديقة أراقبها من خلال الغصون ..
لا شك أنه ميز البعض في شروطه .
فهتف أدهم :
ما أزهدني في امتياز لا يجر وراءه إلا المتاعب ..
فقالت متنهدة :
لو كنت أعرف القراءة لذهبت بنفسي إلى الصندوق الفضي .
تمنى لو كان ذلك كذلك , و تضاعف حنقه عليها و على نفسه . بل شعر بأنه قد وقع في المحظور فعلاً وأنه يفكر فيه كحدث مضى . و تحول نحوها مقطباً فبدا وجهه على ضوء المصباح المرتعش بالنسيم المتسلل من النافذة متجهماً , ضعيفاً رغم تجهمه وقال :
لعنت حين أفضيت إليك بالخبر !
لا أريد بك شراً , وحبتي لوالدك مثل محبتك له .
دعيك من هذا الحديث المتعب , في هذه الساعة تستحب الراحة
يبدو أن قلبي لن يرتاح قبل الإقدام على هذا العمل السهل ..
فنفخ قائلاً :
اللهم ارجع إليها عقلها !
فرمقته بنظرة المتحفز ثم سألته :
ألم تخالف أباك با استقبالك إدريس في المنظرة ؟
فاتسعت عيناه دهشة و قال :
وجدته أمامي فلم يسعني إلا استقباله
هل أخبرت والدك بنبأ زيارته ؟
ما أثقلك الليلة يا أميمة
فقالت بصوت الظافر :
إذا جاز لك أن تخالفه فيما قد يضرك فكيف لا تخالفه فيما يفيدك و يفيد أخيك ولا يضر أحداً ..؟
بوسعه أن يقطع الحديث لو شاء . ولكن المنحدر كان شديد الانحدار . و الحق أنه لم يتركها تسترسل في حديثها إلا أن جزءاً من نفسه كان بحاجة إلى تأييدها . وتساءل فيما يشبه الغضب :
ماذا تعنين ؟
أعني أن تسهر حتى الفجر , أو حتى يخلو المكان لنا
فقال بامتعاض :
ظننت أن الحمل قد أفقدك عاطفتك و حدها , و لكن هاهو يفقدك عقلك أيضاً
أنت مقتنع بما أقول وحق من خلق الروح في بطني , ولكنك خائف , و الخوف لا يليق بك .
فاكفهر وجهه اكفهرارا منقطع الأسباب بالتراخي الساري في داخله و قال :
سنذكر بهذه الليلة أول زعل فرق بيننا
فقالت برقة عجيبة :
أدهم , دعنا مفكر جادين في هذا الأمر ..
لن نجني خيراً
هذا قولك ولكنك سترى
شعر بوهج النار وهو يقترب منها . قال لنفسه : " إذا احترقت فبم تجدي دموعي في إخمادها " . وحول رأسه إلى النافذة فخيل إليه أن سكان ذلك النجم اللامع سعداء لبعدهم عن هذا البيت . وتمتم بصوت ضعيف :
لم يحب أحد أباه كما أحبه
ما أبعدك عما يسيئه
أميمة , ما أحوجك إلى النوم !
أنت الذي طيرت النوم عن عيني
أملّت أن أسمع عندك صوت العقل
ما أسمعتك غيره
وساءل نفسه يصوت منخفض كالهمس :
ترى هل أندفع نحو الخراب ؟
فربتت يده الملقاة على مسند الكنبة و قالت بعتاب :
مصيرنا واحد يا ناكر الحب !
فقال في استسلام دل على أنه اتخذ قراره :
ولا هذا النجم يدري ما مصيري !
فقالت بانطلاق :
ستقرأ مصيرك في الحجة
ومدّ بصره نحو النجوم الساهرة , وقطع السحاب المستضيئة بنورها الهادىء , وخيل إليه أنها مطلعة على نجواه فغمغم : " يا لطف السماء " ثم سمع أميمة وهي تقول في نبرات مداعبة :
أنت علمتني حب الحديقة , دعني أرد إليك الجميل .


_________________
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7308
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

8

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 8:29 am


وعند الفجر غادر الأب حجرته قاصداً الحديقة . كان أدهم بأقصى الردهة يترقب و أميمة خلفه ممسكة بكتفه في الظلام . تابعا وقع الأقدام الثقيل المتزن ولكنهما لم يتبينا اتجاهها في الظلام , وكان من عادة الجبلاوي أن يسير في هذه الساعة دون الحاجة إلى ضوء أو رفيق . وسكت الصوت فالتفت أدهم نحو زوجته هامساً :
ألا يحسن بنا أن نعود ؟
فدفعته وهي تهمس في أذنه :
عليّ اللعنة إن كنت اضمر سوءاً لإنسان
فتقد بخطوات حذرة , في اضطراب أليم , ويده قابضة على شمعة صغيرة في جيبه , وجعل يتحسس الجدار حتى مست يده مصراع الباب . وهمست أميمة :
سأبقى هنا لأرقب المكان , اذهب مصحوباً بالعناية .
ومدت يدها فدفعت الباب حتى انفتح ثم تراجعت . ومضى أدهم نحو الحجرة بخطواته الحذرة فتلقى من داخلها رائحة مسكية شديدة النفاذ . ورد الباب وراءه ووقف يحملق في الظلام حتى تبين له خصاص النوافذ المطلة على الخلاء وهي تنضج بنور الفجر . شعر أدهم بأن الجريمة – إن كان ثمة جريمة – قد وقعت بدخوله الحجرة وأن عليه أن يتم عمله . سار مع الجدار الأيسر , مرتطماً أحياناً بالمقاعد , ماراً بطريقه بباب الخلوة , حتى بلغ نهايته , ثم مال مع الجدار الأوسط , وما لبث أن عثر على الخوان . جذب الدرج , و تحسس ما بداخله حتى وجد الصندوق , ثم شعر بحاجة إلى الراحة ليأخذ نفسه .ورجع إلى باب الخلوة , ففتش عن ثقبه , ثم وضع فيه المفتاح و أداره , وفتح الباب , وإذا به يتسلل إلى الخلوة التي لم يدخلها أحد قبله إلا الأب . رد الباب , فأخرج الشمعة , ثم أشعلها , فرأى مربعاً ذا سقف عال لا منفذ فيه إلا الباب , مفروش الأرض بسجادة صغيرة , وهند ضلعه اليمن ترابيزة أنيقة عليها المجلد الكبير الذي ثبت في الجدار بعلاقة من صلب . ازدرد ريقه الجاف لشيء من الألم كأن وعكة أصابت اللوزتين , وعض على أسنانه , كأنما ليعصر الخوف الساري في أوصاله المرعش للشمعة في يده . و اقترب من الترابيزة وهو يحملق في غلاف المجلد المزخرف بخطوط مموهة بالذهب , ثم مد يده ففتحه . وجد مشقة في تركيز ذهنه و نفض الاضطراب عنه . وبدأ يقرأ بالخط الفارسي : " باسم الله .."
ولمنه سمع الباب وهو يفتح بغتة . انجذب رأسه نحو الصوت بقوة ودون وعي كأن الباب شده إليه وهو ينفتح . رأى الجبلاوي على ضوء شمعته يسد الباب بجسمه الكبير ملقياً عله نظرة قاسية باردة . حملق أدهم في عيني أبيه في صمت و جمود , و تخلت عنه قوى الكلام و الحركة ز التفكير . وأمره الجبلاوي قائلاً :
اخرج .
ولكن أدهم لم يستطع حراكاً . بقي في موقفه كالجماد إلا أن الجماد لا يشعر بالقنوط . وهتف الأب :
اخرج :
أيقظه الرعب من موقفه فتحرك , و تخلى الأب عن الباب , فغادر أدهم الخلوة و الشمعة ما تزال تحترق في يده . ورأى أميمة واقفة وسط الحجرة صامتة , و الدمع ينحدر تباعاً من مقلتيها . وأشار له الأب أن يقف إلى جانب زوجته ففعل , ثم خاطبه بصرامة قائلاً :
عليك أن تجيب على أسئلتي بالصدق .
فنطقت أساريره بالامتثال . وسأله الرجل :
من الذي أخبرك بالكتاب ؟
فقال أدهم دون تردد كوعاء تحطم فسال ما فيه :
إدريس
متى ؟
صباح الأمس
كيف تم اللقاء بينكما ؟
اندسّ بين المستأجرين الجدد و انتظر حتى انفرد بي .
لماذا لم تطرده ؟
عزّ علي طرده يا أبي
فقال الجبلاوي بحدة :
لا تخاطبني بالأبوة .
فاستجمع أدهم قواه قائلاً :
إنك أبي رغم غضبك ورغم حماقتي .
أهو الذي أغراك بفعلتك ؟
و أجابت أميمة دون أن يوجه إليها السؤال :
نعم يا سيدي .
اخرسي يا حشرة ..( ثم موجهاً الخطاب إلى أدهم ) .. أجب
كان يائساً حزيناً نادماً وود لو يطمئن على مستقبل ذريته .
وفعلت هذا من أجله !
كلا .. اعتذرت له عن عجزي .
وماذا غيَّرك ؟
فتنهد أدهم يائساً و تمتم :
الشيطان !
فسأله ساخراً :
هل أخبرت زوجتك بما جرى بيمك و بينه ؟
هنا انتحبت أميمة فنهرها الجبلاوي أن تخرس , وحث أدهم على الإجابة بإشارة من إصبعه , فقال :
نعم
وماذا قالت لك ؟
لاذ أدهم بالصمت كي يزدرد ريقه فصاح به :
أجب يا وضيع.
وجدت لها رغبة في الإطلاع على الوصية و ظننت أن ذلك لن يضر أحداً .
فحدجه باحتقار شديد و قال :
وهكذا انصعت إلى خيانة من فضلك على من هم خير منك .
فقال أدهم بصوت كالأنين :
لأن يسعفني دفاعي عن ذنبي , لكن مغفرتك أكبر من الذنب و الدفاع .
تتآمر علي مع إدريس , الذي طردته إكراماً لك ؟
لم أتآمر مع إدريس , لقد أخطأت , ولا نجاة لي إلا بمغفرتك .
و هتفت أميمة بتوسل :
سيدي ..
فقاطعها قائلاً :
اخرسي يا حشرة
وجعل يردد عينيه بينهما عابساً , ثم قال بصوت رهيب :
اخرجا من البيت .
وهتف أدهم :
أبي ..
فقال الرجل بصوت غليظ :
غادرا البيت قبل أن تلقيا خارجا ً.


_________________
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7308
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

9

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 8:33 am


9فتح باب البيت الكبير ليشهد هذه المرة خروج أدهم و أميمة مطرودين . خرج أدهم يحمل بقجة ملابس , و تبعته أميمة حاملة بقجة ثانية وأطعمة خفيفة .
خرجا ذليلين حزينين باكيين بلا أمل . و عندما سمعا صوت الباب وهو يغلق خلفهما ارتفع صوتاهما بالنحيب . و قالت أميمة وهي تنشج :
الموت دون ما استحق من جزاء !.
فقال أدهم بصوت متهدج :
لأول مرة تصدقين , ولكن الموت دون ما أستحق كذلك ! .
و ما كادا يبتعدان قليلاً عن البيت حتى دوت ضحكة ساخرة مخمورة , فنظرا نهو مصدرها , فرأيا إدريس أمام كوخه الذي بناه من الصفائح و الأخشاب وقد جلست امرأته نرجس تغزل صامتة . كان إدريس يضحك في سخرية و شماتة حتى ذهل أدهم و أميمة فوقفا يحملقان فيه . وراح إدريس يرقص و يفرقع بأصابعه حتى ضجرت نرجس فآوت إلى الكوخ . تابعه أدهم بعيني محمرتين من البكاء و الغضب . أدرك في لحظة المكر الذي مكره فتكشف له عن حقيقته الخبيثة المجرمة . وأدرك أيضاً مدى حمقه و غبائه الذي يرقص له المجرم شماتة و فرحاً . هذا هو إدريس الذي استحال شراً مجسداً . وغلى دمه حتى فار فأغرق مخه . و قبض على حفنة من تراب و رماه بها وهو يصيح بصوت مختنق بالغضب :
يا قذر , يا لعين , إن العقرب بالقياس إليك حشرة مستأنسة !
فأجاب إدريس بمزيد من حركاته الراقصة , هز رقبته يمنة و يسرة , ولعّب حاجبيه ومازال يفرقع بأصابعه . و تضاعف غضب أدهم فصاح :
الفساد و الدناءة و الوضاعة هذه هي صفات المخادعين الكاذبين .
فراح إدريس يهز وسطه بمثل الرشاقة التي هز بها رقبته ويرسم بفيه ضحكة صامتة قبيحة , فصاح أدهم دون التفات إلى أميمة التي حاولت أن تدفعه إلى المسير :
حتى الدعارة تجربها يا أقذر من خلق !
فمضى إدريس يهز عجيزته وهو يدور حول نفسه في بطء و دلال فأعمى الغضب أدهم فرمى بالبقجة على أرضاً ودفع أميمة التي همت بالتعلق به وجرى نحوه حتى قبض على عنقه و شد عليه بكل قوته . لم يبد على إدريس أنه تأثر بالمنقض ولا بقبضته . وواصل الرقص وهو يتأنق في تأّوده .وجن جنون أدهم فنهال على إدريس ضرباً ولكن إدريس ازداد عبثاً وراح يغني بصوت كريه :
حطة يا بطة ويا دقن القطة
و توقف بغتة وهو يزمجر , ثم دفع أدهم في صدره دفعة قوية تقهقر على أثرها وهو يترنح ثم اختل توازنه وهو فسقط على ظهره . وهرعت إليه أميمة صارخة فساعدته على النهوض وأخذت تنفض الغبار عن ثوبه وهي تقول :
مالك أنت وهذا الوحش , فلنبتعد عنه ..!
وتناول البقجة صامتاً ئ, وحملت زوجته بقجتها و ابتعدا حتى طرف البيت الآخر , وكان الإعياء قد نال منه فلرمة البقجة و جلس عليها وهو يقول : " لنسترح قليلاً " . فجلست المرأة قبالته و رجعت تبكي . وإذا بصوت إدريس يترامى إليهما قوياً كالرعد و صاحبه يقف ناظراً إلى البت الكبير نظرة التحدي و يصيح :
طردتني إكراماً لأحقر من أنجبت , أرأيت كيف كان سلوكه نحوك , ها أنت ترميه بنفسك إلى التراب , عقاب بعقاب و البادي أظلم , كي تعلم أن إدريس لا يقهر , فلتبق وحدك مع أبناؤك العقماء الجبناء , لن يكون لك حفيد إلا من يسعى في التراب و يتقلب في القاذورات , غداً يسرحون بالبطاطا واللب , غداً يتعرضون لصفعات الفتوات في العطوف و كفر الزغاري , غداً يمتزج دمك بأحقر الدماء , و تقبع لأنت وحيداً في حجرتك تبدل و تغير في كتابك كيف شاء لك الغضب و الفشل و تعني وحدة الشيخوخة في الظلام , حتى إذا جاء الأجل فلم نجد عيناً تبكيك .
ثم التفت نحو أدهم وواصل صياحه الجنوني :
وأنت أيها الضعيف كيف تلقى الحياة وحدك ؟ ! .. لا قوة فيك تزيدك ولاقوي تعتمد عليه , وماذا تفيدك مبادىء القراءة و الحساب في هذا الخلاء ؟ ! .. ها...ها...ها...
ولم تزل أميمة تبكي حتى ضاق بها أدهم فقال في فتور :
كفّي عن البكاء .
فقالت وهي تجفف عينيها :
سابكي كثيراً , أنا الآثمة يا أدهم .
لست دونك أثماً , لو لم تلقي مني ضعيفاً نذلاً موقع الذي وقع .
الذنب ذنبي وحدي .
فهتف بغيظ :
إنك تحملين نفسك لتتقي حماتي عليك .
فباخت حميتها في اتهام نفسها وأحنت رأسها ملياً , ثم عادت تقول بصوت ضعيف :
لم أكن أتصور أن تبلغ قسوته هذا الحد !
إني أعرفه ولا عذر لي
فترددتن قليلاً ثن قالت :
كيف أعيش هنا وأنا حبلى ؟ !
في هذا الخلاء نعيش بعد البيت الكبير , ليت للدموع جدوى , و لكن ليس أمامنا إلا أن نقيم كوخاً لنا .
أين ؟
فنظر فيما حوله , ووقف نظرهُ قليلاً صوب كوخ إدريس , ثم قال بقلق :
لا يجوز أن نبتعد كثيراً عن البيت الكبير ولو اضطررنا إلى البقاء غير بعيد من كوخ إدريس , وإلا هلكنا وحدنا في أطراف هذا الخلاء .
ففكرت أميمة قليلاً ثم قالت بوجه مال إلى الاقتناع برأيه :
نعم , ولكن نبقى على مرمى بصره لعلّه يرق لحالنا .
فتأوه أدهم قائلاً :
الحسرة تقتلني , ولولاك لتوهمت مابي كابوساً , هل يجفوني قلبه إلى الأبد ؟ لم أتطاول عليه كإدريس , هيهات , لست كإدريس في شيء , فهل ألقى نفس المعاملة ؟
فقالت أميمة في حنق :
لم نعرف هذه الأحياء أباً مثل أبيك .
فتساءل بعينين حادتّين :
متى يتوب لسانك !
فانفعلت قائلة :
و الله ما ارتكبت جريمة ولا إثماً , خبّر من تشاء بما فعلت وبما نلت من جزاء ما فعلت وأراهنك أنه سيضرب كفاً بكف , و الله ما عرفت الأبوة أباً كأبيك .
ولا عرفت الدنيا رجلاً مثله , هذا الجبل و هذه الصحراء و هذه السماء تعرفه , و مثله يَجنّ عند التحدي .
بهذا الجبروت لن يبقى في البيت أحد من أبنائه
نحن أول الخارجين فنحن شر من فيه .
فقالت بامتعاض :
لست كذلك , لسنا كذلك .
الحكم الصحيح لا يكون إلا عند الامتحان .
لاذ كلاهما بالصمت . لم يكن بالخلاء حي يُرى , إلا بعض العابرين عن بعد عند سفح الجبل . و كانت الشمس ترسل أشعة حامية من سماء صافية فتغمر الرمال المترامية حيث يلمع الحصا أو قطع الزجاج المتناثرة . ولم يكن من قائم غلا الجبل في الأفق , و صخرة كبيرة في الشرق كأنها راس جسم مطمور في الرمال , وكوخ إدريس عند الطرف الشرقي للبيت الكبير ينغرس في الأرض متحدياً بهيئته الزرية . وكان الجو كله ينذر بالشقاء و التعب و الخوف . وتنهدت أميمة بصوت مسموع و قالت :
ستتعب كثيراً حتى تتيسر لنا الحياة .
فرما أدهم على البيت الكبير و قال :
و سنتعب أكثر حتى يفتح لنا هذا الباب مرة أخرى .


_________________
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7308
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

10

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 8:37 am


10

شرع أدهم و أميمة في إقامة كوخ لهما عند الطرف الغربي للبيت الكبير . كانا يجيئان بالأحجار من المقطم , و يجمعان الصفائح من سفح الجبل , و يلتقطان الأخشاب من مشارف العطوف و الجمالية و باب النصر . و تبين لهما أن بناء الكوخ سيستغرق وقتاً أطول مما قدرا , و صادف ذلك نفاذ الزاد الذي حملته أميمة من البيت من جبن و بيض و عسل اسود , فقرر أدهم أن يبدأ في السعي في سبيل رزقه ورأى أن يبيع بعض ثيابه الثمينة
ليشتري بها عربة يد لبيع البطاطا و الملانة و الخيار و غيرها على حسب الموسم . و عندما أخذ في جمع ثيابه أجهشت أميمة في البكاء من شدة التأثر , و لكنه لم يستجب لعواطفها , فقال وهو بين السخط و السخرية :
لم تعد هذه الثياب تناسبني , أليس من المضحك أن أسرح ببطاطة وأنا متلفع بعباءة مزركشة من وبر الجمل ؟ !
ثم شهده الخلاء وهو يدفع عربته نحو الجمالية , الجمالية التي لم تنس بعد زفته , و انقبض قلبه و انحبس صوته فكف عن النداء ,و كادت تغرورق عيناه بالدموع , واتجه نحو الأحياء البعيدة متهرباً . وكان يواظب على المشي و النداء من الصباح إلى المساء حتى كلّت يداه و انجرد نعلاه و سرت الأوجاع في قدميه و مفاصله . وكم كان يشق عليه مساومات النسوان , أو أن يضطره الإعياء إلى افتراش الأرض لصق جدار , أو أن يقف في ركن ليفك حصره . بدت الحياة غير حقيقية , وأيام الحديقة و إدارة الوقف و المخدع المطل على المقطم كالأساطير . وجعل يقول لنفسه :
" لا شيء حقيقي في هذه الدنيا , هي البيت الكبير , هي الكوخ الذي لم يتم , هي الحديقة هي عربة اليد , هي الأمس وهي اليوم وهي الغد لعلي أحسنت صنعاً بالإقامة قبالة البيت حتى لا افقد الماضي كما فقدت الحاضر و المستقبل , و هل من عجب أن أخسر الذاكرة كما خسرت أبي و كما خسرت نفسي ؟ ! " . فإذا عاد أول الليل إلى أميمة فليس إلى الراحة يعود , ولكن ليواصل العمل في بناء الكوخ . ومرة جلس في حارة الوطاويط عند الظهر ليستريح فنعس . و استيقظ على حركة فرأى غلماناً يسرقون عربته فنهض مهدداً . ورآه غلام فنبه أقرانه الصغار بصفير و دفع العربة لشغله بها عن مطاردتهم فاندلق الخيار على الأرض على حين تفرق الغلمان مسرعين كالجراد .و غضب أدهم غضباً شديداً حتى قذف فوه المهذب بسيل من أقذع الشتائم , ثم انكب على الأرض يجمع الخيار الذي لوث بالطين . و تضاعف غضبه دون أن يجد له متنفساً فراح يقول في تأثر و انفعال : " لماذا كان غضبك كالنار تحرق بلا رحمة ؟ لماذا كانت كبرياؤك أحب إليك من لحمك و دمك ؟ و كيف تنعم بالحياة الرغيدة وأنت تعلم أننا نداس بالأقدام كالحشرات ؟ والعفو و اللين و التسامح ما شأنها في بيتك الكبير أيها الجبار ! " وقبض على يدي العربة وهمّ يدفعها بعيداً عن الحارة اللعينة , وإذا بصوت يقول متهكماَ :
بكم الخيار يا عم ؟
رأى إدريس واقفاً يبتسم ابتسامة ساخرة , رافلاً في جلباب مقلماً بألوان زاهية , .على رأسه لاسة بيضاء . رآه باسماً ساخراً لا تأثراً ولا هائجاً فضاقت لمنظره الدنيا في عينيه رغم ذلك . و دفع العربة ليذهب , ولكن إدريس اعترض سبيله وهو يقول في دهشة :
ألا يستحق زبون مثلي حسن المعاملة ؟
فارتفع رأس أدهم في عصبية وهو يقول :
دعني و شأني
فأمعن إدريس في السخرية متسائلاً :
ألم تجد خيراً من هذه اللهجة تخاطب بها أخاك الأكبر ؟
فقال أدهم بلهجة المتصبر :
يا إدريس أما كفاك ما فعلت بي ؟ لا أريد أن تعرفني أو أعرفك .!
كيف يتأتى هذا ونحن في حكم الجيران ؟ !
ما أردت جوارك و لكنني قصدت أن أكون قريباً من البيت الذي ...
فقاطعه هازئاً :
الذي طردت منه !
فسكت أدهم وقد تجلى الضيق في شحوب وجهه , فاستطرد الآخر قائلاً :
النفس تتعلق بالمكان الذي تطرد منه . أليس كذلك ؟
فلم يخرج أدهم عن صمته , فقال الآخر:
إنك تطمع في العودة إلى البيت يا ماكر , إنك ضعيف حقاً و لكنك مليء بالمكر , ألا فاعلم بأني لم اسمح لك بالعودة وحدك ولو انطبقت السماء على الأرض .
فتسائل أدهم و منخراه يتحركان من الحنق :
ألن يكفك ما فعلت بي ؟ من أجلك طردت وكنت كوكب البيت المنير
بل طردت بسبب نفسك المتعجرفة .
فقهقه إدريس قائلاً :
و طردت أنت بسبب نفسك الضعيفة , فلا مكان في البيت الكبير للقوة و لا للضعف ! فنظر إلى استبداد أبيك إنه لا يسمح باجتماع القوة و الضعف في نفس إلا نفسه هو , إنه القوي لحد الفتك بفلذات كبده , الضعيف لحد التزوج من أم كأمك .
فقطب أدهم غاضباً وهو يقول :
دعني أذهب , و تحرش إذا شئت بقوي مثلك .
أبوك يتحرش بالأقوياء و الضعفاء .
فصمت أدهم و ازداد وجهه عبوساً فقال إدريس هازئاً :
لا تريد أن تتورط في تجريحه ! هذا مكر من مكرك , ودليل على أنك لا زلت تحلم بالعودة .
ثم تناول خيارة و أخذ ينظر إليها باشمئزاز ثم قال :
كيف سولت لك نفسك أن تسرح بهذا الخيار الملوث ! ألم تجد عملاً أشرف من هذا ؟
إني راض عنه !
بل اضطرتك الحاجة إليه , على حين ينعم أبوك بالعيش الرغيد , فكِّر قليلاً في الأمر , أليس من الأكرم لك أن تنضم إلي ؟ ! .
فقال أدهم في ضجر :
لم ألق لحياتك !
انظر إلى جلبابي ! كان صاحبه يرفل فيه أمس دون وجه حق ! فلاح التساؤل في عيني أدهم وقال :
و كيف حصلت عليه ؟
كما يفعل الأقوياء !
أسرق أم قتل ! و قال بحزن :
لا أصدق أنك أخي إدريس !
فقال وهو يقهقه :
لا تعجب ما دمت تعلم أنني ابن الجبلاوي !
فهتف أدهم في نفاذ صبر :
هلا أوسعت لي الطريق ؟
كما تشاء لك حماقتك !
وملأ جيبه بالخيار , وألقى عليه نظرة ازدراء , ثم بصق على العربة و مضى .
ووقفت أميمة تستقبله وهو يقترب من الكوخ . كانت الظلمة تغشى الخلاء , وفي داخل الكوخ شمعة تحترق كأنها رمق في صدر محترق , أما في السماء فالنجوم تزهر , و على ضوئها يبدو البيت الكبير كشبح عملاق . أدركت أميمة من صمته أنه على حال يتحسن معها تجنبه . قدمت إليه كوز ماء ليغسل أطرافه وجاءته بجلباب نظيف . وغسل وجهه و قدميه و بدل جلبابه ثم جلس على الأرض ومدّ ساقيه . و اقتربت منه في حذر , فجلست وهي تقول بلهجة الاسترضاء :
ليتني أتحمل عنك بعض تعبك .
وكأنها حكت أجرب فصاح :
اخرسي يا اصل الشر والتعاسة .
فتزحزحت عنه بعيداً حتى كادت تختفي , ولكنه صاح :
إنك خير من يذكرني بغفلتي و حماقتي , ملعون اليوم الذي رأيتك فيه .
فجاءه في الظلام انتحابها و لكنه ضاعف من غضبه فقال :
سحقاً لدموعك ! إن هي إلاّ عرق الخبث الذي يمتلىء به جسدك .
فجاءه صوتها الباكي قائلاً :
كل قول يهون بالنسبة إلى عذابي .
لا تسمعيني صوتك , و ابعدي عن وجهي .
وكور ثوبه المخلوع ورماها له فتأوهت قائلة : " بطني ! " . وسرعان ما برد غضبه , و أشفق من العواقب . وآنست هي من صمته تراجعاً فقالت بصوت المتوجع :
سأذهب بعيداً كما تريد .
وقامت فمضت تبتعد حنى صاح بها :
هل ترين الوقت مناسباً للدلال ؟
ثم تحفّز للقيام وهو يصيح :
ارجعي لا رجعت إليك الراحة .
وأحدّ بصره في الظلام حتى رأى شبحها يعود فأسند ظهره إلى جدار الكوخ ورفع رأسه نحو السماء . وود لو يطمئن على بطنها ولكن أبت كبرياؤه . أجّل ذلك إلى أجل قريب . ثم مهد له بقوله :
اغسلي بعض الخيار للعشاء .


_________________
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7308
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

11

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 8:47 am


11


مجلس لا يخلوا من الراحة . لا نبت فيه ولا ماء , و لا عصافير تزقزق فوق الغصون , لكن أرض الخلاء الجرداء المشاكسة تكتسي في الليل حلة غامضة يخالها الحالم ما يشاء . و فوقه قبة السماء المرصعة بالنجوم و المرأة داخل الكوخ , و الوحدة ناطقة , و الحزن كالجمر مدفون الرماد . و سور البيت العالي يعاند المشتاق , وهذه الأب الجبار كيف السبيل إلى إسماعه أنيني . ومن الحكمة نسيان الماضي , ولكن ليس لنا من زمن غيره , لذلك كرها ضعفي و لعنت نذالتي و رضيت الشقاء رفيقاً و سألد له أبناء . و العصفورة التي لا تصدها قوة عن الحديقة اسعد من أحلامي , و عيناي احترقتا شوقاً إلى المياه الجارية بين شجيرات الورود , وأين عبير الحناء و الياسمين أين , أين خلو الباب و الناي أين , أيها القاسي , مضى نصف عام فمتى يذوب الثلج قسوتك ؟ !
وعن بعد ترامى صوت إدريس مغنياً بصوت كريه : " عجايب و الله عجايب " . وإذا به يوقد ناراً أمام كوخه فاشتعلت كأنها شهاب هوى فانغرس في الأرض , وكانت زوجه تذهب و تجيء ببطنها المتدلي لتقدم طعاماً أو شراباً . و لطمته موجة سكر فصاح في السكون موجهاً الخطاب إلى البيت الكبير : " هذا أوان الملوخية و الفراخ المحمرة , اطفحوها سماً يا أهل البيت ! " . ثم عاج إلى الغناء .
و قال أدهم لنفسه متأسفاً : " كلما خلوت إلى نفسي في الظلام جاء الشيطان فأشعل ناره و عربد فافسد خلوتي ! " . و ظهرت أميمة عند باب الكوخ فعلم أنها لم تنم على خلاف ظنه . و كانت من الحمل في إ‘ياء , ومن الجهد و الفقر على حال لاتسر . وقالت برقة و إشفاق :
ألا تنام ؟ !
فقال في ضجر :
دعيني للساعة الوحيدة التي تطيب فبها الحياة ..
ستسعى بعربتك في الصباح الباكر فما أحوجك إلى الراحة ..
في وحدتي أرتد سيداً أو سبه سيد , أتأمل السماء و أتذكر اليان الخالية .
فتنهدت بصوت مسموع و قالت :
أود لو رأيت أباك ذاهباً من البيت أو راجعاً إليه أن أرمي بنفسي تحت أقدامه وأن استغفره .
فقال أدهم في جزع :
قلت لم مراراً أن تقلعي عن هذه الأفكار , فليس بهذه الوسيلة يمكن أن نسترد عطفه .
فصمتت ملياً ثم قالت همساً :
إني أفكر في مصير الشيء الذي في بطني .
ولا شغل لي إلا هذا رغم أني لم أعد إلا حيوناً قذراً
فتمتمت بحزن :
و الله إنك خير الرجال جميعاً
فضحك أدهم ساخراً و قال :
لم أعد إنساناً , فالحيوان وحده هو الذي لا يهمه إلا الغذاء .
لا تحزن كم من رجلاً بدأ مثلك , ثم تيسر له العيش الرغيد فملك الدكاكين و البيوت ! .
أراهن أن أوجاع الهمل قد بلغت راسك !
فقالت بإصرار :
يتكون رجلاً ذا شأن , و سينشأ وليدنا في أحضان النعيم ..
فضرب أدهم كفاً بكف و تساءل ساخراً :
أأبلغ ذلك بالبوظة أم بالحشيش ؟
بالعمل يا أدهم .
فقال في سخط :
العمل من أجل القوت لعنة اللعنات , كنت في الحديقة أعيش , لا عمل لي إلا أن أنظر إلى السماء أو أنفخ في الناي , أما اليوم فلست إلا حيوناً , أدفع العربة أمامي ليل نهار في سبيل شيء حقير نأكله مساء ليلفظه جسمي صباحاً , العمل من أحل القوت لعنة اللعنات , الحياة الحقة في البيت الكبير , حيث لا عمل للقوت , و حيث المرح و الجمال و الغناء .
و إذا بصوت إدريس يقول :
نطقت بالحق يا أدهم , العمل لعنة , وهو ذل لم نعتده , ألم أعرض إليك الانضمام إلي ؟ ! }.
التفت أدهم نجو الصوت فرأى إدريس واقفاً على قرب منه . هكذا يتسلل في الظلام دون أن يشعر به فيتنصت إلى الحديث ما شاء له التنصت , و يشترك فيه إذا حلا له ذلك . ووقف أدهم منفعلاً وهو يقول :
عد إلى كوخك
فقال إدريس بلهجة جدية مفتعلة :
إني مثلك أقول أن العمل لعنة لا تليق بكرامة الإنسان .
إنك تدعوني إلى البلطجة وهي أقذر من اللعنة .
إذا كان العمل لعنة و البلطجة قذارة فكيف يعيش الإنسان ؟
فلم يرتح إلى محادثته فصمت , و انتظر إدريس أن يتكلم فلم يتكلم , فقال :
لعلك تريد رزقاً بلا عمل ؟ و لكن ذلك سيكوم حتماً على حساب الآخرين !
و ثابر أدهم على صمته فعاد الآخر يقول :
أم لعلك تريد رزقاً بلا عمل دون أن يضار به أحد ؟ ! {.
و ضحك ضحكة كريهة و قال :
هذه فزورة يا ابن الجارية !
و صاحت أميمة بغضب :
عد إلى كوخك و اخز الشيطان .
و نادته امرأته بحدة , فرجع من حيث أتى وهو يترنم : " عجايب و الله عجايب " .
و توسلت أميمة إلى زوجها قائلة :
تجنب الاشتباك معه بأي ثمن .
إني أجده فجأة فوق راسي دون أن أدري كيف جاء .
و ساد صمت اتخذا منه مسكناً لانفعالهما . و عادت أميمة تقول برقة :
قلبي يحدثني بأنني سأجعل من كوخنا بيتاً شبيهاً بالبيت الذي طردنا منه , لن تنقصه الحديقة ولا البلابل , و سيلقى و ليدنا فيه كل راحة و متعة .
فوقف أدهم وهو يبتسم ابتسامة لم ترها في الظلام , و قال ساخراً وهو ينفض التراب عن جلبابه :
الخيار القشطة !.. الخيار السكر ! .. و العرق يتصبب من جسدي و الغلمان يتسلون بمعاكستي , و الأرض تأكل قدمي , في سبيل ملاليم ..
و دخل الكوخ فتبعته وهي تقول :
لكن سيأتي يوم المرح و الغناء .
لو كمن تشقين ما وجدت وقتاً للأحلام .
ورقد كل منهما على خيشة محشوة بالقش , وهي تقول :
أليس الله بقادر على أن يجعل من كوخنا بيتاً كالبيت الذي طردنا منه ...؟
فقال أدهم وهو يتثاءب :
أمنيتي أن أعود إلى البيت الكبير .
ثم وهو يتثاءب بدرجة أعلى :
العمل لعنة !
فقالت بصوت هامس :
ربما , و لكنها لعنة لا تزول إلا بالعمل !.


_________________
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7308
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

12

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 8:50 am




12

وذات ليلة استيقظ ادهم على تأوهات عميقة . ولبث وهو بين النوم و اليقظة حتى تبين صوت أميمه وهي تتوجه هاتفة : " آه يا ظهري .. آه يا بطني " , فجلس من فوره وهو يحملق صوبها , ثم قال :
هذا حالم هذه الأيام ثم ينجلي عن لا شيء , أشعلي الشمعة .
فقالت وهي تئن :
أشعلها بنفسك هذه المرة جّد
فقام يتحسس موضع الشمعة بين أدوات الطهي حتى عثر عليها , فأشعلها , و ثبتها على الطبلية , فبدت أميمية على الضوء الخافت جالسة متكئة على ساعديها , تئن , و ترفع رأسها لتتنفس بصعوبة ظاهرة . و قال الرجل بقلق :
هذا ما تظنينه كلما شعرت بوجع .
فقالت بوجه متقلص :
كلا , أنا متأكدة لأن هذه المرة جد .
و ساعدها حتى اسند ظهرها إلى جدار الكوخ ثم قال :
هو شهرَك على أي حال , تجلّدي حتى أذهب إلى الجمالية لأحضر لك الداية .
صحبتك لسلامة , ما الوقت الآن ؟
مضى أدهم خارج الكوخ , وجعل ينظر إلى السماء , ثم قال :
الفجر قريب , لم أغيب إلا مسير الطريق .
و اندفع يسير على عجل نحو الجمالية . ثم عاد وهو يشق الظلام وهو قابض على يد الداية العجوز ليهديها السبيل . وعند اقترابه من الكوخ ترامى إليه صوت أميمه الذي مزق السكون , فخفق قلبه و أوسع خطاه حتى تشكت الداية . و دخلا الكوخ معاً , فخلعت المرأة ملاءتها وهي تقول لأميمة ضاحكة :
جاء الفرج , وما بعد الصبر إلا الراحة
و سألها أدهم :
كيف حالك ؟
فقالت في صوت كالأنين :
أكاد أموت من اللم , جسمي يتفكك , و عظامي تتكسر , لا تذهب . فقالت الداية :
بل ينتظر في الخارج بسلام .
و غادر أدهم الكوخ إلى العراء فلمح شبحاً واقفاً عن قرب , عرفه قبل أن يتبينه , فانقبض صدره , و لكن إدريس قال مصطنعاً لهجة الأدب :
جاءها الطلق ؟ مسكينة , مرت زوجتي بهذه الحالة كما تعلم منذ زمن قصير , إنه ألم كاذب لا يلبث أن يزول , ثم تتلقى نصيبك من عالم الغيب كما تلقيتُ هند , إنها طفلة ساحرة و لكنها لا تكف عن التبول و البكاء , تجّلد .
فقال أدهم على مضض و ضيق :
الأمر لصاحب الأمر .
فصدرت عن إدريس ضحكة خشنة و تساءل :
جئت لها بداية الجمالية ؟
نعم .
امرأة قذرة طماعة , جئت بها أيضاً فغالت في تقدير أتعابها فطردتها , و ما تزال تدعو عليّ كلما رأتني ماراً ببيتها .
فقال أدهم بعد تردد :
ما ينبغي أن تعامل الناس هكذا
يا ابن الأكابر , علمني أبوك أن أعامل الناس بالفظاظة و القسوة .
وارتفع صوت أميمة بصراخ كأنما هو صدى للتمزق الذي يقع في جوفها , فانطبقت شفتا أدهم على نما هم بقوله , و اقترب من الكوخ قلقاً , و هتف بصوت رقيق :
شدي حيلك
فردد إدريس قوله بصوت مرتفع :
شدي حيلك يا امرأة أخي
فأشفق أدهم من سماع زوجه هذا الصوت , لكنه دارى حنقه قائلا:
يحسن بنا أن نقف بعيداً عن الكوخ .
تعال بنا إلى كوخي أقدم لك الشاي , وترَ همد وهي تغط في النوم .
لكن أدهم ابتعد عن كوخه دون أن ينجه نحو الكوخ الآخر , وهو يلعنه في غيظ مكتوم , فتبعه إدريس وهو يقول :
ستكون أبا قبل طلوع الصبح , إنه تغير خطير , من فوائده أن تشعر بالرابطة التي يمزقها أبوك في يسر و بلادة .
فنفس أدهم عن ضيقه بقوله :
هذا الكلام يضايقني .
ربما , لكن لا هم لنا غيره
فسكت أدهم متردداً , لماذا تتبعني و أنت تعلم ألا مودة بيننا ؟ ! .
فقهقه إدريس عالياً و قال :
يا لك من طفل قليل الحياء , لقد أيقظني صراخ زوجك من أحلى نومة فلم أسمح لنفسي بالغضب , و على العكس جئت لقدم لك المعونة عن كنتَ في حاجة إليها , وان أباك ليسمع الصراخ كما سمعته و لكنه عاود النوم كمن لا قلب له
فقال أدهم في ضجر :
حسبنا ما كتل لنا من مصير , ألا تستطيع أن تتجاهلني كما أتجاهلك ؟
إنك تكرهني يا أدهم لا لأنني منت السبب في طردك و لكنني أذكرك بضعفك , إنك تكره فيّ نفسك الآثمة , أما أنا فلم يعد لي من مبرر لكراهيتك , بل أنت اليوم عزائي و تسليتي , ولا تنسى أننا جيران , وأول من سكن هذا الخلاء من الأحياء , وسيدبّ عليه أولادنا جنباً إلى جنب .
إنك تتلذذ بتعذيبي .
فصمت إدريس ملياً حتى منّى أدهم نفسه بالخلاص , و لكنه عاد يسال بلهجة جدية :
لماذا لا نتفق ؟
فقال أدهم وهو يتنهد :
أنني بياع على قد حالي و أنت رجل هوايتك الضرب و الاعتداء .
وعاد صراخ أميمة يعلو و يشتد فرفع ادهم رأسه متوسلاً , فأدرك من توه أن كثافة الظلام قد خفّت , وأن الفجر تسلّق الجبل .
وهتف أدهم :
ما ألعن اللم !
فقال إدريس ضاحكاً:
ما أجمل الرقة , خلقت لإدارة الوقف و النفخ في الناي .
اسخر ما شئت , إني متألم .
لماذا ؟ حسبت امرأتك هي المتألمة !
فصاح أدهم من فرط جزعه :
دعني و شأني .
فتساءل الآخر في هدوء مغيظ :
أتريد أن تصير أباً بلا ثمن ؟
فلزم أدهم الصمت وهو ينفخ فقال إدريس متعطفاً:
أنت حكيم , وقد جئت أعرض عليك عملاً تستعين به على إسعاد المخلوقات القادمة , إن هذا الذي نسمع مقدمات تشريفه الأول و ليس الأخير , فإن شهواتنا لا تقنع إلا بأن تبنى فوقنا تلاً من الذرية الصاخبة , ما رأيك ؟
الضياء يلوح فاذهب لتستوفي نومك
و تعالى الصراخ , متتابعاً متواصلاً حتى ضاق أدهم بموقفه فرجع على الكوخ الذي شق عنه الظلام , و بلغه و أميمة ترسل تنهدة عميقة مثل ختام أغنية حزينة . اقترب من باب الكوخ وهو يتساءل :
كيف الحال عندكم ؟
فجاءه صوت الداية وهو يقول : " انتظر " . تحفز قلبه للارتياح عندما خيل إليه أن الصوت يوحي بالظفر . و ما لبث أن لاحت المرأة في الباب وهي تقول :
رزقت بذكرين !
توأمين ؟
فليرزقك الله برزقهما .
و صكت أذنيه ضحكة إدريس من وراء ظهره و سمعه يقول :
إدريس الآن أب لأنثى وعن لذكرين
و مضى نحو كوخه وهو يغني : " البخت و القسمة فين يادي الزمان قلّي " . و عادت الداية تقول :
ترغب الأم في أن يسميا قدري و همام .
فراح أدهم يغمغم وقد استخفه السرور :
قدري وهمام , قدري و همام .


_________________
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7308
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

13

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 8:54 am



13


قال قدري وهو يجفف وجهه بذيل جلبابه :
فلنجلس لنتناول طعامنا .
فقال همام وهو ينظر نحو الشمس المائلة للغروب :
نعم , سرقنا الوقت .
تربعا على الرمال تحت سفح المقطم , و حل همام عقدة المنديل الأحمر المخطط فكشف عن خبز و طعمية و كراث , و راحا يأكلان . و ينظران بين الحين و الآخر محو أغنامهما , التي هام بعضها على وجهه , و قعد البعض ليجتر في راحة و سلام . لم يكن ثمة ما يميز بين الشقيقين في الملامح و القسمات , غير أن نظرة الصائد المتجلية في عيني قدري أضفت على سحنته حدّة ميزته بطابع خاص . و عاد قدري يقول وهو يطحن الطعام المحتشد في فمه :
لو كان هذا الخلاء لنا دون شريك لرعينا أغنامان مرتاحي البال ,
فقال أدهم باسماً :
و لكن هذا الخلاء مقصد الرعاة من العطوف و كفر الزغاري و الحسينية , ومن الممكن أن نصادقهم و نتقي شرهم .
فضحك قدري ضحكة هازئة انطلقت من فيه مع فتات طعامه وقال :
هذه الحواري عندها جواب واحد لمن ينشد صداقتها هو الصفعات , لكن ...
لا لكن يا ابن أبي , إني أعرف طريقة واحدة , وهي أن أجذب الرجل من جلبابه وأنطحه في جبينه فينقلب على وجهه أو قفاه .
لذلك لا نكاد محصي أعداءنا .
ومن كلفك بإحصائهم ؟ !
و تابع همام جِدياً أوغل في الابتعاد فراح يصفر له حتى توقف و دار عائداً في صمت الحكيم . و انتقى عوداً من الكراث و مسحه بأصابعه فدفعه في فيه متلذذاً, ثم قال وهو يتمطق :
و لذلك تجدنا وحدنا , و يمضي الوقت الطويل دون أن نتكلم .
وما حاجتك على الكلام و أنمت تغني طوال الوقت ؟ ! .
فنظر همام إليه بثقة و قال :
سأجد دائماً عللاً للضيق , الوحدة أو غيرها .
و ساد صمت وضح فيه التمطق , و لاحت عن بعد جماعة عائدة من الجبل نحو العطوف , تسير على غناء منشد كالحادي و الآخرون يرددون . فقال همام :
هذه الناحية من الخلاء امتداد لحينا , ولو ذهبنا شمالاً أو جنوباً فأغلب الظن أننا لن نعود .
فضحك قدري ضحكة مجلجلة و قال :
ستجد في الشمال وفي الجنوب أناساً يودون قتلي و لكنك لن تجد واحداً يجرؤ على منازلتي .
فقال همام وهو ينظر نحو الأغنام :
لا يمكن إنكار شجاعتك , و لكن لا تنسى أننا نعيش بفضل اسم جدنا وسمعة عمنا المخيفة رغم ما بيننا وما بينه من خصام .
فعقد قدري مابين حاجبيه احتجاجاً , ولكنه لم يجهر بمعارضة .
و اتجه بصره نحو البيت الكبير الذي لاح عن بعد في الغروب هيكلاً ضخماً مطموس المعالم , و قال :
هذا البيت ! لم أشهد له مثيلاً , في خلاء يكتنفه من جميع النواحي , و على مقربة من حوار و أزقة اشتهرت بالجبروت و المشاكسة , صاحبه جبار بلا جدال , هذا الجد الذي لم ير أحفاده وهو على بعد أذرع منه !
فاتجه بصر همام ناحية البيت , ثن قال :
إن أبانا لا يذكره إلا مصحوباً بالاجلال و الاكبار .
و عمنا لا يذكره إلا مصحوباً باللعنات .
فقال همام باشفاق :
هو جدنا على أي حال .
وما جدوى ذلك يا غلام ؟ إن أبانا يكدح وراء عربته , وأمنا تكد طوال النهار و شطراً من الليل , ونحن نعاشر الأغنام حفاة شبه عراة , أما هو فقابع وراء السوار , بلا قلب , متمتع بنعيم لا يخطر على بال .
فرغا من الطعام , نفض همام المنديل و لفه ثن دسه في جيبه , و استلقى على ظهره متوسداً ذراعيه , مرسلاً ناظريه إلى السماء الصافية, وهي تقطر هدوء المغيب , و الحداي تولى في الآفاق . و نهض قدري و انتحى جانباً ليبول , و قال :
يقول أبونا أنه كان يخرج كثيراً في الماضي فيمر بهم في ذهابه و إيابه , أما اليوم فلا يراه أحد , و كـأنما يخاف على نفسه .
فقال همام بنبرات حالمة :
كم تمنيت أن أراه .
لا تحلم بأن ترى شيئاً خارقاً , ستجده شبيهاً بأبينا أو عمنا , أو بكليهما معاً , إني أعجب لوالدي كيف لا يذكره إلا بالإجلال رغم ما ناله على يديه .
الظاهر أنه كان شديد التعلق به , أو أنه امن بعدالة ما نزل به من عقاب .
أو أنه ما زال يطمع في عفوه .
إنك لا تفهم أبانا , إنه رجل ودود المعشر .
و عاد قدري إلى مجلسه وهو يقول :
إنه لا يعجبني , و أنت لا تعجبني , أؤكد لك أن جدنا شخصاً شاذ لا يستحق الاحترام , و لو كانت به ذرة من خير ما جفا لحمه هذا الجفاء الغريب , إني أراه كما عمنا لعنة من لعنات الدهر .
فقال همام باسماً :
لعل أرذل ما فيه هو ما تتباهى به أنت , أعني القوة و البطش .
فقال قدري بحدة :
لقد نال هذه الأرض هبة بلا عناء ثم طغى و استكبر .
لا تنكر ما اعترفت به منذ قليل , إن الوالي نفسه لم يكن بوسعه أن يعيش وحده في مثل هذا الخلاء .
وهل تجد في الحكاية التي رويت لنا مسوغاً حقاً لغضبه على والدينا ؟
إنك تجد أهون منها سبباً كافياً للبطش بالناس !
تناول قدري الكوز و مضى يشرب حتى روي , ثم تجشأ و قال :
ماذنب الأحفاد ؟ إنه لا يدري ما رعي الغنم , سحقاً له ! أود لو أعرف وصيته , و ماذا أعّد لنا !
فتنهد همام و قال بصوت حالم :
ثروة تريح من العناء , كي يفرغ المرء لقلبه , و يمضي العمر في يسر و طرب .
إنك تردد قول أبينا , نشقى في التراب و الطين و نحلم بالناي في حديقة غناء , الحق أقول إني أعجب بعمي أكثر من أبي .
فجلس همام وهو يتئاءب , ثم نهض يتمطى , و قال :
على أي حال صرنا شيئاً , لنا مأوى سعنا , ورزق يحفظ علينا الحياة , وأغنام نرعاها , نبيع لبنها و نسمنّها لنبيعها أيضاً , ومن شعرها تغزل أمنا الكساء .
و الناي و الحديقة ؟
فلم يجب , و اتجه نحو الأغنام بعد أن تناول عصاه الملقاة عند قدميه .
ووقف قدري , وصاح موجهاً خطابه إلى البيت الكبير في عبث :
أسمحت بأن ترثك أن ستعاقبنا في موتك كما عاقبتنا في حياتك ؟
أجب يا جبلاوي .
وردد الصدى : " أجب يا جبلاوي ! " .



_________________
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7308
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

14

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 9:02 am




14
ورأيا عن بعد شخصاً يتجه نحوهما لم تتضح معالمه , و مضى القادم يقترب رويداً حتى تبيناه , فانتصبت قامة قدري بحركة تلقائية و شعّ ت عيناه الجميلتان نور ابتهاج . و لحظ همام أخاه باسماً , ثم نظر إلى الأغنام في غير مبالاة و همس بلهجة تنبيه :
الظلام غير بعيد .
فهتف قدري باستهانة :
فليأت الفجر إذا شاء .
و خطا خطوات نحو الأمام ملوحاً بذراعيه في ترحاب للفتاة . وأخذت تدنو من موقفهما , مجهدة من المشي , لطول المسافة من ناحية و لمقاومة الرمال لشبشبها من ناحية أخرى , متطلعة نحوهما ببصر لا مع يعكس مع فتنة العينين الخضراوين جرأة . و بدت ملتفة بملاءتها اللف حتى الكتفين , مطلقة الرأس و العنق عاريين فعبث الهواء بضفيرتها . و ارتفع صوت قدري بسرور ميح عن وجهه إمارات الحدة :
أهلاً بهند .
فأجابت بصوت رقيق :
أهلاً بك ( ثم مخاطبة همام ) مساء الخير ياابن عمي ,
فقال همام باسماً :
مساء الخير يا ابنة العن , كيف حالك ؟
و تناول قدري يدها و سار بها نحو الصخرة الكبيرة القائمة على بعد أمتار من موقفهما , و دارا حول الصخرة حتى ضلعها المواجه للجبل فصارا في منعزل عن الخلاء ومن فيه . و جذبها نحوه فأحاطها بذراعيه , ثم قبل ثغرها قبلة طويلة حتى تماسّت ثناياهما وغابت الفتاة في لحظة استسلام مذهلة . و استطاعت أن تتخلص من ذراعيه , و أن تقف مضطربة الأنفاس فتحكم لف ملاءتها , ة تتلقى نظراته المهاجمة بنظرة باسمة . و لكن الابتسامة اختفت كأنما لخاطرة خطرت , و تقوصت الشفتان في تبرم , ثم قالت :
جئت بعد معركة , أف , هذه الحياة لا تطاق .
فقطب قدري لإدراكه ماتعني و قال بحدة :
لا تبالي بشيء إننا أبناء الحمق , أبي الطيب رجل غبي , و أبوك الشرس لا يقل عنه غباء , إنهما يودان أن يورثانا الكراهية , فيا للغباء ! خبريني كيف تيسر لك المجيء ؟
فنفخت و قالت :
مضى اليوم كالأيام السابقة في نقار متواصل بين أبي و أمي , و صفعها مرة أو مرتين فصرخت تلعنه و صبّت غضبها على قلة فحطمتها , و لكن غضبها اليوم وقف عند هذا الحد , إنها كثيراً ما تمسك بخناقه متحدية لطماته , و تدعو عليه إذا غلبت على أمرها , أما إذا غلبته الخمر فلا سلامة إلا البعد عن وجهه . كثيراً ما أشعر بالرغبة في الهرب , و بكراهية شديدة لهذه الحياة , و لكنّي أروح عن نفسي بالبكاء حتى تؤلمني عيناي . ما علينا , انتظرت حتى ارتدى ثيابه و ذهب , فتناولت الملاءة و لكن أمي تعرضت لي نحاول منعي كالعادة , و لكني تخلصت منها و مضيت إلى الخارج .
فتناول قدري يدها بين يديه وتساءل :
ألا تخمن أين تذهبين ؟
لا أظن , لا يهمني , إنها على أي جال لا تجرؤ على إخبار أبي .
فضحك قدري ضحكة مقتضبة و سألها :
ماذا تظنينه يفعل لو عرف ؟
فرددت ضحكته في حيرة و قالت :
إني لا أخشاه رغم شدته , بل أقول لك غني أحبه , وهو يحبني في سذاجة لا تتفق وحدة طباعه , و لا يبالي أن يقول غنني أغلى شيء في دنياه , و لعل هذا هو أصل متاعبي .
جلس قدري على الأرض أسفل الصخرة و دعاها على الجلوس بأن ربت الموضع جانبه , و جلست وهي تتخفف من حبكة الملاءة , و مال نحوها فلثم خدها , ثم قال :
يبدو أن غزو أبي أيسر من غزو أبيك , ومع ذلك فشدّ ما يبدو فضاً إذا جاء ذكر لبيك , أنه ينكر عليه صفات .
فضحكت قائلة وهي تذكر ما تردد عن ذكره :
بني ادم !...كذلك ينكر أبي عليه .
فحدجها بنظرة استنكار فقالت :
أبوك ينكر على أبي فظاظته , و أبي ينكر على أبيك طيبته , و المهم أنهما لم يتفقا على شيء .
فندت عن رأس قدري حركة كأنما ينطح الهواء و قال بتحد :
لكننا سنفعل مانشاء .
فقالت همد وهي تنظر نحوه بعطف و إشفاق :
أبي يستطيع أن يفعل ما يشاء كذلك !
و أنا قادر على أشياء كثيرة , ماذا يريد لك هذا العم السكير ؟
فضحكت على رغمها , و قالت بلهجة تشي بالاحتجاج و المداعبة معاً :
تكلم عن أبي بأدب
وواصلت الكلام وهي تقرصه في أذنه :
طالما ساءلت نفسي عما يريد لي , فخيل إلي أحياناً أنه يكره أن يزوجني من أحد .
فحملق فيها منكراً فعادت تقول :
رأيته مرة يرمي بيت جدنا بنظرة غاضبة و يقول : " إذا كان قد رضي لأبنائه و أحفاده بالهوان فهل يرضى بها لحفيدته ؟ لا مكان لائق بهند غلا هذا البيت المغلق " . ومرة قال لأمي إن فتوة كفر الزغاري يرغب في الزواج مني ففرحت أمي فصاح بها حانقاً : : " يا وضيعة ... يا خسيسة , من يكون فتوة كفر الزغاري هذا ؟ إ، أحقر خادم في البيت الكبير أشرف منه و أنظف " فسألته أمي في حسرة : " فمن تراه الجدير بها ؟ " فصاح : " علم ذلك عند الطاغية المتواري خلف أسوار بيته , إنها حفيدته , و ليس في الأرض من هو أهل لها ! أريد لها زوجاً مثلي أنا " فقالت أمي على رغمها : " أتريدها أن تكون تعيسة مثل أمها ؟ " فهجم عليها كالوحش و راح يركلها بشدة حتى جرت خارج الكوخ !
هذا هو الجنون بعينه .
إنه يكره جدنا , و يلعنه كلما ذكره , لكنه في أعماقه يتيه ادلالاً بأبوته
فكور قدري قبضته و جعل يضرب بها فخذه و يقول :
لعلنا نكون اسعد حالاً لو لم يكن ذلك الرجل جداً لنا ..
فقالت بمرارة :
لعلنا .
فجذبها إلى صدره بشدة تناسب الحدة في قوله و ضمها إليه بقوة , و استبقاها هكذا بين يديه ريثما تمر فترة الانتقال بين الشواغل المتعبة و بين الهيام الموعود , و قال :
أعطيني فاك
عند ذاك تراجع همام من موقفه عند الصخرة , و اتجه بخفة نحو الأغنام وهو يبتسم بحياء و أسى . خيل إليه أن الهواء يثمل بأنفاس الحب , و إن الحب ينذر بالماسي . لكنه قال لنفسه : " صفا وجهه ورقّ , لا يرى على هذا الحال إلا خلف الصخرة , فمن لنا بقوة هذا الحب السحرية لتزيل متاعبنا ؟ " . هنا و السماء تشحب في استسلام , و أنفاس المغرب تتردد في خمول , و السحرة نزحف كنغمة وداع وانية , وهناك تيس يثب على عنزة . و عاد همام يحدث نفسه : " ستفرح أني يوم تلد هذه العنزة , و لكن ميلاد إنسان قد يجيء بالكوارث , فوق رؤوسنا لعنة من قبل أن نولد , و أعجب عداوة هب التي لا تجد لها من مبرر إلا أنها بين أخوين , إلى متى نعاني من هذه الكراهية , لو نُسي الماضي لابتهج الحاضر , و لكنا سنظل نتطلع إلى هذا البيت الذي لاعزة لنا إلا به و لا تعاسة غلا بسبب منه " . و علقت عيناه بالتيس فابتسم . و مضى يدور حول الغنم وهو يصفر و يلوح بعصاه . و حانت منه التفاتة نحو الصخرة الكبيرة الصامتة فبدت في وقفتها كأنها لا تبالي شيئاَ في الوجود .


_________________
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7308
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

15

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 9:05 am


15
استيقظت أميمة كعادتها عندما لم يتبق في السماء إلا نجمة واحدة . و نادت أدهم حتى استيقظ متأوهاً . و نهض الرجل فغادر غرفته مثقلاً بالنعاس إلى غرفة خارجية متصلة بها حيث ينام قدري و همام فأيقظهما . و بدا الكوخ في مظهره الجديد نامياً ممتداُ كأنه بيت صغير , وأحاط به سورٌ ضم إليه فراغاً خلفياً لإيواء الأغنام . و انتشرت على السور أفرع اللبلاب فلطفت من جفاء مظهره , و دلت على أن أميمة لم تيأس بعد من تحقيق حلمها القديم بأن تهذب ما استطاعت كوخها على مثال البيت الكبير . و اجتمع الرجال في الفناء حول صفيحة مملوءة بالماء , فغسلوا وجوههم , و ارتدوا جلابيب العمل , و حمل الهواء من داخل الكوخ رائحة احتراق خشب , و بكاء الإخوة الصغار . و أخيراً جلسوا حول الطبلية أمام مدخل الكوخ يأكلون من حلة فول مدمس . و كان جو الخريف رطيبا مائلاً للبرودة في هذه الساعة المبكرة ولكنه لاقى أجسما قوية صمدت حيال نزواته . . وعن بعد بدا كوخ إدريس و قد كبر و امتد كذلك , أما البيت الكبير فقام في صمت منطوياً على ذاته كأنما لا يربطه سبب بهذا العالم الخارجي . و جاءت أميمة تحمل كوز لبن محلوب لتوه فوضعته على الطبلية و جلست . وعند ذاك سألها قدري بسخرية :
لماذا لا تبيعين اللبن إلى بيت جدنا الموقر ؟
فالتفت إليه أدهم برأسه وخط المشيب فوديه و قال :
كل و أنت ساكت , السكوت غاية ما نرجو عندك من خير .
وقالت أميمة وهي تطحن ما في فيها :
آن لنا أن نخلل الليمون و الزيتون و الفلفل الأخضر , كنت يا قدري تبتهج في أيام التخليل و نشترك في حشو الليمون .
فقتال قدري في مرارة :
كنا نبتهج ونحن صغار حتى بلا سبب .
و ماذا يشقيك اليوم يا أبا زيد الهلالي ؟
فضحك قدري و لم يجب . أما همام فقال :
يوم السوق قريب , ينبغي أن نفرز الأغنام .
فهزت الأم رأسها بالإيجاب , على حين وجّه الأب خطابه إلى قدري قائلاً :
يا قدري لا تكن فظاً , لا أقابل شخصاً يعرفك إلا شكاك غلي , أخشى أن تعيد سيرة عمك في هذه الحياة .
أو سيرة جدي !
فاتقدت عينا أدهم استياء و قال :
لا تذكر جدك بسوء , هل سمعتني أفعل ذلك ؟ ثم أنه لم يسيء إليك .
فقال قدري باستنكار :
أساء إلينا ما دام أساء إليك .
اسكت , نقِّطتا بسكوتك .
بسببه كتبت عليما هذه الحياة , و هي أيضاً مصير بنت عمنا
فقال أدهم في عبوس :
مالنا و مالها أبوها علة الكارثة .
فهتف قدري :
أعني أنه ماكان يصح أن تنشأ من دمنا في الخلاء و العراء , ثم خبرني أي رجل ستتزوج هذه الفتاة ؟
ليكن الشيطان نفسه , لا شأن لنا بها , لا شك أنها مفترسة مثل أبيها .
و نظر محو زوجه كأنما ينشد تأييداً فقالت أميمة :
نعم , مثل أبيها .
فبصق ادهم قائلاً :
ملعونة هي و أبوها !
فتساءل همام :
ألا يفسد هذا الحديث علينا طعامنا ؟
فقالت أميمة برقة :
لا تبالغ , إن اسعد الأوقات وقت اجتماعنا
هنا ترامى غليهم صوت إدريس كالهدير وهو يلعن ويسب , فقال أدهم بتقزز :
بدأت صلاة الصبح !
و تناول آخر لقمة ونهض ثم اتجه نحو عربته وراح يدفعها أمامه وهو يقول : " تركتكم بعافية " فردوا عليه : " مع السلامة " و مضى الرجل مبتعداً صوب الجمالية . وقام همام فمضى محو الحظيرة من ممشى جانبي , ومالبث أن تعالى ثغاء الأغنام ووقع أظلافها فملئت الممشى في طريقها على الخارج . و نهض قدري كذلك فتناول عصاه ولوح لأمه مودعاً و لحق بأخيه . وعندما اقتربا من كوخ إدريس تصدى لهما فتساءل ساخراً :
بكم الرأس ياجدع ؟
فحدجه قدري بنظرة حب استطلاع على حين تجنب همام النظر إليه . وعاد إدريس يتساءل في إنكار :
ألا يتفضل أحدكما بالجواب يا ابني بياع الخيار ؟
فقال قدري لحدة :
إذا أردت الشراء فاذهب إلى السوق
فتساءل إدريس مقهقهاً :
و إذا قررت الاستيلاء على أحدها ؟
وجاء صوت هند من الداخل وهي تقول :
أبي , لا نريد فضائح
فأجابها مداعباً :
اهتمي بشأنك أنت , ودعيني لسلالة الجواري !
فقال همام :
نحن لا نتعرض لم فلا تتعرض لنا .
آه , صوت أدهم , كان ينبغي أن تكون بين الأغنام لا وراءها .
فقال همام محتداً :
أمرنا أبي ألا نجيب على تحرشك بنا .
فقهقه إدريس عالياً و قال :
جزاه الله كل خير ,. لولا أنره هذا لكنت في الهالكين ! ( ثم بلهجة خشنة ) .. أنكما تعيشين عزيزين بفضل اسمي , لعنة الله عليكم جميعاً , غورا من وجهي
وواصلا سيرهما وهما يلوحان من حين إلى حين بعصويهما, و لبث همام ممتقع اللون من الانفعال فقال لقدري:
هذا الرجل مقيت ,ما أقذره , حتى في هذه الساعة المبكرة تنفث أنفاسه رائحة الخمر .
فقال قدري وهما يوغلان وراء الأغنام في الخلاء :
إنه يتكلم كثيراً ! و لكنه لم يمد لنا يداً بأذى
فقال همام محتجاً :
بل استولى أكثر من مرة على بعض أغنامنا .
إنه سكير , وهو للأسف عمنا , لا مهرب من الإقرار بذلك ,
وساد الصمت قليلاً وهما يتجهان محو الصخرة الكبيرة , وفي السحب سحب متفرقة , و الشمس ترسل أشعتها فتغمر الرمال المترامية . وضاق همام بكتمان ما يود قوله فقال :
ستخطئ خطأًَ كبيراً إذا و صلت أسبابك بأسبابه
فاشتعلت عينا قدري بنظرة غاضبة و هتف :
لا تحاول نصحي , حسبي أبوك
فقال همام وهو لم يفق بعد من إهانات إدريس :
حياتنا موفورة المتاعب فلا تزدها
فصاح قدري :
فلتسحقكم المتاعب التي يخلقونها بأنفسكم , أما أنا فافعل ما أشاء
وكانا قد بلغا الموضع الذي يسرحان عنده الأغنام فالتفت همام نحو أخيه و تساءل :
أتظن أنك ناجٍ من عواقب أفعالك ؟ !
فقبض قدري على منكبه و صاح :
ما أنمت إلا حسود
فدهش همام . دهمه قول أخيه الذي لم يتوقعه . و لكنه كان متعوداً من ناحية أخرى على مفاجاته ومفرقعاته . ورفع يده عن منكبه وهو يقول :
اللهم احفظنا .
فشبك قدري يديه على صدره وهو يهز رأسه ساخراً فقال همام :
خيرما أفعل أن أتركك لنفسك حتى تندم , لن تقر بخطأ , ولن تقر به إلا بعد فوات الفرصة .
وأولاه ظهره متجهاً نحو جانب الصخرة الظليل . ووقف قدري مكفهر الوجه تحت الأشعة الحامية .


_________________
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7308
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

16

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 9:09 am




16


جلست أسرة أدهم أمام الكوخ تتناول عشاءها في ضوء النجوم الخافت , وإذا بحدث يقع لم يشهد له الخلاء مثيلاً مذ طرد ادهم . فتح باب البيت الكبير و خرج منه شيخ حاملاً مصباحاً . و تطلعت الأعين إلى المصباح في دهشة انعقدت لها الألسنة , و تابعنه وهو يتحرك في الظلام ككوكب أرضي , و عندما توسط المسافة بين البيت و الكوخ تركزت الأبصار على الشبح لتتبينه على ضوء المصباح المنعكس حتى همس أدهم : " هذا هو عم كريم بواب البيت " . و تضاعفت الدهشة عندما أيقنوا من أنه يقصدهم فوقفوا جميعاً , بعضهم اللقمة في يده و البعض اللقمة في فيه بلا حراك . و بلغ الرجل موقفهم فوقف رافعاً يده وهو يقول :
مساء الخير يا سيدي أدهم
ارتجف أدهم لدى سماعه الصوت الذي انقطع عنه منذ عشرين عاماً , فدعا من أعماق ذاكرته نبرات الأب العميقة وشذا الياسمين و الحناء و حنيناَ و أشجاناً فمادت به الأرض . و قال وهو يقاوم دموعه :
مساء الخير يا عم كريم
فقال الرجل بتأثر غير خاف :
لعلك أنت و أهلك بخير
الحمد للله يا عم كريم
فقال الرجل برقة :
أود أن أعرب لك عما بنفسي و لكنني كلفت فقط بان أبلغك بأن سيدي الكبير يدعو ابنك همام لمقابلته فوراً
و ساد الصمت , فتبادلوا النظرات , وإذا بصوت يتساءل :
همام وحده ؟
و التفتوا ساخطين نحو إدريس الذي بدا عن كثب وهو يصغي , غير أن عم كريم لم يجب , و رفع يده تحية ورجع صوب البيت الكبير تاركاً الجميع في ظلام . و تغيظ إدريس منه فصاح به :
أتتركني بلا جواب يا ابن اللئيمة ؟
و أفاق قدري من ذهوله فتساءل غاضباً :
لماذا همام وحده ؟
فردد إدريس تساؤله :
نعم لماذا همام وحده ؟
فقال له أدهم , ولعله وجد في مخاطبته متنفساً عن أزمته :
عد على كوخك و دعنا في سلام
سلام ؟ إني أقف حيث أشاء
و تطلع همام إلى البيت الكبير صامتاً . و قلبه يخفق بشدة خيل إليه معها أن المقطم يردد صداه . و قال له أبوه بتسليم :
اذهب يا همام على جدك مصحوباً بالسلامة .
فالتفت قدري على أبوه يسأله في حدّة وتحدي :
و أنا ؟ ألست ابنك مثله ؟
لا تتكلم كما يتكلم إدريس يا قدري , إنك ابني مثله بلا أدنى ريب , و لا لوم علّي فلست أنا الداعي
فقال إدريس محتجاً :
ولكن بوسعك أن تمنع تمييز أخ عن أخيه .
هذا شان لا يعنيك ( ثم مخاطباً همام ) يجب أن تذهب , و سيأتي دور قدري , إنني واثق من ذلك
فقال إدريس وهو يهّم بالذهاب :
إنك أب ظالم مثل أبيك , مسكين قدري , لماذا يعاقب دون ذنب ؟ لكن اللعنة تنزل أول ما تنزل في أسرتنا بالممتازين , ألا لعنة الله على هذه الأسرة المجنونة !
و مضى فابتلعته الظلمة . وعند ذاك هتف قدري:
إنك تظلمني يأبي .
لا تُعد أقواله , تعال يا قدري و اذهب ياهمام
فقال همام بحرج :
وددت لو كان معي أخي
سيلحق بك
فصاح قدري بحنق :
أي ظلم هذا ! لماذا آثره عليّ ؟ إنه لم يعرفه كما لم يعرفني فلماذا يختصه بالدعاء ؟
فدفع أدهم همام قائلاً:
اذهب
فسار همام , وهمست أميمة :
تحفظك العناية
و احتضنت قدري باكية و لكنه تخلص من ذراعيها و مضى قي اثر أخيه فصاح به أدهم :
عد يا قدري و لا تقامر بمستقبلك
فقال قدري بغضب :
لن ترجعني قوةَ على الأرض
وعلا صوت أميمة بالبكاء , و بكى الصغير في الداخل . و أوسع قدري خطاه حتى لحق بأخيه , وعلى كثب منه في الظلام رأى شبح إدريس يسير ممسكاً بيد هند . ولما بلغوا باب البيت دفع إدريس قدري إلى يسار همام و هند إلى يمينه و تراجع خطوات وهو يصيح :
افتح يا عم كريم , جاء الأحفاد للقاء جدّهم
و فنح الباب وظهر على عتبته عم كريم و بيده المصباح , وقال بأدب :
فليتفضل سيدي همام بالدخول
فهتف إدريس :
وهذا أخوه قدري , وهذه هند وهي صورة مكررة من أمي التي ماتت باكية .
فقال عم كريم بأدب :
أنت تعلم يا سيدي إدريس أنه لا يدخل هذا البيت إلا من يؤذن له .
و أشار على همام فدخل , وتبعه قدري آخذاً بيد هند و لكن علا صوت من الحديقة عرفه إدريس وهو يقول بصرامة :
اذهبا بعاركما أيها الملوثان
تسمرت أقدامهما . و أغلق الباب . و انقض إدريس عليهما فقبض على منكبيهما بقبضتيه و تساءل بصوت متهدج من الغضب :
أي عار يعني ؟
وصرخت هند ألماً , على حين تحول قدري فجأة نحو إدريس و رفع يديه عنه وعن هند , فأفلتت هند وولت هاربة في الظلام . و تراجع إدريس بخفة إلى الوراء ثم وجه إلى قدري لكمة فتحملها الشاب رغم قوتها ووجه إليه لكمة أشد . و اندفعا يتبادلان الضرب و الركل بقسوة ووحشية تحت سور البيت الكبير . ز صاح إدريس :
سأقتلك يا ابن العاهرة
فصاح قدري :
سأقتلك قبل أن تقتلني
و تبادلا الضربات حتى سال الدم من فم قدري و أنفه . و جاء ادهم جرياً كالمجنون و صاح بأعلى صوته :
اترك ابني يا إدريس
فصاح إدريس بحقد :
سأقتله بجريمته
لن أدعك تقتله , ولن أدعك تعيش إن قتلته
و جاءت أم هند مولولة وهي يصيح :
فرّت هند يا إدريس , أدركها قبل أن تختفي
ورمى أدهم بنفسه بين إدريس و قدري , وصاح بأخيه :
أفق , إنك تقاتل بلا سبب , بنتك طاهرة لم تمس ّ لكنك أرعبتها ففرت , أدركها قبل أن تختفي
وجذب قدري إليه , ورجع به مسرعاً وهو يقول :
أسرع .. تركت أمك في حالة إغماء .
أما إدريس فنطلق في الظلام وهو يصرخ بأعلى صوته : " هند .. هند .."


_________________
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7308
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

17

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 9:12 am



17
تبع همام كريم فاجتازا الممشى تحت عريشة الياسمين متجهين نحو السلاملك . بدا الليل في الحديقة شيئاً جديداً , لطيفاً رطباً مترعاً بنشوات الأزهار و الرياحين فانسكب بروعته في أعماق روحه . وامتلأ الشاب بشعور جلال و افتتان , وحنين مودة عميقة للمكان , وبأنه مقبل على أجمل لحظات عمره . وتراءت لعينيه وراء شيش بعض النوافذ , ونور قوي ينبعث من باب البهو فراشاً على أرض الحديقة تحته شكلاً هندسياً , فخفق قلبه وهو يتخيل الحياة خلف النوافذ وفي الأبهاء , كيف تكون ومن يحياها . و زاد قلبه خفقاناً حينما تمثلت لخاطره هذه الحقيقة العجيبة وهي أنه مخلوق من سلالة هذا البيت و نطفة من هذه الحياة , وأنه جاء ليلقاها وجهاً لوجه في جلباب ازرق بسيط وطاقية باهتة , منتعلاً أديم الأرض . ورقيا في سلم السلاملك , فمالا إلى جناح الشرفة الأيمن نحو باب صغير , فتح على سلم فصعدا في صمت لا ينم عن حياة , حتى بلغا ردهة طويلة مضاءة بمصباح يتدلى من سقف مزركش , و اتجها نحو باب كبير مغلق يتوسط الردهة . وقال همام لنفسه في تأثر بالغ : " في موضع من هذه الردهة , لعله هذا الموضع عند رأس السلم , وقفت أمي منذ عشرين عاماً لتراقب الطريق , أية ذكرى تعيسة! " . ونقر عم كريم على الباب الكبير مستأذناً القادم , ثم دفعه برقة وتنحى لهمام جانباً وهو يشير له بالدخول . ودخل الشاب في أناة و أدب و رهبة , فلم يسمع صوت الباب وهو يغلق وراءه , ولم يشعر إلا شعوراً غامضاً بالنور المضيء في السقف و الأركان , أما وعيه كله فقد انجذب نحو الصدارة حيث تربع الرجل على ديوان . لم يكن رأى جّده من قبل و لكنه لم يشك في هوية الجالس أمامه , فمن يكون هذا الهائل إن لم يكن جده الذي سمع عنه الأعاجيب ؟ واقترب من مجلسه وهو يتلقّى من عينيه الكبيرتين نظرة استلت من ذاكرته جميع ما فيها , و لكنها بثت في الوقت نفسه طمأنينة و سلاماً . و انحنى حتى كادت تمس جبهته طرف الديوان , ومد يده , فأعطاه الآخر يده , فلثمها من الأعماق , و قال بشجاعة غير متوقعة :
مساء الخير يا جدّي .
فجاءه الجواب من صوت جهوري لم يخل من أنغام رحمة :
أهلاً بك يا ابني , اجلس
و اتجه الشاب نحو مقعد إلى يمين الديوان و جلس على حافته فقال الجبلاوي :
خذ راحتك في مجلسك .
فنزحزح همام على الداخل و قلبه يرتوي من المسرّة و تحركت شفتاه بشكر مهموس ثم ساد الصمت . و لبث ينظر في نقوش السجادة تحت قدميه , وهو يشعر بموقع النظرة المسددة نحوه كما نشعر بموقع الشمس منا دون أن نراها . وإذا بذهنه يتجه فجأة نحو الخلوة القائمة على يمينه , فلحظ بابها بخوف و كآبة , وإذا بالرجل يسأله:
ماذا تعرف عن هذا الباب ؟
فارتجفت أوصاله , وعجب كيف يرى كل شيء , و قال بخشوع :
أعرف أنه فاتحة ماساتنا .
و ماذا ظننت بجدّك لدى سماعك الحكاية ؟
وفتح فاه ليتكلم فبادره الرجل :
أصدقني القول .
فأثرت فيه اللهجة إلى حد أن قال فيما يشبه الصراحة :
بدا لي تصرف والدّي خطأً كبيراً , كما بدا لي عقابهما صارماً شديداً
فابتسم الجبلاوي قائلاً :
هذا هو شعورك على زجه التقريب , إني أمقت الكذب و الخداع , ولذلك طردت من بيتي كل من لوث نفسه .
فاغرورقت عينا همام . فقال الجدّ :
بدا لي أنك شاب نظيف , و لذلك استدعيتك .
فقال همام بصوت رطبته الدموع :
شكراً يا سيدي .
فقال الجد بهدوء :
رأيت أن أعطيك فرصة لم تتح لأحد ممن في الخارج , وهي أن تعيش في هذا البيت , وأن تتزوج به , وأن تبدأ حياة جديدة فيه .
فتتابعت دقات قلب همام في نشوة من الأفراح , و لبث ينتظر أنغاماً جديدة يستكمل بها هذا اللحن البديع كالسمّيع الذي ينتظر الجواب بعد أن طرب للقرار , و لكن الرجل لاذ بالصمت ثم قال :
الشكر لك على نعمتك
إنك تستحقها
ز اختلج نظر الشاب بين جدّه و بين السجادة , ثم تساءل في إشفاق :
وأسرتي؟
فقال الجبلاوي في عتاب :
قلت ما أريد بوضوح
فقال همام باستعطاف :
‘نهم يستحقون رحمتك و عطفك .
فتساءل الجبلاوي بشيء من البرود :
ألم تسمع ما قلت ؟
بلى , و لكنهم أبي و أمي , أخوتي , إن أبي رجل
ألم تسمع ما قلت ؟
وشى الصوت بالضجر فغلب الصمت . وإذا بالرجل يقول إيذاناً بانتهاء الحديث :
ارجع إليهم لتستأذن , ثم عد .
وقام همام ولثم يد جدّه و مضى . وجد عم كريم ينتظر , فتحرك الرجل و تبعه الشاب في سكون . ولما انتهيا إلى السلاملك , رأى همام فتاة في منطقة الضوء بأول الحديقة , وقد سارعت إلى الاختفاء . غير أنه لمح منها العارض و العنق وقامة ممشوقة . و عاد صوت الجدّ يتردد في أذنيه وهو يقول : " أن تعيش في هذا البيت و أن تتزوج به " . بفتاة كهذه الفتاة . و عيشة خيرها أبي . كيف هانت عليه المقامرة ؟ و كيف و بأي قلب تحمّل الحياة بعد ذلك وراء عربة اليد ؟ . وهذه الفرصة السعيدة كأنها حلم . حلم أبي منذ عشرين عاماً . لكني مثقل الرأس .


_________________
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7308
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

18

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 9:16 am



18

عاد همام على الكوخ فوجد أسرته جالسة تترقب عودته . و أحاطوا به مستطلعين و سأله أدهم بلهفة :
ماذا وراءك يا بني ؟
ولاحظ همام أن قدري معصوب العين فقرّب رأسه من وجهه ليتحقق من الأمر فقال أدهم بأسى :
نشبت معركة حامية بين أخيك و بين ذلك الرجل .
وأشار بيده نحو كوخ إدريس الذي بدا غارقاً في الظلمة و الصمت على حين قال قدري بغضب :
كل ذلك بسبب التهمة الخبيثة التي قذفت بها من داخل البيت
و أشار همام نحو كوخ إدريس و تساءل في قلق :
ماذا يحدث هناك ؟
فقال أدهم بحزن :
الرجل وروجه يبحثان عن ابنتهما الهاربة .
فصاح قدري :
من المسئول عن ذلك إلا الرجل الفظّ اللعين !
فتوسلت أميمة قائلة :
اخفت من صوتك
فصاح قدري في حنق :
ماذا تخافين ؟... لا شيء إلا الطمع في عودة لن تتحقق ...صدقيني أنك لن تغادري هذا الكوخ حتى الممات .
فاحتد أدهم قائلاً :
كفى هذياناً , أنت مجنون و حق خالق الكون , الم تكن تريد أن تلحق بتلك الفتاة الهاربة ؟
وسألحق بها
اسكت , لقد ضقت بحماقاتك
و قالت أميمة بجزع :
لن تطيب لنا الحياة بجوار إدريس بعد اليوم
والتفت أدهم نحو إدريس و سأله :
قلت ماذا وراءك ؟
فقال همام لا أثر للسرور فيه :
دعاني جدي إلى الإقامة في البيت الكبير
و ترقب أدهم بقية للحديث فلما لم ينبس الشاب تساءل في يأس :
ونحن , ماذا قال عنا ؟
فهز همام رأسه في حزن و همس :
لا شيء
فضحك قدري ضحكة كلدغة عقرب و سأله في سخرية :
و ماذا جاء بك ؟
نعم ماذا جاء بي , لاشيء إلا أن السعادة لم تخلق لينعم بها أمثالي . وقال بحزن :
لم اقصر في تذكيره بكم .
فقال قدري في حنق :
شكراً , لكن ما الذي جعله يؤثرك علينا ؟
أنت تعلم لا شأن لي بذلك
و قال أدهم وهو يتنهد :
لا شك أنك يا همام خيرنا جميعاً
فهتف قدري في مرارة :
وأنت يا أبي الذي لم تذمره إلا بخير لا يستحقه !
فقال أدهم :
أنت لا تفهم شيئاً
هذا الرجل أسوأ من ابنه إدريس
فتوسلت أميمة قائلة :
إنك تقطع قلبي , و تغلق أبواب الأمل في وجهك
فصاح قدري باستهانة :

لا أمل إلا في هذا الخلاء , أدركوا هذا و أريحوا أنفسكم , إيأسوا من هذا البيت اللعين , أنا لا أخاف هذا الخلاء , حتى إدريس نفسه لا أخافه , و بوسعي أن أكيل له من الضربات أضعاف ما يكيل لي , ابصقوا على هذا البيت و أريحوا أنفسكم
وساءل ادهم في نفسه : " أيمكن أن تمضي الحياة على هذا النحو إلى الأبد ؟ ولماذا أيقظت يا أبي طموحنا إليك قبل أن ترتضي العفو لنا ؟ وأي شيء يمكن أن يلين قلبك إذا كان ذلك الزمن الطويل لم يلينه ؟ وما جدوى الأمل إذا كان ذلك العذاب كله لم يزكِّنا لرحمة من نحب ؟ " . و قال الرجل بصوت كالغروب :
خبِّرني يا همام عما لديك .
فقال همام في حياء :
قال لي اذهب فاستأذن ثم عُد.
وشى الظلام بمحاولة فاشلة اكتم انتحابها , وتساءل قدري في خبث :
وماذا يؤخرك ؟
فقال أدهم في حزن :
اذهب ياهمام مصحوباً بالسلامة و البركات .
وقال قدري بلهجة جدية كاذبة :
اذهب يا شهم ولا تلق بالاً إلى أحد
فصاح أدهم :
لا تهزأ بأخيك الطيب
فقال قدري ضاحكاً :
إنه شرنا جميعاً
فهتف همام في حدة :
إذا قررت البقاء فلم يكون هذا إكراماً لك أنت
وقالت أميمة خلال دموعها :
نعم ..اذهب بالسلامة
فقال همام :
كلا يا أمي , لن أذهب
فتساءل أدهم :
أجننت يا همام ؟
كلا يا أبي , الأمر يحتاج على تفكير و مشاورة
لا حاجة بك إلى ذلك , ولا تحملني ذنباً جديداً
فقال همام لعزم وهو يشير إلى كوخ إدريس :
يخيل لي أن أحداثاً ستقع .
فقال قدري ساخراً :
إنك أضعف من أن تدفع شراً عن نفسك فضلاً عن الآخرين
فقال همام بازدراء :
خير ما أفعل أن أجاهل ما تقول
فعاد أدهم يقول برجاء :
اذهب يا همام .
فاتجه همام نحو الكوخ وهو يقول :
سأظل إلى جانبك .


_________________
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7308
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

19و20

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 9:21 am




19

لم يبق من الشمس إلا الشفق , و انقطعت السابلة , و انفرد بالخلاء قدري و همام و الأغنام . مر النهار فلم يتبادلا طواله إلا ما تقتضيه ضرورة الشركة في العمل . وغاب قدري شطراً كبيراً من النهار فخمن همام أنه يتشمم أخبار هند , و لبث وحده في ظل الصخرة على كثب من الأغنام . و فجأة , وفي شيء من التحدي , سأل قدري همام :
خبرني عما انتويت من ذهابك إلى جدك أو عدولك ؟
فقال همام بامتعاض :
هذا شأن يخصني وحدي
فاحتدم الغيظ في قلب قدري , ولاحت بوادره في وجهه كطلائع الظلام فوق المقطم , و تساءل :
لماذا بقيت ؟ ... ومتى تذهب ؟ ... متى تجد الشجاعة لإعلان نيتك ؟
بل بقيت لأتحمل نصيبي من العناء الذي خلقته فضائحك .
فضحك قدري ضحكة كاسرة وقال :
هكذا تقول لتداري حسدك !
فهز همام رأسه كالمتعجب و قال :
إنك تستحق الرثاء لا الحسد
فاقترب قدري منه و أطرافه ترتجف من الحنق وقال بصون مخنوق بالغضب :
ما أبغضك حين تتظاهر بالحكمة
فحدجه أحمد بنظرة احتقار دون أن ينبس , فعاد الآخر يقول :
يجب أن تخجل الحياة لانتساب أمثالك إليها
فلم يغض همام من بصره تحت النظرات المتقدة التي تنصب عليه و قال بثبات :
اعلم أنني لا أخافك
هل وعدك البلطجي الأكبر بالحماية ؟
إن الغضب يجعل منك شيئاً حقيراً تعافه النفس
وفجأة لطمه قدري على وجهه. لم تدهمه اللطمة فردّها بأشد منها وهو يقول :
لا تتماد في جنونك
وانحنى قدري بسرعة فالتقط حجراً وقذف به أخاه بكل ما أوتي من قوة . وبادر همام ليتفادى الحجر و لكنه أصاب جبينه . ندّت عنه آهة وجمد في موقفه و الغضب يشتعل في عينيه . وإذا بالغضب يختفي منهما فجأة كأنه شعلة ردمت بتراب كثيف . وإذا بفراغ قاتم يحل فيهما فبدت العينان وكأنهما تنظران إلى الداخل . وترنح ثم انكفأ على وجهه . وتبدل قدري حالاً بعد حال , فزايله الغضب , وتركه حديداً بارداً لعد انصهار , وركبه الخوف . ترقب بلهفة أن ينهض المنكفئ أو أن يتحرك و لكنه لم يرحم لهفته . و انحنى فوقه , ومد إليه يده يهزه في رفق و لكنه لم يستجب . وسوّاه على ظهره ليخلص أنفه و فاه من الرمال فاستلقى الآخر محملق العينين ولا حراك به . وركع قدري إلى جانبه , وراح يهزه , ويدلك صدره و يديه , وينظر بفزع إلى الدم المتدفق بغزارة من جرحه . وناداه برجاء فلم يجب . وبدا صمته كثيفاً عميقاً كأنه جزء لا يتجزأ من كيانه . كجموده الذي بدا غريباً عن الحي و الجماد معاً . لا إحساس ولا اهتمام ولا انفعال بشيء . كأنما ألقي إلى الأرض من مكان مجهول فلم يمتّ إليها بسبب . عرف قدري الموت بفطرته فراح يشد شعره في يأس . ونظر فيما حوله خائفاً , لكن لم يكن هناك كمن حي إلا الأغنام و الحشرات . وجميعاً انصرفت عنه دون اكتراث . سينتشر الليل و يستحكم الظلام . و قام بعزم , فجاء بعصاه , و اتجه إلى موضع بين الصخرة الكبيرة و بين الجبل , و راح يحفر الأرض ويرفع التراب بيديه , ويواصل العمل بعناد , وهو يتصبب عرقاً و ترتجف منه الأوصال . وهرع نحو أخيه . هزه و ماداه للمرة الأخيرة دون أن يتوقع جواباً . وقبض على أسفل ساقيه وجره حتى أودعه الحفرة . و ألقى نظرة وهو يتنهد , و تردد ملياً , ثم أهال عليه التراب . ووقف يجفف عرق وجهه بكم جلبابه . وكلما رأى بقعة دم في الرمال غطاها بالتراب . و ارتمى على الأرض من شدة الإعياء . وشعر بقوتّه تتخلى عنه , وبرغبة في البكاء , ولكن الدموع استعصت عليه . وقال : " غلبني الموت " . لم يدعه ولم يقصده و لكنه يجيء كما يحلو له . ولو أنه انقلب تيساً لغاب في الأغنام . أو ذره من رمال لاختفى في الأرض . مادمت لا استطيع أن أرد الحياة فلا يجوز أن أدعي القوة أبداً . إن الذي دفنته لم يكن من الأحياء ولا من الجماد , و لكنه من صنع يدي !


***********
20

عاد قدري إلى الدار يسوق الأغنام , ولم تكن عربة ادهم بموقفها . وجاءه صوت أمه من الداخل وهي تتساءل :
لماذا تأخرتما عن موعدكما ؟
فدفع الأغنام إلى الممشى المفضي على حظيرتها وهو يقول :
غلبني النوم , الم يحضر همام ؟
رفعت أميمة صوتها ليعلو على صوت الطفلين قائلة :
كلا , ألن يكن معك ؟
فازدرد ريقه جافاً و قال :
غادرني منذ الظهر دون أن يخبرني أين هو ذاهب . فظننته رجع على هنا .
فتساءل أدهم وكان قد وصل ومضى يُدخل العربة على الفناء :
هل تشاجرتما ؟
أبداً
أظنك كنت السبب في ذهابه , ولكن أين هو ؟
خرجت أميمة إلى الفناء , على حين أغلق قدري باب الحظيرة وراح يغسل وجهه و يديه من ماء طشت تحت الزير . لابد من مواجهة الموقف . الدنيا تغيرت لكن اليأس قوة . و انض1م إلى والديه في الظلام وهو يجفف وجهه بطرف جلبابه . و تساءلت أميمة :
أين ذهب همام ؟ لم يغب كهذه المرة من قبل .
فوافقها أدهم قائلاً :
بلى خبِّرنا كيف و لماذا ذهب .
و ارتعد قلب قدري لصورة خطرت برأسه , لكنه قال :
كنت جالساً في ظل الصخرة فلاحت مني التفاتة فرايته يبتعد صوب حيِّنا , وهممت أن أناديه ولكني لم افعل .
فقالت أميمة في حسرة :
ليتك ناديته ولن تستسلم لزعلك .
ونظر أدهم حائراً في الظلام حوله , فرأى ضوءاً خافتاً خلال كوة في كوخ إدريس دلّت على أن الحياة دبت فيه من جديد , ولكنه لم يابه لذلك , وثبّت بصره على البيت الكبير و تساءل :
أتراه ذهب إلى جده ؟
فقالت أميمة بإنكار :
لا يفعل ذلك دون إخبارنا .
فقال قدري بصوت شاحب :
لعل الحياء منعه !
فسدد أدهم نحوه نظرة ارتياب منقبض الصدر لخلو صوته من السخرية و العدوان وقال :
دفعناه إلى الذهاب فأبى .
فقال قدري في إعياء :
تحرج من القبول أمامنا .
ليس هذا من خلقه , وأنت مالك كالمريض ؟ !
فقال قدري بحدة :
حملت عبء العمل وحدي .
فهتف أدهم في ضيق المستغيث :
الحق أقول أن قلبي غير مطمئن .
فقالت أميمة بصوت مبحوح:
سأذهب إلى البيت الكبير لأسال عنه .
فهز أدهم منكبيه في يأس و قال :
لم يرد عليك أحد , ولكني أؤكد لك أنه لم يذهب .
فنفخت أميمة في كرب و قالت :
رباه , لم يضطرب هكذا قلبي من قبل , افعل شيئاً يارجل !
فتنهد أدهم بصوت مسموع في الظلام و قال :
فلنفتش عنه في كل ناحية .
فقال قدري :
لعله في الطريق إلينا .
فهتفت أميمة :
لا ينبغي أن ننتظر .
ثم مستدركة في جزع وهي تنظر صوب كوخ إدريس ك
أيكون إدريس قد صادفه في طريقه ؟
فقال أدهم بامتعاض :
غريم إدريس قدري لا همام
إنه لا يتردد عن القضاء على أيّ منا , إني ذاهبة إليه !
فحال أدهم بينها و بين الذهاب وهو يقول :
لا تزيدي أمورنا تعقيداً , أعدك إذا لم أعثر عليه أن أذهب إلى إدريس , وأن أذهب إلى البيت الكبير.
وحدج شبح قدري بنظرة قلقة . ما باله واجماً ؟ ! أليس عنده أكثر مما قال ؟ وأين أنت يا همام ؟!
و اندفعت أميمة لتغادر الفناء فمال أدهم نحوها و أمسك بمنكبها . وإذا بباب البيت الكبير يفتح , فتطلعوا نحوه . ز بعد قليل لاح شبح عم كريم وهو يقترب منهم فخرج إليه أدهم وهو يقول : " أهلاً بك عم كريم " , فحيله الرجل و قال :
سيدي الكبير يسأل عمّا أخر همام ؟
فقالت أميمة بيأس :
لا ندري أين هو حتى ظنناه عندكم .
سيدي يسأل عمّّا أخره ..
فهتفت أميمة :
أعوذ بالله من أوهام قلبي .

وذهب عم كريم . وأخذت أميمة تحرك رأسها في اضطراب ينذر بالانفجار . فساقها أدهم أمامه إلى حجرتهما الداخلية حيث علا بكاء الصغيرين , و صاح بوحشية :
لا تغادري الحجرة , سأعود به , ولكن إياك أن تغادري الحجرة .
و عاد إلى الفناء فعثر على قدري جالساً على الأرض فانحنى فوقه هامساً :
خبرني ماذا تعرف عن أخيك ؟
فرفع رأسه نحوه بشدة ولكن شيئاً منعه من الكلام فعاد الرجل يسائله :
خّبرني يا قدري ماذا فعلت بأخيك ؟
فقال الشاب بصوت لا يكاد يسمع :
لا شيء
و ارتد الرجل نحو الداخل ثم رجع بمصباح ووضعه على عربته فسقط نوره على وجه قدري فافحصه الرجل برهبة و قال :
وجهك ينذر بالشقاء .
وجاء صوت أميمة من الداخل مختلطاً بأصوات الطفلين ليقول كلاماً لم يميزه أحد فصاح أدهم :
اسكتي يا ولية , موتي إن شئت و لكن في صمت !
و عاد إلى تفحص ابنه . و بغتة ارتعدت أطرافه . وأمسك بطرف كمه و قال في فزع :
دم , ماهذا ؟ دم أخيك ؟ !
فحملق قدري في كم جلبابه ثم انكمش بحركة لا إرادية , و حنى رأسه في يأس . اعترف قدري بحركته اليائسة فجذبه أدهم حتى أقامه , ثم دفعه إلى الخارج . دفعه بقسوة لم يعهدها من قبل , و غشى عينيه ظلام فوق الظلام المحيط .




_________________
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7308
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

21 و 22

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 9:28 am





21
دفعه نحو الخلاء قائلاً :
سنميل نحو خلاء الدراسة كيلا نمر أمام كوخ إدريس
و أوغلا في الظلام , و قدري يسير كالمترنح تحت قبضة أبيه الناشبة في منكبه . و نساءل أدهم وهو يجّد في السير بصوت أدركه الهرم :
خبِّرني هل ضربته ؟ بأي شيء ضربته ؟ و على أي حال تركته ؟
لم يجب قدري . كانت قبضة أبيه شديدة و لكنه لم يشعر بها . و كان ألمه شديداً و لكته لم يفصح عنه وود أن الشمس لا تطلع أبداً ..
ارحمني و تكلم , و لكنك لم تعرف الرحمة , وقد قضيت على نفسي بالعذاب يوم أنجبتك , أنا الذي تطاردني اللعنات منذ عشرين عاماً , وها أنا أطلب الرحمة ممن لا يعرفها .
فانفجر قدري باكياً حتى ارتجف منكبه في قبضة أدهم القاسية , وظل يرتجف حتى سرت عدواه إلى أدهم , لكنه قال :
أهذه جوابك ؟ لماذا ياقدري لماذا ؟ كيف هان عليك ؟ اعترف في الظلام قبل أن ترى نفسك في ضوء النهار .
فهتف قدري :
لا طلع النهار !
نحن أسرة الظلام , لن يطلع علينا نهار !. و كنت أحسب الشر مقيماً في كوخ إدريس , فإذا به في دمنا نحن , إن إدريس يقهقه و يسكر و يعربد , أما نحن فيقتل بعضنا البعض , رباه .. هل قتلت أخاك ؟
أبداً !
فأين هو ؟
ما قصدت قتله !
فصاح أدهم :
لكنه قتل !
و أجهش قدري في البكاء و اشتدت قبضة أبيه . إذن قتل همام , زهرة العمل و حبيب الجد , كأنه لم يكن , لولا الألم المفترس ما صدقت .
و بلغا الصخرة الكبيرة فسأله أدهم بصوت غليظ :
أين تركته يا مجرم ؟
فسار قدري نحو الموضع الذي حفره لأخيه ووقف عنده فيما بين الصخرة و الجبل . و تساءل أدهم :
أين أخوك ؟ . لا أرى شيئاً
فقال قدري بصوت لا يكاد يسمع :
همت دفنته .
فصرخ أدهم دفنته ؟ !
و أخرج من جيبه علبة ثقاب و أشعل عوداً و تفحص الموضع على ضوئه حتى رأى قطعة من الأرض قلقة المستوى كما رأى مسحب الجثة الذي انتهى عندها . تأوه أدهم من الألم . وراح يزيح التراب بيدين مرتعشتين . وواصل عمله في جو رهيب حتى مست أصابعه رأس همام . وغرز يديه إلى ما تحت إبطيه و سحب الجثة في رفق . ز جثا على ركبتيه إلى جانبها واضعاً يديه على رأسه , مغمض العينين , مثالاً للتعاسة و الخيبة . وزفر من أعماقه , ثم غمغم :
إن حياة أربعين عاماً من العمر تبدو سخفاً سقيماً أمام جثتك يا بني .
و قام بغتة , ونظر نحو قدري وهو يقف أمام الجثة من الناحية الأخرى , فعانى لحظات كراهية عمياء , وقال بصوت غليظ :
سيعود همام على الكوخ محمولاً على عنقك .
فجفل قدري متراجعاً , ولكن الرجل سارع إليه دائراً حول الجثة ثم قبض على منكبه وهتف :
احمل أخاك !
فقال قدري بصوت كالأنين :
لا استطيع
إنك استطعت قتله
لا استطيع يا أبي
لا تقل " أبي " قاتل أخيه لا أب له , لا أم له , لا أخ له .
لا استطيع
فشد قبضته عليه وقال :
على القاتل أن يحمل ضحيته .
حاول قدري أن يفلت من قبضة أدهم و لكن أدهم لم يمكنه . وانهال على وجهه في عصبية باللكمات فلم يتفادى من لكمة أو يتأوه من ألم . و كف الرجل , ثم قال :
لا تضيع الوقت , أمك تنتظر .
و ارتعد قدري لدى ذكر أمه , فقال برجاء :
دعني اختفي .
فجذبه نحو الجثة وهو يقول :
هلم نحمله معاً
تحول أدهم إلى الجثة ووضع يديه تحت إبطي همام , وانحنى قدري واضعاً يديه تحت الساقين . رفعا الجثة معاً , وسارا في بطء نحو خلاء الدراسة . وأوغل أدهم في مشاعره الأليمة حتى فقد أي شعور بالألم أو بسواه . و لبث قدري يعاني ألماً من خفقان قلبه و ارتجاف أطرافه . وامتلأ أنفه برائحة ترابية نفاذة على حين سرى مس الجثة من يديه إلى أعماقه . وكان الظلام غليظاً بينما نضح الأفق بأنوار الأحياء الساهرة . وشعر قدري باليأس يكتم آخر أنفاسه فتوقف قائلاً لأبيه :
سأحمل الجثة وحدي .
ووضع ذراعاً تحت الظهر و أخرى تحت الفخذين , وسار يتبعه أدهم .

********
22
وعندما اقتربا من الكوخ جاءهما صوت أميمة متسائلاً في جزع :
هل وجدتماه ؟
فصاح أدهم بصوت آمر:
اسبقيني إلى الداخل.
وسيق قدري إلى الكوخ ليتأكد من اختفائها . ووقف قدري عند مدخل الكوخ لا يريد أن ينحرك . و أشار له أبوه بالدخول فامتنع قائلاً بصوت هامس :
لا أستطيع أن ألقاها
فهمس الابن حانقاً :
استطعت ما هو أفظع .
فتشبث قدري بموقفه قائلاً :
كلا , هذه أفظع
و دفعه أدهم أمامه بحزم فاضطّر إلى التحرك حتى بلغ الحجرة الخارجية . وانقض أدهم على أميمة بسرعة فكتم براحته الصرخة التي أوشكت على الإفلات فيها , وقال بقسوة :
لا تصرخي يا ولية , لا ينبغي أن نلفت الأنظار حتى نتدبر الأمر , فلنقاس القدر صامتين , ولنتحمل الألم صابرين , الشر من بطنك ومن صلبي خرج , و اللعنة حقت علينا جميعاً .
وسد فاها بقوة . و حاولت التخلص من يده عبثاً . أرادت أن تعضها فلم تتمكن , اضطربت أنفاسها و خارت قواها فسقطت مغشياً عليها . و لبث قدري واقفاً يحمل الجثة في صمت و خزي مركزاً بصره على المصباح ليتجنب النظر إليها , و اتجه أدهم نحوه , فساعده على وضع الجثة على الفراش , ثم سجاها برفق . و نظر قدري إلى جثة أخيه المسجاة على الفراش الذي اقتسماه طوال العمر فشعر أنه لم يعد له مكان في الدار . و حركت أميمة رأسها , ثم فتحت عينيها فبادر أدهم إليها وهو يقول في حزم :
إياك أن تصرخي
و أرادت أن تنهض فساعدها على النهوض وهو يحذرها من إحداث صوت . وهمت بالارتماء على الفراش فحال دون ذلك , فوقفت مغلوبة على أمرها واندفعت تنفس عن كربها بشد شعرها بقسوة فانتزعت منه خصلات بعد خصلات . ولم يبال الرجل بما تفعل , وقال بغلظة :
افعلي ما يريحك و لكن في صمت .
فقالت بصوت مبحوح :
لبني !!...ابني ..
فقال أدهم في ذهول :
هذه جثته , لم يعد ابنك ولا ابني , وهذا هو قاتله , اقتليه إن شئت .
و لطمت أميمة خديها وقالت لقدري بوحشية :
إن أحط الوحوش تتبرأ من فعلتك !
فحنى قدري رأسه في صمت على حين قال أدهم بوحشية :
هل تذهب هذه الروح هدراً ؟ لا ينبغي أن تحيا , هذه هي العدالة
فهتفت أميمة :
كان أنس أملاً مشرقاً , قلنا له اذهب فأبى و ليته ذهب , لو لم يكن كريماً نبيلاً رحيماً لذهب , ايكون جزاء هذا القتل ؟ ! كيف هان عليك يا صخري القلب ! لست ابني و لست أمك !
لم ينبس قدري لكنه قال لنفسه : " قتلته مرة وهو يقتلني كل مرة ثانية , لست حياً , من قال إني حيّ ؟ ! " . وسأله أدهم بفظاظة :
ماذا أفعل بك ؟
فقال قدري بهدوء ك
قلت أنه لا ينبغي أن أحيا
فهتفت أميمة :
كيف سولت لك نفسك قتله ؟ !
فقال قدري في يأس :
لا جدوى من النواح , إني مستعد للعقاب , و القتل أهون مما أعاني ,
فقال أدهم بحنق :
لكنك جعلت حياتنا أيضاً أفظع من الموت
وهبت أميمة هاتفة وهي تلطم خديها :
لن أحب هذه الحياة , ادفنوني مع ابني , لماذا لا تدعني أصوّت ؟
فقال أدهم بمرارة و سخرية :
ليس شفقة عل حنجرتك و لكني أخشى أن يسمعنا الشيطان .
فقال قدري باستهانة :
فليسمع كيف شاء , لم أعد أكترث للحياة .
و إذا بصوت إدريس يعلوا قريباً من الكوخ :
أخي أدهم تعال يا مسكين .
فسرت الرعدة فيهم جميعاً , غير أن أدهم صاح به :
عد إلى كوخك , واحذر أن تستفزني .
فقال إدريس بصوت قوي :
شر أهون من شر , مصيبتكم نجتكم من غضبي , ولكن لندع هذا الحديث و كلانا مصاب و أنت فقدت العزيز الغالي , وأنا ضاعت ابنتي الوحيدة , كان الأبناء عزاءنا في منفانا و لكنهم ذهبوا , تعال يا مسكين نتبادل العزاء .
إذن ذاع السر ! كيف ذاع ؟ ! ولأول مرة يخاف قلب أميمة على قدري . وقال أدهم :
لا تهمني شماتتك , من يذق ألني تهن عليه الشماتة !
فجاء صوت أدهم مستنكراً :
شماتة ! ألا تدري أنني بكيت عندما رأيتك تسحب الجثة من الحفرة التي حفرها قدري ؟ !
فصاح أدهم بغضب :
تجسس حقير !
لم ابك على القتيل وحده ولكن على القاتل أيضاً ! و قلت لنفسي يالك من مسكين يا أدهم , فقدت شابين في ليلة واحدة !
و صوتت أميمة دون اكتراث لأحد , و اندفع قدري خارج الكوخ بغتة . وجرى ادهم وراءه . و صرخت أميمة :
لا أريد أن أفقد الاثنين !
أراد قدري أن يثب على إدريس لكن أدهم دفعه بعيداً عنه ثم وقف أمام الرجل متحدياً وهو يقول :
احذر أن تتعرض لنا !
فقال إدريس بهدوء أنت أحمق يا أدهم , لا تفرق بين الصديق و بين العدو , تريد أن تعارك أخاك دفاعاً عن قاتل ابنك .
اذهب عني:
فقال إدريس ضاحكاً :
كما تشاء , تقبّل عزائي و السلام عليكم .
غاب إدريس في الظلام . و تحول أدهم تحو قدري فوجد أميمة واقفة تتساءل عنه ., فجزع الرجل وراح ينظر في الظلام و يصيح باعلى صوته :
قدري .. قدري .. أين أنت ؟ !
و جاءه صوت إدريس وهو يصيح بقوة :
قدري .. قدري .. أين أنت ؟ !




_________________
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7308
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

23

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 9:33 am



23
دفن همام في مقبرة تابعة للوقف بباب النصر . سار في جنازته قوم كثيرون من معارف أدهم , أكثرهم باعة من زملائه , واقلهم زبائن ممن أسرتهم رقة أخلاقه و حسن معاملته . وفرض إدريس نفسه على الجنازة فاشترك في تشييعها , بل وقف يتقبل العزاء بصفته عم الفقيد . وسكن ادهم كارهاً , فسار في الجنازة كثيرون من الفتوات و البلطجية و البرمجية و اللصوص و قطاع الطرق . وعند الدفن وقف إدريس فوق القبر يشجع أدهم بكلمات العزاء و الآخر صابر متصبر لا يجيب و دموعه تستبق على خديه . وروحت أميمة عن كربها باللطم و الصوات والتمرغ فب التراب . و عندما تفرق المشيعون , التفت أدهم على إدريس وقال بحنق :
ألا يوجد حد لقسوتك ؟ !
فنظاهر إدريس بالدهشة و تساءل :
عم تتحدث يا أخي المسكين ؟
فقال أدهم لحدة :
لم أتصورك على هذا القدر من القسوة رغم سوء ظمي بك , الموت نهاية كل حي , فما وجه الشماتة فيه ؟ !
فقال إدريس وهو يضرب كفاً على كف :
الحزن أخرجك عن أدبك , لكني مسامحك
متى تقر بأنه لم تعد تربطنا صلة ؟
لترحمنا السماء , ألست أخي ؟
هذه رابطة ليس في الإمكان فصمها
إدريس ! كفاك ما فعلت بي
الحزن قبيح , ولكن كلانا مصاب , أنت فقدت همام و قدري وأنا فقدت هند , أصبح للجبلاوي العظيم حفيدة عاهرة وحفيد قاتل , على أي حال فأنت خير حالاً مني إذ لك ذرية تعوضك عما فاتك .
فتساءل أدهم في حسرة :
أما زلت تحسدني ؟
فقال إدريس متعجباً :
إدريس يحسد أدهم !
فعلا صوت أدهم وهو يهدر :
إذا لم يكن جزاؤك من جنس عملك فعلى الدنيا العفاء .
العفاء , العفاء .
ومرت أيام كئيبة مفعمة بالأشجان . وقهر الحزن أميمة فساءت صحتها و اعتصرها الضمور . وفي أعوام قلائل بلغ ادهم من الهرم ما لا يبُبلغ في عمر مديد . و بات الزوجان يعانيان الهزال و المرض . و يوماً اشتدت عليهما وطأة المرض فركنا إلى الرقاد , أميمة مع طفليها في الغرفة الداخلية , وأدهم في الغرفة الخارجية , غرفة قدري و همام . ومضى النهار و جاء الليل فلم يشعلا مصباحاً , و قنع أدهم بضوء القمر المنبعث من الفناء . وراح يغفو قليلاً و يستيقظ قليلاً في حال بين الوعي و الذهول . وجاءه صوت إدريس من خارج الكوخ وهو يسأله متهكماً :
ألست في حاجة إلى خدمة ؟
فانقبض صدره ولم يجبه . وكان يكره الساعة التي يغادر فيها الآخر كوخه ليذهب إلى سهرته الليلية . وجاءه الصوت مرة أخرى وهو يقول:
اشهدوا ياناس على بّري و عقوقه .
وذهب وهو يغني :
كنا تلاتة طلعنا الجبل نصطاد *******واحد قتله الهوى و الثاني خدوه الأحباب
امتلأت عينا أدهم بالدموع . هذا الشر الذي لا يصد عن اللهو . يقاتل و يقتل و يحظى بكل احترام . يقسو و يستبد هازئاً بالعواقب وله ضحكة تجلجل فتملأ الآفاق . له لذة في العبث بالضعفاء و يسمر في المآتم و يغني فوق شواهد القبور . الموت يدنو مني وهو ما يزال يضحك ساخراً . القتيل في التراب و القاتل ضائع وفي كوخي بكاء على الاثنين . ضحكة الطفولة في الحديقة استحالت مع الأيام عبوسة غارقة في الدمع . وفي الداخل بقية جسدي يتوجع . لماذا هذا العناء كله و أين صفو الأحلام أين ؟
و خيل إلى أدهم أنه يسمع وقع أقدام . أقدام بطيئة و ثقيلة استثارت ذكريات غامضة كرائحة زكية مؤثرة تستعصي على الإدراك و التحديد . حول وجهه نحو مدخل الكوخ فرأى الباب يفتح , ثم رآه يمتلئ بشيء كجسم هائل . حملق في دهش , وأحدّ بصره في أمل يكتنفه يأس , وندّت عنه آهة عميقة , وغمغم متسائلاً :
أبي ؟!
وخيل غليه أنه يسمع الصوت القديم وهو يقول :
مساء الخير يا ادهم .
فاغرورقت عيناه , وهم بالقيام فلم يستطع ووجد بهجة و غبطة لم يجدهما من قبل منذ ـكثر منذ عشرين عاماً . و قال بصوت متهدج :
دعني أصدق .
فقال :
أنت تبكي و أنت الذي أخطأت .
فقال أدهم بصوت يشرق بالدمع .
الخطأ كثير و العقاب كثير و لكن حتى الحشرات المؤذية لا تيأس من العثور على ظل.
هكذا تعلمني الحكمة !
عفواَ , عفواً , الحزن أرهقني , و المرض ركبني , حتى أغنامي مهددة بالهلاك .
جميل أن تخاف على أغنامك .
تساءل أدهم في رجاء :
هل عفوت عني ؟
أجاب بعد صمت :
نعم .
فهتف أدهم بجسم مرتعش :
الشكر لله , منذ قليل كنت أقرع قاع هاوية اليأس بيدي .
فعثرت علي فيها!
نعم كالصحو بعد الكابوس .
لذلك فأنت ولد طيب .
فتأوه أدهم قائلاً :
أنجبت قاتلاً و قتيلاً .
الميت لا يعود فلماذا تطلب ؟
فتنهد أدهم قائلاً :
كنت أهفو للغناء في الحديقة ولكن لن يطيب لي اليوم شيء
فقال :
سيكون الوقف لذريتك .
الشكر لله
فقال :
لا تجهد نفسك و اركن إلى اليوم .


* * * * * *

وفي تواريخ متقاربة ودع الحياة أدهم فأميمة ثم إدريس . وكبر الأطفال . وعاد قدري ومعد هند ومعهما أطفال . نشئوا جنباً إلى جنب خالطوا غيرهم فازدادوا بهم عدداً . و انتشر العمران بفضل أموال الوقف فارتسمت في صفحة الوجود حارتنا . ومن هؤلاء و أولئك جاء أبناء حارتنا .




_________________
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7308
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

24 و 25

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 9:38 am





جبل..



(24)
أقيمت بيوت الوقف في خطين متقابلين يصنعان حارتنا. ويبدأ الخطان من خط يقع أمام البيت الكبير، ويمتدان طولا في اتجاه الجمالية. أما البيت الكبير فقد ترك خاليا من جميع الجهات على رأس الحارة من ناحية الصحراء. وحارتنا..حارة الجبلاوي، أطول حارة في المنطقة. أكثر بيوتها ربوع كما في حي آل حمدان, وتكثر الأكواخ من منتصفها حتى الجمالية، ولن تتم الصورة إلا بذكر بيت ناظر الوقف على رأس الصف الأيمن من المساكن، وبيت الفتوة على رأس الصف الأيسر قبالته.
كان البيت الكبير قد أغلق أبوابه أمام على صاحبه وخدمه المقربين. ومات أبناء الجبلاوي مبكرين فلم يبق من سلالة الذين أقاموا وماتوا في البيت إلا الأفندي ناظر الوقف في ذلك الوقت. أما أهل الحارة عامة فمنهم البائع الجوال، ومنهم صاحب الدكان أو القهوة، وكثيرون يتسولون، وثمة تجارة مشتركة يشترك فيها كل قادر هي تجارة المخدرات وبخاصة الحشيش والأفيون والمدافع. وكان طابع حارتنا - كحالها اليوم – الزحام والضجيج. الأطفال الحفاة أشباه العرايا يلعبون في كل ركن، ويملأون الجو بصراخهم والأرض بقاذورتهم. وتكتظ مداخل البيوت بالنساء، هذه تخرط الملوخية، وتلك تقشر البصل، وثالثة توقد النار، يتبادلن الأحاديث والنكات، وعند الضرورة الشتائم والسباب. والغناء والبكاء لا ينقطعان، ودقة الزار تستأثر باهتمام خاص. وعربات اليد في نشاط متواصل . ومعارك باللسان أو الأيدي تنشب هنا وهناك. وقطط تموء وكلاب تهر. وربما تشاجر النوعان حول أكوام الزبالة، والفئران تنطلق في الأفنية وعلى الجدران، وليس بالنادر أن يتجمع قوم لقتل ثعبان أو عقرب. أما الذباب فلا يضاهيه في الكثرة إلا القمل، فهو يشارك الأكلين في الأطباق والشاربين في الأكواز، يلهو في الأعين ويغني في الأفواه كأنه صديق الجميع.
وما أن يجد شاب في نفسه جرأة أو في عضلاته قوة حتى يندفع إلى التحرش بالآمنين، والاعتداء على المسالمين فيفرض نفسه فتوة على حي من أحياء الحارة، يأخذ الأتاوات من العاملين، ويعيش ولا عمل له إلا الفتونة. هكذا وجد فتوات الأحياء مثل قدره والليثي وأبو سريع وبركات وحمودة، وكان زقلط أحد هؤلاء الفتوات، فخاض معارك كثيرة فنوة بعد فتوة، حتى هزم الجميع وصار فتوة الحارة كلها. وفرض الأتاوات على الفتوات جميعا. ورأى الأفندي ناظر الوقف أنه بحاجة إلى مثل هذا الرجل لينفذ أوامره أو يدفع عنه ما قد يتهدده من شر فقربه ورتب له راتبا عظيما من ريع الوقف، فأقام زقلط في بيته المقابل لبيت الناظر واستحكم سلطانه. وعند ذاك ندر وقوع المعارك بين الفتوات، إذ أن الفتوة الأكبر لا يرتاح لهذا النوع من المعارك الذي قد ينتهي بتكبير فتوة وبالتالي بتهديد مركزه هو لذلك لم يجد الفتوات متنفسا لقوة شرهم الحبيسة إلا في الأهالي المساكين المسالمين. كيف انتهى الأمر بحالتنا إلى هذا الحال.
لقد وعد الجبلاوي أدهم بأن يكون الوقف لخير ذريته، وشيدت الربوع ووزعت الخيرات وحظى الناس بفترة من العمر السعيد. ولما أغلق الأب بابه واعتزل الدنيا احتذى الناظر مثاله الطيب حينا ثم لعب الطمع بقلبه فنزع إلى الاستئثار بالربع، بدأ بالمغاطة في الحساب والتقتير في الأرزاق ثم قبض يده قبضا مطمئنا إلى حماية فتوة الحارة الذي اشتراه. ولم يجد الناس بدا من ممارسة أحقر الأعمال. وتكاثف عددهم فزاد فقرهم وغرقوا في البؤس والقذارة. وعمد الأقوياء إلى الإرهاب والضعفاء إلى التسول، والجميع إلى المخدرات. كان الواحد يكد ويكدح من أجل لقمات يشاركه فيها فتوة، لا بالشكر، ولكن بالصفح والسب واللعن. الفتوة وحده يعيش في بحبوحة ورفاهية، وفوق هذا الفتوة الأكبر، والناظر فوق الجميع، أما الأهالي فتحت الأقدام. وإذا عجز مسكين عن أداء الإتاوة انتقم منه فتوة حيه شر انتقام، وإذا شكا أمره إلى الفتوة الأكبر ضربه الفتوة الأكبر وأسلمه إلى فتوة حيه ليعيد تأديبه، فإذا سولت له نفسه أن يشتكي إلى الناظر ضربه الناظر والفتوة الأكبر وفتوات الأحياء جميعا. وهذه الحال الكئيبة شهدتها بنفسي في أيامنا الأخيرة، صورة صادقة مما يروي الرواة عن الأزمان الماضية.
أما شعراء المقاهي المنتشرة في حارتنا فلا يروون إلا عهود البطولات متجنبين الجهر بما يحرج مراكز السادة، ويتغنون بمزايا الناظر والفتوات، بعدل لا نحظى به ورحمة لا نجدها وشهامة لا نلقاها وزهد ولا نراه ونزاهة لا نسمع عنها. أني لأتساءل عما أبقى آباءنا - أو عما يبقينا نحن- بهذه الحارة اللعينة؟
الجواب يسير. لن نلقى في الحواري الأخريات إلا حياة أسوأ من التي نكابدها هنا، هذا إذا لم يهلكنا فتواتها انتقاما مما لاقوه على أيدي فتواتنا. والأدهى الأمر أننا محسودون! يقول أهالي الحواري حولنا يا لها من حارة سعيدة! تحظى بوقف لا مثيل له، وفتوات تقشعر عند ذكرهم الأبدان. ونحن لا ننال من الوقف إلا الحسرات، ومن قوة فتواتنا إلا الإهانات والأذى. على ذلك كله نحن بقفون، وعلى الهم صابرون. نتطلع إلى مستقبل لا ندري متى يجيء، ونشير إلى البيت الكبير ونقول هنا أبونا العتيد، ونومئ إلى الفتوات ونقول هؤلاء رجالنا، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
"الحية التي لا تستطيع أن تغير جلدها تهلك
كذلك البشر الذين لا يقدرون أن يغيروا أراءهم..لا يعودون بشرا.
بقدر ما نصعد عاليا.. نبدو صغارا لهؤلاء الذين لا يعرفون أن يطيروا"
نيتشه


*******


(25)
ونفذ صبر آل حمدان فاصطخبت في حيهم أمواج التمرد.
كان آل حمدان يقيمون قي قمة الحارة فيما يلي بيتي الأفندي وزقلط حول البقعة التي بنى أدهم فيها كوخه وكان رئيسهم حمدان صاحب قهوة، قهوة حمدان أجمل قهوة في الحارة كلها التي تتوسط حي حمدان بين الربوع. جلس المعلم حمدان في الجهة اليمني من مدخل القهوة في عباءة رمادية وعلي الرأس لاسة مزركشة يتابع عبدون صبي القهوة في نشاطه المتواصل، ويتبادل مع بعض الزبائن الأحاديث.
وكانت القهوة ضيقة العرض ولكنها تمتد طولا حتى أريكة الشاعر في الصدر تحت صورة خيالية ملونة لأدهم في رقاده الأخير وهو يتطلع إلي الجبلاوي الواقف بباب الكوخ. أشار حمدان إلي الشاعر فتناول الربابة واستعد للإنشاد. وبين أنغام الأوتار بدأ بتحية الناظر حبيب الجبلاوي وزقلط زين الرجال، ثم روى فترة من حياة الجبلاوي قبيل مولد أدهم. وندت عن احتساء القهوة و القرفة و الشاي أصوات، وانعقد الدخان المتصاعد من الجوز حول الفانوس سحباً شفافة، وتركزت الأعين في الشاعر واهتزت الرؤوس لجمال ذكري أوحش موعظة. ومضي وقت الخيال في شغف وانسجام حتى وافاة الختام، وترامت علي الشاعر تحيات الاستحسان عند ذاك تحركت في الأعماق موجة التمرد التي اجتاحت آل حمدان، فقال عتريس الأعمش في مجلسة وسط القهوة معلقاً علي ما سمع من قصة الجبلاوي :
- كان في الدنيا خير، حتى أدهم لم يجع يوماً واحداً.
وإذا بتمر حنة العجوز تقف أمام الدكان وتنزل قفص البرتقال من فوق رأسها ثم تقول موجهة الخطاب إلي عتريس الأعمش :
- يسلم فمك يا عتريس، كلامك كالبرتقال السكري !
فنهرها المعلم حمدان قائلا :
- اذهبي يا ولية وأريحينا من كلامك الفارغ.
لكن تمر حنة جلست علي الأرض لصق مدخل القهوة وهي تقول :
- ما أحلى القعدة جنبك يا معلم حمدان ( ثم وهي تشير إلي قفص البرتقال) يوم ونصف ليلة في المشي و النداء نظير ملاليم يا معلم..
وهم المعلم بالرد عليها ولكنه رأي ضلمة مقبلا مقطباً وقد تلوث جبينه بالتراب، فنظر إليه حتى وقف أمامه في مدخل القهوة وهتف بصوت مرتفع :
- ربنا علي المفتري! ّ قدرة .. قدرة هو اكبر مفتري قلت له أمهلني إلي الغد حتى يفتح الله علي، فرماني علي الأرض وبرك فوق صدري حتى كتم أنفاسي.
فجاء صوت عم دعبس من أقصي القهوة وهو يقول :
- تعال يا ضلمة اقعد جنبي، تعال الله يلعن أولاد الحرام، نحن أسياد هذه الحارة و لكننا نضرب فيها كالكلاب. ضلمة لا يجد اتاوة لقدره، تمر حنة تسرح بالبرتقال وهي لا تري أبعد من ذراع أمامها، وأنت يا حمدان أين شجاعتك يا ابن أدهم؟!
فاتجه ضلمة إلي الداخل وتساءلت تمر حنة :
- أين شجاعتك يا أبن أدهم ؟!
فهتف بها حمدان :
غوري يا تمر حنة أنتِ فُتِ سن الزواج من خمسين سنة فلم تحبين مجالس الرجال؟
فتساءلت المرأة :
أين هم الرجال ؟!
قطب حمدان ولكن تمر حنة بادرته كالمعتذرة :
- دعني اسمع الشاعر يا معلم.
فقال دعبس للشاعر بمرارة :
- حدثها عن هوان آل حمدان في هذه الحارة.
فابتسم الشاعر قائلآ :
- حلمك يا عم دعبس حلمك يا سيد الناس.
فقال دعبس محتداً :
من سيد الناس؟ إن سيد الناس يضرب ويظلم الناس و يغتال الناس أنت تعرف من هو سيد الناس!
فقال الشاعر بقلق :
قد نجد بيننا فجأة قدرة أو غيره من الشياطين!
فقال دعبس بحدة :
- كلهم ذرية إدريس
فقال الشاعر بصوت خافت :
- حلمك يا عم دعبس قبل أن تهدم القهوة فوق رؤوسنا.
فنهض دعبس من مجلسه وقطع القهوة في خطوات واسعة ثم جلس إلى يمين حمدان علي أريكة وهم بالكلام. ولكن ضجة غلمان علت بغتة حتى غطت علي صوته. وانتشروا أمام القهوة كالجراد وهم يتبادلون السباب فصرخ فيهم دعبس:
- يا أولاد الشياطين أليس لكم جحور تؤيكم في الليل ؟
لكنهم لم يبالوا بصراخه فوثب كالملدوغ وانقض عليهم، فجروا في الحارة وهم يصيحون ( هيه) وترامي أكثر من صوت نسائي من نوافذ الربع المواجه للقهوة " وحد الله يا عم دعبس خوفت الأولاد يا رجل" فلوح بيده ساخطاً وعاد إلي مجلسه وهو يقول :
- الواحد حيران، لا عند الأولاد راحة ولا عند الفتوات راحة ولا عند الناظر راحة.
آمن كل علي قوله. آل حمدان ضاع حقهم في الوقف، آل حمدان تمرغوا في تراب القذارة و البؤس. آل حمدان تسلط عليهم فتوة ليس منهم بل من أحط الأحياء، قدرة يسير بينهم مختالآ يصفع من يشاء ويأخذ الأتاوة ممن يشاء لذلك نفد صبر آل حمدان واصطخبت في حيهم أمواج التمرد.
والتفت دعبس إلي حمدان وقال :
- يا حمدان، الجميع علي رأي واحد. نحن آل حمدان، عددنا كبير. أصلنا معروف، وحقنا في الوقف كحق الناظر نفسه.
فغمغم الشاعر:
- اللهم فوت الليلة علي خير.
حمدان حبك العباءة حوله ورفع حاجبيه المثلثين الغزيرين وقال :
- قلنا في هذا وعدنا، سيحدث أمر، أنني أشم الأحداث شما.
وارتفع صوت علي فوانيس بالتحية وهو يدخل القهوة مشمر الجلباب وطاقتيته الترابية مائلة حتى حاجبيه، وما لبث أن قال :
- الكل مستعدون، ولو احتاج الأمر إلي نقود سيعطون، حتى الشحاذون.
و انحشر بين دعبس وحمدان وهو يهتف بعبدون صبي القهوة :
- شاي من غير سكر.
فانتبه إليه الشاعر قائلآ :
- إحم !
فأبتسم علي فوانيس ودس يده في صدره فأخرج كيساً ثم فتحه واستخرج منه لفافة صغيرة رمي بها إلي الشاعر. وربت فخذ حمدان متسائلآ فقال هذا :
- أمامنا المحكمة
فقالت تمر حنة :
- خير ما نفعل
فقال الشاعر وهو يخرج الشئ من اللفافة:
- فكروا في العواقب.
- فقال علي الفوانيس بحدة :
- لا هوان مما نحن فيه، ولنا عدد وفير يجب حسابه، و الأفندي لا يمكن أن يتجاهل أصلنا وقرابتنا إليه و إلي صاحب الوقف.
فقال الشاعر وهو ينظر إلي حمدان نظرة ذات معني :
- لم تضق بنا الحلول.
فقال حمدان كأنما يجيبه :
- عندي فكرة جريئة !
تطلعت إليه الأبصار فقال :
- أن نلجأ إلي الناظر !
فقال عبدون وهو يقدم الشاي إلي فوانيس :
- خطوة عزيزة وبعدها تحفر قبور.
فضحكت تمر حنة قائلة :
- اسمعوا فالكم من عيالكم.
لكن حمدان قال بتصميم :
- ينبغي إن نذهب ولنذهب جماعة.





_________________
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7308
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

26.27.28

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 9:45 am




(26)
تجمهر أمام بيت الناظر جمع كثير من آل حمدان نساء و رجالآ علي رأسهم حمدان و دعبس وعتريس الأعمش وضلمة وعلي فوانيس ورضوان الشاعر.
كان من رأي رضوان أن يذهب حمدان وحده نفياً لشبهة العصيان واتقاء لعواقبة، لكن حمدان قال له بصراحة : "إن قتلي شئ يسير ولكن قتل آل حمدان لا يقدرون عليه".
ولفت التجمهر أنظار أهل الحارة وبخاصة الجيران الأقربين.
فبرزت رءوس النساء من النوافذ وتطلعت أعين من تحت السلال و المقاطف ومن فوق عربات اليد، وأقبل كثيرون كباراً وصغاراً وتساءلوا ماذا يريد آل حمدان؟ وقبض حمدان علي المطرقة النحاسية وطرق الباب ففتح بعد قليل عن البواب بوجهه الكئيب ونسائم محملة بشذا الفل و الياسمين نظر البواب إلي المتجمهرين بانزعاج وتساءل :
- ماذا تريدون؟
فقال حمدان بقوة استمدها ممن خلفه :
- نريد مقابلة حضرة الناظر.
- كلكم؟
- ليس فينا من هو أحق بالمقابلة من الآخرين.
- انتظروا حتى أستأذن لكم.
وهم برد الباب لكن دعبس مرق إلي الداخل وهو يقول :
- الانتظارفي الداخل أكرم.
واندفع وراءه الآخرون كالسرب وراء الحمامة، ودفع حمدان بينهم رغم سخطه علي اندفاع دعبس فانتقلت المظاهرة إلي الممشي المفروش بين السلاملك و الحديقة.
وصاح البواب :
- يجب إن تخرجوا.
فقال حمدان :
- الضيف لا يطرد أذهب وخبر سيدك.
وتحركت شفتا الر جل باحتجاج غير مسموع وشت به قسماته المكفهرة، ثم تحول مهرولآ نحو السلاملك وتبعته الأعين حتى أختفي وراء الستار المسدل علي باب البهو، وظلت أعين عالقة بالستار وجالت أعين في أنحاء الحديقة حول الفسقية المحاطة بالنخيل وأعرش العنب لصق الجدران، وفروع الياسمين المتسلقة الأسوار، جالت بنظرات حائرة وحواس مغلفة بالهم وما لبثت أن ردت إلي الستار المسدل علي باب البهو.
وانزاح الستار فخرج الأفندي بنفسه متجهم الوجه، وتقدم في خطوات حادة غاضبة حتى وقف عند رأس السلم. لم يبد من شخصه المتلفع بالعباءة إلا وجهة الغاضب وشبشبه الوبري وسبحة طويلة في يمناه. القي نظرة ازدراء علي المظاهرة ثم استقرت عيناه علي حمدان فقال هذا بأدب جم :
- صبحك الله بالسعادة يا حضرة الناظر.
فاكتفي برد التحية بحركة من يده وتساءل :
- من هؤلاء؟
- آل حمدان يا حضرة الناظر.
- من أذن لهم بالدخول في بيتي؟
فقال حمدان بدهاء :
- إنه بيت ناظرهم، فهو بيتهم، وهم في حماه.
فلم يلن وجه الأفندي وقال :
- تحاول الاعتذار عن سوء سلوككم!
وضاق دعبس بتأدب حمدان فقال :
- نحن أسرة واحدة، جميعنا أبناء أدهم وأميمة.
فقال الأفندي بامتعاض :
- ذاك تاريخ مضي، ورحم الله امرءاً عرف قدر نفسه.
فقال حمدان :
- نحن في كرب من الفقر وسوء المعاملة فاجتمع الرأي بيننا علي اللجوء إليك لتفرج كربنا. وهنا قالت تمر حنة :
- وحياتك عيشتنا تقرف الصراصير.
فقال دعبس بصوت ارتفع درجات :
- أكثرنا متسولون، أطفالنا جياع و جوهنا متورمة من صفع الفتوات أيليق ذلك بأبناء الجبلاوي و مستحقي وقفه ؟!
فتقبضت يد الأفندي علي المسبحة وهتف :
- أي وقف يا هذا ؟
حاول حمدان أن يمنع دعبس من الكلام و لكنه اندفع قائلآ كمن لطشت الخمر رأسه :
- الوقف الكبير، لا تغضب يا حضرة الناظر الوقف الكبير الذي يملك حارتنا من أولها إلي أخرها، ويتبعه كل حكر في الخلاء المحيط، وقف الجبلاوي يا حضرة الناظر.
فاندلعت ألسنة الغضب من عيني الأفندي وصاح :
- هذا وقف أبي وجدي ما لكم به صلة. إنكم تتناقلون الحكايات الخرافية وتصدقونها، وما لديكم دليل أو حجة.
فقال أكثر من صوت وضح بينها صوتاً دعبس وتمر حنة :
- الجميع يعرفون ذلك؟
- الجميع؟ ما قيمة ذلك؟ لو تناقلتم فيما بينكم أن بيتي هو بيت فلان أو علان منكم فهل يكفي هذا لاغتصاب بيتي يا هؤلاء؟ حارة حشاشين حقيقية! خبروني متي أخذ أحدكم مليماً من ريع الوقف ؟
فساد الصمت ملياً ثم قال حمدان :
- كان أباؤنا يأخذون.
- ألديكم دليل؟
فعاد حمدان يقول:
- قالوا لنا ونحن نصدقهم.
فهتف الأفندي :
- كذب في كذب وتفضلوا غير مطرودين.
- فقال دعبس بتصميم :
- أطلعنا علي الشروط العشرة.
فصاح الأفندي :
- لماذا أطلعكم عليها؟ من أنتم؟ ما علاقتكم بها؟
- نحن المستحقون.
عند ذاك تعال صوت هدي هانم حرم الناظر من وراء الباب وهي تقول :
- دعهم وادخل لا تبح صوتك بمناقشتهم.
فقالت تمر حنة :
- كوني محضر خير يا ست هانم.
فقالت هدي هانم بصوت متهدج من الغضب :
- قطع الطرق لا يكون بالنهار و الشمس طالعة !
فقالت تمر حنة بامتعاض :
- الله يسامحك يا ست هانم ، الحق علي جدنا الذي أغلق علي نفسه الأبواب.
فرفع دعبس رأسه وصاح بصوت كالرعد :
- يا جبلاوي! تعال شف حالنا، تركتنا تحت رحمة من لا رحمة لهم.
دوي الصوت قوياً حتى خيل إلي البعض أنه سيبلغ الجد في بيته. ولكن الأفندي صاح مرتعش النبرات من الحنق :
- اخرجوا ، اخرجوا دون تردد.
وقال حمدان بضيق :
- هيا بنا.
وتحول عن موقفه ومضي نحو الباب. وأخذوا يتبعونه صامتين. حتى دعبس تبعه. لكنه رفع رأسه مرة أخري وصاح بالقوة نفسها :
- يا جبلاوي !
********

(27)
دخل الأفندي البهو مصفر الوجه من الغضب فوجد زوجته واقفة مقطبة، فقالت :
- حركة غريبة لها ما بعدها، ستكون حديث الحارة كلها، وإذا تهاونا في الأمر فقل علينا السلام.
فقال الافندي بتقزز :
- رعاع أبناء رعاع ويطمعون في الوقف، من ذا الذي يستطيع أن يعرف أصله في حارة مثل خلية النحل؟
- احسم الأمر، أدع زقلط ودبر أمرك، زقلط يقاسمنا الريع دون أن يفعل شيئا فدعه يحلل ما ينهب من أموالنا.
فحدجها الافندي بنظرة طويلة ثم تساءل :
- وجبل؟!
فقالت بطمأنينة وثقة :
- جبل! إنه ربيبنا، بل هو ابني، لم يعرف من الدنيا إلا بيتنا، أما آل حمدان فلا يعرفهم ولا يعرفونه، ولو كانوا يعدونه منهم لتشفعوا به إلينا، اطمئن من ناحيته، وسوف يعود من جولته بين المستأجرين فيحضر الاجتماع.
وجاء زقلط تلبية لدعوة الناظر. كان متوسط القامة، بدينا، متين البنيان، وبقسماته سماجة وغلظة، وبرقبته وذقنه ندوب. جلسوا متقاربين، وزقلط يقول :
- سمعت أخبار لا تسر.
فقالت هدى بغيظ :
- وما أسرع ما تجري أخبار السوء.
وقال الأفندي وهو يلحظ زقلط بمكر :
- إنها تمس هيبتنا كما تمس هيبتك.
فقال زقلط بصوت كالخوار :
- مضى زمن غير قصير دون أن نحرك نبوتا أو نسفك دما.
فابتسمت هدى قائلة :
- يا لهم من مغرورين آل حمدان، لم يظهر منهم فتوة واحد، ومع ذلك فأحقرهم يزعم أنه سيد الحارة.
فقال زقلط باشمئزاز :
- باعة ومتسولون، ولن يظهر فتوة بين قوم خرعين!
فتساءل الأفندي :
- والعمل يا زقلط؟
- سأدوسهم بقدمي كالصراصير.
سمع جبل قول زقلط وهو يدخل البهو. بدا مورد الوجه بعد جولته في الخلاء، وجرت حيوية الشباب في جسمه الفارع القوي، ووجهه ذي الملامح الصريحة وبخاصة أنفه المستقيم وعينيه الكبيرتين الذكيتين. حيا الموجودين بأدب وبدأ يتكلم عن الأحكار التي تم تأجيرها اليوم ولكن هدى هانم قاطعته قائلة :
- اجلس يا جبل نحن في انتظارك لأمر عظيم.
فجلس جبل وعيناه تعكسان نظرة تحرج لم تغب عن عيني الهانم فقالت :
- أرى أنك تحدس ما نحن مهتمون له.
فقال بصوت هادئ :
- الجميع يتحدثون في الخارج.
فنظرت الهانم صوب زوجها هاتفة.
- أسمعت؟ ..الجميع يتوقعون منا الجواب.
فقال زقلط وقسماته تزداد سماجة :
- شعلة تطفئها حفنة تراب، بودي أن أبدأ العمل!
فالتفتت هدى إلى جبل متسائلة :
- ألديك ما تقوله يا جبل؟
فقال وهو يداري ضيقه بالنظر في الأرض :
- الأمر منكم وإليكم يا سيدتي.
- يهمني أن أعرف رأيك.
تفكر مليا وهو يشعر بنظرات الأفندي الحادة، ونظرات زقلط الممتعضة ثم قال :
- سيدتي، إنني ربيب نعمتك، ولكني لا أدري ماذا أقول، فلست إلا أحد أبناء حمدان!
قالت هدى بحدة :
- لماذا تذكر حمدان ولا أب ولا أم ولا أقارب لك فيهم؟
وند عن الأفندي صوت ساخر مقتضب يشبه الضحك لكنه لم يتكلم.
وبدا في وجه جبل أنه يعاني أما صادقا، لكنه أجاب :
- كان أبي وأمي منهم، لا يمكن إنكار ذلك.
وقالت هدى :
- ما أخيب أملي في ابني.
- معاذ الله، إن المقطم لا يستطيع أن يزحزحني عن الوفاء لك، لكن انكار الحقائق لا يغيرها.
وقام الافندي نافد الصبر وقال يخاطب زقلط :
- لا تضيع وقتك في سماع هذه المعاتبات.
فقام زقلط باسما، وإذا بالهانم تقول له وهي ترمي جبل بلحظ خفي :
- لا تجاوز المعقول يا معلم زقلط، نريد تأديبهم لا إبادتهم.
غادر زقلط البهو. وألقى الأفندي على جبل نظرة لوم وهو يتساءل ساخرا :
- إذن أنت من آل حمدان يا جبل؟!
ولاذ حمدان بالصمت حتى رحمته هدى فقالت :
- قلبه معنا ولكنه شق عليه أن يتنكر لأصله أما زقلط.
فقال جبل بحز واضح :
- إنهم بؤساء يا سيدتي رغم أنهم أكرم أهل الحارة أصلا.
فصاح الأفندي :
- حارة لا أصل لها.
فقال جبل جادا :
- إننا أبناء أدهم، ومازال جدنا حيا أطال الله بقاءه.
فتساءل الأفندي :
- من ذا يستطيع أن يثبت بنوته لأبيه؟ ..إنه كلام لا بأس أن يقال أحيانا ولكنه لا ينبغي أن يتخذ وسيلة لنهب أموال الغير.
وقالت هدى :
- نحن لا نريد بهم شرا على شرط ألا يطمعوا في أموالنا.
وأراد الأفندي أن ينهي الحديث فقال لجبل :
- اذهب إلى عملك ولا تفكر في سواه.
غادر جبل البهو فذهب إلى إدارة الوقف في منظرة الحديقة. كان عليه أن يسجل في الدفاتر عددا من عقود الإيجار وأن يراجع الحساب الختامي للشهر ولكن الحزن شتت عقله. ومن عجب أن آل حمدان لا يحبونه، وهو يعلم ذلك ويذكر كيف كان يقابل بالبرودة في قهوة حمدان في المرات القلائل التي غشيها. ومع ذلك أحزنه ما يدبر لهم من شر. أحزنه أكثر مما أسخطه سلوكهم الجريء. وود أن يدفع عنهم الشر لولا إشفاقه من إغضاب البيت الذي أواه ورباه وتبناه. ماذا كان يكون لو لم يدركه عطف هدى هانم؟ منذ عشرين عاما رأت الهانم طفلا عاريا يستحم في حفرة مملوءة بمياه الأمطار. مضت تتسلى بمشاهدته فمال قلبها الذي حرمه العقم من نعمة الأمومة إليه. أرسلت من حمله إليها وهو يبكي خائفا. وتحرت عنه فعرفت أنه طفل يتيم ترعاه بياعة دجاج. استدعت الهانم بياعة الدجاج وطلبت إليها أن تنزل لها عن الطفل فرحبت بذلك كل الترحيب. هكذا نشأ جبل في بيت الناظر وفي رعاية حضرته ينعم بأسعد أمومة في الحارة جميعا. وأدخل الكتاب فتعلم القراءة والكتابة، ولما بلغ رشده ولاه الأفندي إدارة الوقف. في كل بقعة فيها للوقف أملاك يدعونه "حضرة الوكيل". وتتابعه نظرات الإكبار والإعجاب أينما حل. وكانت الحياة تبدو ودودة واعدة بكل جميل حتى كان تمرد آل حمدان. وجد جبل أنه ليس شخصا واحدا كما توهم طوال عمره ولكنه شخصان. أحدهما يؤمن بالوفاء لأمه وأخرهما يتساءل في حيرة:
وآل حمدان؟!
********

(28)
انبعثت الربابة تحكي مصرع همام على يد قدري. اتجهت الأعين نحو رضوان الشاعر في انتباه يشوبه القلق. ليست الليلة كبقية الليالي، ليلة ختمت نهارا ثائرا، وظل كثيرون من آل حمدان يتساءلون هل تمر بسلام؟ وشمل الحارة ظلام، حتى النجوم توارت وراء سحب الخريف فلم يبد من ضوء إلا ما نضحت به النوافذ المغلقة أو ما أرسلته مصابيح عربات اليد المتباعدة في أحياء الحارة. وضجت الأركان بغوغاء الغلمان المتجمعين كالفراشات حول مصابيح العربات، على حين افترشت تمرحنة خيشة أمام أحد ربوع حمدان وراحت تدندن :
على باب حارتنا حسن القهوجي
وارتفع مواء قطط في نوبات متقطعة واشيا بمنافسات جنسية أو منازعات تموينية. واحتد صوت الشاعر وهو يروي قائلا :
وصرخ ادهم في وجه قدري "ماذا فعلت بأخيك؟".
في تلك اللحظة ظهر زقلط في دائرة الضوء التي يرسمها فانوس القهوة على الأرض. ظهر فجأة كأنما انشق عنه الظلام. بدا عابسا متحديا كارها مكروها يتفجر الشر من عينيه وتشد قبضته على نبوته المرعب. وزحفت من محجرية نظرة ثقيلة مخيفة على القهوة والجالسين كأنها حشرة سامة، فتحجر الكلام في حلق الشاعر. وباخت نشوة ضلمة وعتريس. وانقطع عن التهامس دعبس وعلى فوانيس، وكف عن الحركة عبدون. أما حمدان فشدت يده على خرطوم النارجيلة بعصبية، وساد صمت كالموت.
وتتابعت حركات خاطفة. غادر القهوة سراعا الزبائن الذين لا ينتسبون إلى آل حمدان. جاء فتوات الأحياء قدرة والليثي وأبو سريع وبركات وحمودة فصنعوا جدارا وراء زقلط. وسرى الخبر في الحارة بسرعة كأنه بيت تهدم ففتحت النوافذ. وأقبل الصغار يجرون والكبار يتنازع قلوبهم الإشفاق والشماتة. وكان حمدان أول من خرق الصمت فقام في هيئة استقبالية وهو يقول :
أهلا بالمعلم زقلط فتوة حارتنا، تفضلوا.
لكن زقلط تجاهله. كأنه لا يسمعه ولا يراه. وظل يطلق الطعنات من عينيه القاسيتين. ثم تساءل بصوت غليظ :
من فتوة هذا الحي؟
فأجاب حمدان ولو أن السؤال لم يوجه إليه :
فتوتنا قدره
التفت زقلط نحو قدره متسائلا في سخرية :
إنت حامي آل حمدان؟
فتقدم قدره خطوات بجسمه القصير المدمج ووجهه المتحرش بكل شيء وقال :
أنا حاميهم من الجميع إلاك يا معلم.
فابتسم زقلط ابتسامة كالامتعاض وقال :
ألم تجد حيا غير حي النسوان لتكون فتوة عليه؟
ثم صاح بالقهوة :
يا نسوان، يا أولاد الزواني، ألا تعترفون بأن للحارة فتوة؟
فقال حمدان بوجه شاحب :
يا معلم زقلط ليس بيننا وبينك غلا الخير.
فصاح به :
إخرس يا عجوز يا قارح، الآن تتمسكن بعد أن تهجمت على أسيادك وأسياد أهلك.
فقال حمدان بصوت المتألم :
لم يكن في الأمر تهجم، لكنها شكوى سرنا بها على حضرة الناظر.
فصاح زقلط :
أسمعتم ما يقول ابن الزانية؟ حمدان يا نتن أنسيت ما كانت تفعله أمك؟ والله لن يسير أحدكم آمنا في الحارة حتى يقول بأعلى صوته : أنا مرة.
ورفع بسرعة نبوته وهوى به بسرعة على الطاولة فتطايرت الفناجيل والأكواب والصواني والملاعق وعلب البن والشاي والسكر والقرفة والزنجبيل والكنكات. وثب عبدون على الوراء فارتطم بالترابيزة وسقطا معا. وبغته وجه زقلط لطمة إلى وجه حمدان ففقد الرجل توازنه وسقط على جنبه فوق النارجيلة التي تحطمت. ورفع زقلط نبوته مرة أخرى وهو يصيح :
لا ذنب بلا عقاب يا أولاد الزواني.
وتناول دعبس كرسيا ورمى به الفانوس الكبير فتحطم وساد الظلام قبل أن يهبط النابوت على المرآة الكبيرة وراء الطاولة. وصوتت تمرحنة فرددت نساء حمدان الصوات في النوافذ والأبواب كأنما انقلبت الحارة حنجرة كلب رمي بحجر. وجن جنون زقلط فأطلق ضرباته في كل ناحية فأصابت أناسا ومقاعد والجدار. وتلاطمت أمواج الصراخ والاستغاثات والتأوهات. وتطايرت الأشباح في كل ناحية. وارتطمت أشباح باشباح.
وصاح زقلط بصوت كالرعد :
كل واحد يلزم بيته.
فبادر إلى تنفيذ الأمر كل واحد من آل حمدان أو من غيرهم، وتتابع مع وقع الأقدام المتراجعة. وجاء الليثي بفانوس فظهر على ضوئة زقلط والفتوات من حوله. في حارة خالية، لا يسمع بها إلا صوات النسوان. وقال بركات متوددا :
وفر نفسك يا معلم للشدائد، وعلينا نحن تاديب الصراصير.
وقال أبو سريع :
لو شئت جعلنا آل حمدان ترابا تمشي عليه بحصانك.
وقال قدرة فتوة آل حمدان :
لو كلفتني بتاديبهم لحققت لي أمنية كبيرة وهي أن أخدمك يا معلم.
وعلا صوت تمرحنة من وراء باب الربع :
ربنا على الظالم.
فصاح بها زقلط :
يا تمرحنة أتحدى أي رجل من آل حمدان يعد الزانين بك!
فهتفت تمرحنة وغن دل آخر كلامها على ان يدا وضعت على فيها لتمنعها من الاستمرار :
ربنا بيننا وبينك، حمدان أسياد أل...
ووجه زقلط الخطاب إلى الفتوات بصوت أراده أن يسمعه آل حمدان، قال :
لا يغادر رجل من آل حمدان داره إلا ضرب.
فصاح قدره مهددا :
من ير نفسه رجلا فليخرج.
وتساءل حمودة :
والنسوان يا معلم؟
فقال زقلط بحدة :
زقلط يعامل الرجال لا النسوان.
وطلع النهار فلم يغادر الربوع رجل من آل حمدان. وجلس كل فتوة عند قهوة باب حيه يراقب الطريق. وجعل زقلط يمر بالحارة كل بضع ساعات فيستبق الناس على تحيته والتودد إليه والثناء عليه، "والله أسد بين الرجال يا فترة حارتنا"، "عفارم عليك يا زين الرجال يا ملبس آل حمدان الطرح"، "والحمد لله الذي أذل آل حمدان المتعجرفين بيدك القوية يا زقلط".
ولم يكن يعير أحدا أدنى اهتمام.




_________________
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7308
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

29و30و31و32

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 9:55 am



(29)
هل يرضيك هذا الظلم يا جبلاوي؟!
تساءل جبل وهو يفترش الأرض أسفل الصخرة التي تقول الحكايات أن عندها كان يخلو قدري إلى هند، وأن عندها قتل همام. ونظر إلى الشفق بعين لم تعد ترى إلا ما يكدر الصفو. لم يكن ممن يركنون إلى الخلوات لكثرة مشاغله لكنه شعر أخيرا برغبة قاهرة في الخلو بنفسه التي زلزلها ما حاق بآل حمدان. لعل في الخلاء أن تسكت الأصوات التي تعيره والتي تعذبه. أصوات تهتف به من النوافذ وهو مار : "يا خائن حمدان يا لئيم"، وأصوات تهتف به من أعماق نفسه : "لن تطيب الحياة على حساب الغير". وآل حمدان أهله، ففيهم ولدت أمه وأبوه. وفي مقابرهم دفنا. وهم مظلومون وما أقبح الظلم، أغتصبت أموالهم ولكن من الظالم؟ إنه ولي نعمته، الرجل الذي انتشلته زوجه من الطين فرفعته إلى مصاف آل البيت الكبير. وجميع الأمور تجري في الحارة على سنة الإرهاب، فليس عجيبا أن يسجن سادتها في بيوتهم. وحارتنا لم تعرف يوما العدالة أو السلام. هذا ما قضي به عليها منذ طرد أدهم وأميمة من البيت الكبير، ألا تعلم بذلك يا جبلاوي؟ ويبدو أن الظلم ستشتد كثافة ظلماته كلما طال بك السكوت فحتى متى تسكت يا جبلاوي؟ الرجال سجناء في البيوت والنساء يتعرضن في الحارة لكل سخرية، وأنا أمضغ المهانة في صمت. ومن عجب أن أهل حارتنا يضحكون! علام يضحكون؟ إنهم يهتفوت للمنتصر أيا كان المنتصر، ويهللون للقوي أيا كان القوي، ويسجدون أمام النبابيت ، يدارون بذلك كله الرعب الكامن في أعماقهم. غموس اللقمة في حارتنا الهوان. لا يدري أحد متى يجيء دوره ليهوي النبوت على هامته. ورفع رأسه إلى السماء فوجدها صامته هادئة ناعسة، يوشي أطرافها الغمام، وتودعها آخر حدأة, وانقطع المارة وآن للحشرات أن تزحف. وفجأة سمع جبل صوتا غليظا يصيح من قريب : "قف يا ابن الزانية".
استيقظ من أفكاره فنهض قائما وهو يحاول أن يتذكر أين سمع هذا الصوت، ثم اتجه حول صخرة هند إلى الجنوب فرأى رجلا يركض في رعب وآخر وراءه يطارده ويوشك أن يلحق به. وأمعن النظر فعرف في الهارب دعبس وفي المطارد قدرة فتوة حي حمدان، وفي الحال أدرك حقيقة الموقف. ومضى يراقب المطاردة التي تقترب منه بفؤاد قلق. وما لبث قدرة أن أدرك دعبس فقبض بيده على منكبه وتوقف الاثنان عن العدو وهما يلهثان من الجهد وصاح قدرة بصوت متقطع من البهر :
- كيف تجرؤ على مغادرة جحرك يا ابن الأفعى؟ لن تعود سالما.
فهتف دعبس وهو يحمي رأسه بذراعه :
- دعني يا قدرة، أنت فتوة حينا وعليك أن تدافع عنا.
فهزه قدرة هزة أطارت اللاسة من على رأسه وأصاح به :
- أنت تعرف يا ابن اللئيمة أني أدافع عنكم ضد أي مخلوق إلا زقلط.
وحانت من دعبس نظرة نحو موقف جبل فرآه وعرفه فناداه قائلا :
- أغثني يا جبل، أغثني فأنت فأنت منا قبل أن تكون منهم.
فقال قدرة بغلظة وتحدي :
- لا مغيث لك مني يا ابن الدايخة.
ووجد جبل نفسه يتقدم منهما حتى وقف عندهما وهو يقول بهدوء :
- ترفق بالرجل يا معلم قدرة.
فحدجه قدرة بنظرة باردة وهو يقول :
- إني أعرف ما ينبغي أن أفعله.
- لعل أمرا ضروريا دفعه إلى مغادرة بيته.
- ما دفعه إلا قضاؤه المحتوم.
وشد على منكبه حتى أنّ دعبس أنينا مسموعا، فقال جبل بحدة :
- ترفق به، ألا ترى أنه أكبر سنا وأضعف بنية؟
رفع قدرة يده عن منكبه فصفعه على قفاه بقوة تقوس لها ظهره، ثم ضرب بركبته دبره فانكفأ على وجهه، وسرعان ما برك فوقه وراح يكيل له الضربات وهو يقول بصوت يزفر الغل والحنق :
- ألم تسمع ما قال زقلط.
واشتعل الغضب في دماء جبل فصاح به :
- اللعنة عليك وعلى زقلط، اتركه يا قليل الحياء!
فكف قدرة عن ضرب دعبس ورفع رأسه إلى جبل وجها ذاهلا ثم قال :
- أنت تقول هذا يا جبل! ألم تشهد حضرة الناظر وهو يأمر زقلط بتأديب آل حمدان؟
فصاح جبل وغضبه أخذ في ازدياد :
- اتركه يا قليل الحياء.
فقال قدرة بصوت يرتعش من الحنق :
- لا تظن أن خدمتك في بيت الناظر تحميك مني إذا أردت محاسبتك!
فانقض عليه جبل كمن فقد وعيه وركله فألقاه جانبا وصاح به :
- عد إلى أمك قبل أن تثكلك.
وثب قدرة قائما وهو يتناول نبوته من على الأرض ثم رفعه بخفه ولكن جبل بادره بضربة في بطنه من يد قوية فترنح متألما. وانتهز جبل هذه الفرصة فخطف النبوت من يده ووقف وهو ينظر نحوه بحذر. تراجع قدرة خطوتين، ثم انحنى بسرعة خاطفة فالتقط حجرا ولكنه قبل أن يقذف به أصاب النبوت رأسه فصرخ، ودار حول نفسه، ثم سقط على وجهه والدم يتفجر من جبينه بغزارة.
كان الليل يهبط فنظر جبل فيما حوله، فلم ير أحداً إلا دعبس الذي وقف ينفض جلبابه ويتحسس المواضع التي تؤلمه من جسده، ثم اقترب من جبل وهو يقول ممتنا :
- عوفيت من أخ كريم يا جبل.
فلم يجبه جبل، وانحنى فوق قدرة فعدله على ظهره، ثم تمتم :
- أغمي عليه.
فانحنى دعبس فوقه كذلك ثم بصق على وجهه، فجذبه جبل بعيدا عنه، وانحنى فوقه مرة اخرى، وراح يهزه برفق ولكنه لم يبد أملا في الإفاقة، فتساءل :
- ما له؟
فانحنى دعبس فوقه وألصق أذنه بصدره، ثم قرب وجهه من وجهه، وأشعل عود من الثقاب، ثم وقف وهو يهمس :
- إنه ميت.
فاقشعر بدن جبل وقال :
- كذبت.
- ميت ابن ميت وحياتك.
- يا خبر اسود.
فقال دعبس مهونا الأمر :
- كم ضرب وكم قتل فليذهب إلى الزبانية!
فقال جبل بصوت حزين وكأنه يخاطب نفسه :
- لكنني لم أضرب ولم أقتل.
- كنت تدافع عن نفسك.
- لكنني لم أقصد قتله ولا أردته.
فقال دعبس باهتمام :
- إن يدك لشديدة يا جبل، لا خوف عليك منهم، وبوسعك أن تكون فتوة لو أردت.
فضرب جبل جبينه بيده وقال :
- يا ويلي، هل أنقلب قاتلا من أول ضربة؟
- انتبه إلى نفسك وهلم ندفنه وإلا قامت القيامة.
- ستقوم القيامة دفناه أم لم ندفنه.
- لست آسفا، عقبى للباقي، عاوني على إخفاء هذا الحيوان.
وتناول دعبس النبوت وراح يحفر في الأرض غير بعيد عن الموضع الذي حفر فيه قدري من قبل. وما لبث جبل أن انضم إليه بقلب كئيب.
وتواصل العمل في صمت حتى قال دعبس ليخفف عن جبل ثقل مشاعره :
- لا تحزن فالقتل في حارتنا مثل قتل الدوم.
فقال جبل متنهدا :
- ما وددت أن أكون قاتلا قط، رباه ما كنت أحسب أن غضبي بهذه الفظاعة!
ولما فرغا من الحفر وقف دعبس يجفف جبينه بكم جلبابه ويتمخط ليطرد الرائحة الترابية التي تملأ خيشومه. قال بحقد :
- هذه الحفرة تسع ابن الزانية والفتوات الآخرين.
فقال جبل بضجر :
- احترم الميت فجميعنا أموات.
فقال دعبس بحدة :
- عندما يحترموننا أحياء نحترمهم أمواتاً.
ورفعا الجثة فأودعاها الحفرة، ووضع جبل النبوت إلى جانبها، ثم أهلا عليها التراب.
ولما رفع جبل رأسه رأى الليل قد أخفى الدنيا وما عليها فتنهد من الأعماق وهو يكبت نزوعاً نحو البكاء
******
(30)
أين قدرة؟
سأل زقلط نفسه كما سأل الفتوات الآخريين. لكن الفتوات كانوا يتساءلون أيضا عن صاحبهم الذي اختفى من الوجود كما اختفى رجال حمدان من الحارة.
كان قدرة يسكن في الحي التالي لحي حمدان. وكان أعزب يسهر الليل في الخارج فلا يعود إلى مسكنه غلا مع الفجر أو بعد ذلك، ولم يكن من النادر أن يغيب عن مسكنه ليلة أو ليلتين، ولكن لم يحدث أبدا أن غاب أسبوعاً كاملاً دون أن يعلم أحد بمكانه وبخاصة في أيام الحصار هذه التي أوجبت عليه أعباء لا يستهان بها من اليقظة والمراقبة.
وقامت الظنون حول آل حمدان فتقرر تفتيش بيوتهم. واقتحم الفتوات وعلى رأسهم زقلط ربوعهم ففتشوها تفتيشا دقيقا من البدروم إلى السطح، وحفرت الأفنية بالطول والعرض، وتعرض رجال حمدان لإهانات شتى ولم يسلم أحد منهم من لطمة أو ركلة أو بصقة. ولكنهم لم يعثروا على شيء يريب. وتفرقوا في أركان الخلاء يسألون فلم يدلهم أحد على أمر ذي بال.
وبات قدرة الموضوع الذي تدور به الجوزة في غرزة زقلط تحت تكعيبة العنب بحديقة بيته. كان الظلام يغشى الحديقة عدا نور حيى ينبعث من مصباح صغير قائم على الأرض على بعد شبرين من المجمرة ليستضيء به بركات وهو يقطع الحشيش ويبططه، ويفتت الجمرات، ويرص الحجر ويخشنه ليعد الجوزة، وكان نور المصباح الراقص في مجرى النسيم ينعكس على وجوه زقلط وحمودة والليثي وأبو سريع الكالحة فيبدى من أعين متراخية الجفون، انعقدت في نظراتها الشاردة نوايا معتمة. وتعالى نقيق ضفادع كأنه استغاثات خرس في هدأة الليل.
قال الليثي وهو يتناول الجوزة من بركات ويوجهها نحو زقلط :
- أين ذهب الرجل؟ كأن الأرض بلعته.
شد زقلط نفسا عميقا وهو ينقر الغابة بسبابته ثم زفره دخانا كثيفا وقال :
- قدرة بلعته الأرض وهو جالس في جوفها منذ أسبوع.
تطلعت إليه الأبصار باهتمام عدا بركات الذي بدا مسلوبا بعمله.
فعاد زقلط يقول :
- لا يختفي فتوة لغير ما سبب، وللموت رائحة أعرفها.
فتساءل أبو سريع بعد سعال تقوس له ظهره كانه سنبلة في مهب ريح عاتية :
- ومن قاتله يا معلم؟
- عجيبة! ومن يكون غير رجل من حمدان؟
- لكنهم لا يغادرون بيوتهم وقد فتشناها.
فضرب زقلط طرف الشلتة بقبضته وتساءل :
- ماذا يقول أهل الحارة الآخرون :
فقال حمودة :
- يعتقد حينا بأن لحمدان يداً في اختفاء قدرة.
- افهموا يا مساطيل! مادام الناس يعتقدون أن قاتل قدرة في حمدان فالواجب علينا أن نعتبره كذلك!
- ولو كان القاتل من العطوف؟
- ولو كان من كفر الزغارى، نحن لا يهمنا عقاب القاتل بقدر ما يهمنا إرهاب الآخرين.
فهتف أبو سريع بإعجاب :
- الله أكبر.
فقال الليثي وهو ينفض الحجر في الكوز ويعيد الجوزة إلى بركات :
- الله يرحمكم يا آل حمدان.
فندت عن أفواههم ضحكات جافة اختلطت بنقيق الضفادع وتحركت منهم الرؤوس حركات الوعيد على حين هبت نسمة بقوة طارئة أعقبتها خشخشة في الأوراق الجافة. وصفق حمودة بيديه وهو يقول :
- لم تعد المسألة صراعا بين حمدان والناظر ولكنها كرامة الفتوات.
فعاد زقلط يضرب طرف الشلتة بقبضته ويقول :
- لم يقتل فتوة بيد حارته من قبل.
وتصلبت ملامحه من الغضب حتى خاف شره ندماؤه فحذروا أن تند عنهم كلمة أو حركة تحول غضبه إليهم. وساد الصمت فلم يعد يسمع إلا قرقرة الجوزة وسعلة أو نحنحة. وإذا ببركات يسأل :
- وإذا عاد قدرة على غير ما نظن؟
فقال زقلط بحنق :
- أحلق شاربي يا ابن المسطولة.
كان بركات أول من ضحك ثم عادوا إلى الصمت. تخيلت للأعين المذبحة والعصي تحطم الرؤوس، والدماء تسيل حتى تصبغ الأرض، والصوات يعلو من النوافذ والأسطح، وعشرات الرجال يصعدون حشرجة الموت.
اضطربت في النفوس رغبة نمرية في الافتراس، وتبادلوا نظرات قاسية. لم يهمهم قدرة لذاته، بل لم يكن أحد منهم يحبه، ولم يكن أحد منهم يحب الآخر قط، ولكن جمعتهم رغبة واحدة في الإرهاب والذود عن الفتونة.
وتساءل الليثي :
- وبعد؟
فقال زقلط :
- ينبغي أن أرجع للناظر كالعهد بيننا.

**********

(31)
قال زقلط :
- يا حضرة الناظر، قتل آل حمدان فتوتهم قدرة.
وركز بصره في الناظر ولكنه كان في الوقت نفسه يرى هدى هانم إلى يمينه وجبل إلى يمينها. وبدا أن الأفندي لم يفجأه الخبر إذ قال :
- بلغتني أنباء عن اختفائه، ولكن هل يئستم حقاً من العثور عليه؟
قال زقلط وكان نور الضحى الذي يقتحم باب البهو يؤكد سماجة ملامحه :
- لن يعثر عليه وأنا خبير بهذه المكائد.
فقالت هدى بعصبية وهي تلحظ وجه جبل الذي راح ينظر إلى الجدار المواجه له :
- لو صح أنه قتل لكان ذاك حدثا خطيرا.
فقال وهو يشد على أصابعه المتشابكة :
- ويقتضي عقابا شاملا أو قولوا علينا وعليكم السلام.
فلعبت أصابع الأفندي بحبات المسبحة وقال :
- إنه يمثل هيبتنا.
فقال زقلط بتركيز مقصود :
- ويمثل الوقف كله.
وخرج جبل من صمته قائلاً :
- لعلها جريمة مزعومة لم تقع.
واندلع الغضب في صدر زقلط لدى سماعه صوت جبل فقال :
- لا ينبغي أن نضيع الوقت في الكلام.
- هات دليلاً على مقتله.
فقال الأفندي بلهجة اصطنع لها القوة ليخفي ما وراءها من ارتياب :
- لا يختفي أحد من أبناء الحارة إلا إذا كان قد قتل.
ولم تفلح زفرات الخريف الرطيبة في تلطيف هذا الجو المشحون بالنوايا الدموية فهتف زقلط :
- الجريمة تنادينا بصوت سوف تسمعه الحواري المجاورة وما الكلام إلا مضيعة للوقت.
لكن جبل قال بإصرار :
- رجال حمدان في بيوتهم مسجونون.
فضحك زقلط بصوته دون وجهه وقال ساخرا :
- فزورة حلوة!
ثم وهو يستريح في مجلسه ويتحداه بنظرة نافذة :
- لا يهمك إلا تبرئة أهلك!
ومع أن جبل بذل جهداً صادقاً لشكم غضبه إلا أن صوته احتد وهو يقول :
- يهمني الحق، إنكم تعتدون لأوهى الأسباب، وأحيانا بلا سبب، وما همك الآن إلا الحصول على إذن لإحداث مذبحة في قوم مسالمين.
وتبدى الحقد في عيني زقلط وهو يقول :
- أهلك مجرمون، قتلوا قدرة وهو يدافع عن الوقف!
فالتفت جبل نحو الافندي وقال :
- يا سيدي الناظر لا تسمح لهذا الرجل بإشباع شراسته الدموية.
فقال الأفندي :
- إذا ضاعت هيبتنا ضاعت حياتنا!
وتساءلت هدى وهي تنظر نحو جبل :
- أتريد أن ندفن أحياء في حارتنا؟
فقال زقلط بحنق :
- إنك تنسى فضل أصحاب الفضل عليك وتذكر المجرمين.
وارتفعت موجة الغضب في صدر جبل حتى قلقلت جذور إرادته فقال بصوت شديد :
- ليسوا مجرمين وإن غصت حارتنا بالمجرمين!
قبضت يد هدى بشدة على طرف شالها الأزرق، وتحركت فتحتا أنف الأفندي وقد عبرت وجهه صفرة، فتشجع زقلط بهذه المصادر وقال بحقد ساخر :
- لك عذر في الدفاع عن المجرمين ما دمت منهم!
- تهجمك على المجرمين شيء لا يصدق وأنت شيخ المجرمين في حارتنا.
قام زقلط قومة عنيفة وقد أربد وجهه، وقال :
- لولا مكانتك عند آل هذا البيت لأخرجتك من منزلك على أجزاء!
فقال جبل بهدوء مخيف يشف عما تحته :
- أنت واهم يا زقلط!
وصاح الأفندي :
- أتجرئون على هذا أمامي؟
فقال زقلط بخبث :
- إني أناطحه دفاعا عن هيبتك!
فأوشكت أصابع الأفندي أن تفتك بالمسبحة، وخاطب جبل بشدة قائلاً :
- لا أسمح لك بالدفاع عن حمدان :
- هذا الرجل يفتري الكذب عليهم لغاية سوء في نفسه.
- دع هذا لتقديري أنا!
وساد الصمت هنيهة. ترامت من الحديقة زقزقة لاهية، وتعالت في الحارة موجة تهليل صاخبة يتخللها سباب فاحش. وابتسم زقلط قائلا :
- أيأذن لي حضرة الناظر في تأديب الجناة؟
أيقن أدهم أن ساعة المنايا قد دنت فالتفت نحو الهانم وقال يائسا :
- سيدتي، سأجد نفسي مضطرا إلى الانضمام إلى أهلي في سجنهم لأقلي معهم مصيرهم.
فهتفت هدى في عصبية ظاهرة :
- يالخيبة رجائي!
فتأثر جبل حتى انحنى رأسه، ودفعه شعور مرهف إلى أن ينظر نحو زقلط فرآه يبتسم ابتسامة شماتة كريهة فانطبقت شفتاه في حنق، ثم قال في أسى :
- لا خيار لي، ولن أنسى صنيعك ما حييت.
فحدجه الأفندي بنظرة قاسية وسأله :
- يجب أن أعرف إن كنت معنا أم علينا؟
فقال جبل بحزن وهو يشعر بأنه في النزع الأخير من حياته الراهنة :
- ما أنا إلا ربيب نعمتك فلا يمكن أن أكون عليك، ولكن من العار أن أترك أهلي يبادون وأنا أنعم بظلك.
وقالت هدى وهي تتلوى من انفعال الأزمة التي تهدد أمومتها :
- يا معلم زقلط فلنؤجل الحديث إلى وقت آخر.
فقطب زقلط كأنما ركب على وجهه حافر بغل، ونقل عينيه بين الأفندي وزوجته ثم تمتم :
- لا أدري ماذا يحدث غدا في الحارة!
فتجنب الأفندي النظر إلى هدى وتساءل :
- أجبني يا جبل أأنت معنا أم علينا؟
وتمادت موجة الغضب به حتى بلغت قمة رأسه فهتف دون أن ينتظر الجواب :
- فإما أن تبقى معنا كواحد منا وإما أن تذهب إلى أهلك!
وثار جبل، وخاصة وهو يلحظ أثر هذا القول في صفحة وجه زقلط فقال بعزم :
- يا سيدي إنك تطردني وإني ذاهب.
وهتفت هدى بصوت معذب :
- جبل!
وهتف زقلط ساخراً :
- أمامكم الرجل كما ولدته أمه.
وضاق جبل بمجلسه، فقام، ثم ثار بخطوات ثابتة نحو باب البهو. ووقفت هدى ولكن ذراع الأفندي حالت دون تحركها. وسرعان ما اختفى جبل. وفي الخارج هبت ريح تحركت بها الستائر واصطفقت مصاريع النوافذ. وامتلأ جو البهو بتوتر وانقباض. وقال زقلط بهدوء :
- ينبغي أن نعمل.
ولكن هدى قالت بإصرار وعصبية ينذران بالعناد :
- كلا، حسبهم الآن الحصار، وحذار أن يمس جبل بشر. لم يغضب زقلط إذ أنه لم يهضم بعد ما أحرز من فوز, ورفع إلى الناظر عيناً متسائلة.
فقال الإفندي وهو يبدو كمن يتمصص ليمونة :
- سنعود إلى الحديث مرة أخرى.
*********
(32)
ألقى جبل نظرة وداع على الحديقة والمنظرة فتذكر مأساة أدهم التي ترويها الرباب كل مساء. واتجه نحو الباب فوقف له البواب وهو يتساءل :
- ماذا يدعوك للخروج ثانية يا سيدي؟
فقال جبل بامتعاض :
- إني ذاهب بلا عودة يا عم حسنين!
ففغر الرجل فاه وجعل ينظر إليه ملياً في انزعاج ثم غمغم متسائلاً :
- بسبب آل حمدان؟
فأحنى جبل رأسه صامتاً، فعاد البواب يقول :
- من يصدق هذا؟ كيف تسمح به الهانم؟ يا رب السماوات وكيف تعيش يا بني؟
فعبر جبل عتبة الباب مرسلاً بصره إلى الحارة المكتظة بالناس والحيوان والقاذورات وهو يقول :
- كما يعيش أهل حارتنا.
- لم تخلق لهذا.
فابتسم جبل ابتسامة ذاهلة وقال :
- إنها الصدفة وحدها التي انتشلتني منه.
ومضى يبتعد عن البيت وصوت البواب يحذره في حسرة من التعرض لغضب الفتوات.
وامتدت أمام عينيه بأتربتها ودوابها وقططها وغلمانها وجحورها فأدرك مدى الانقلاب الذي جرى على حياته، ما ينتظره من متاعب، وما خسره من نعيم. لكن غضبه غطى على آلامه فبدا وكأنه لا يبالي بالأزهار والعصافير والأمومة الحانية. ومر في سبيله بالفتوة حمودة فقال هذا بسخرية ملساء :
- ليتك تعيرنا قوتك نؤدب بها آل حمدان.
فلم يعره التفاتاً وقصد ربعاً كبيراً من ربوع حمدان وطرقه. وإذا بحمودة يلحق به ويسأله في دهشة واستنكار :
- ماذا تريد؟
فأجابه في هدوء :
- إني أعود إلى أهلي.
وارتسمت الدهشة في عيني حمودة الضيقتين وبدا أنه لا يصدق ما سمع. ورآهما زقلط وهو يغادر بيت الناظر متجهاً إلى مسكنه فصاح بحمودة :
- دعه يدخل، وإذا خرج بعد ذلك ادفنه حياً.
فزايلت حمودة دهشته وابتسم ابتسامه بلهاء متشفية. ومضى جبل يطرق الباب حتى فتحت نوافذ في الربع وفي الربوع الملاصقة، وأطلت رؤوس كثيرة من بينها حمدان وعتريس وضلمة وعلي فوانيس وعبدون ورضوان الشاعر وتمرحنة، وتساءل ضلمة ساخرا :
- ماذا تريد يا ابن الأكابر؟
وسأله حمدان :
- معنا أم علينا؟
فصاح حمودة :
- طردوه فعاد إلى قصره القذر!
فتساءل حمدان بلهفة :
- طردوك حقاً؟
فقال جبل بهدوء :
- افتح الباب يا عم حمدان.
وزغردت تمرحنة ثم صاحت :
- كان أبوك رجلاً طيباً وأمك امرأة شريفة.
فضحك حمودة قائلاً :
- مباركة عليك شهادة الزانية.
فصاحت تمرحنة غاضبة :
- اسم الله على أمك ولياليها الملاح عند حمام السلطان.
وأسرعت بإغلاق النافذة فصك الحجر المنطلق من يد حمودة الضلفة من الخارج محدثاً دوياً هلل له الصبية في الأركان. وفتح باب الربع فدخل جبل مستقبلاً جواً رطباً وهواء غريب الرائحة. واستقبله أهله بالعناق واختلطت الكلمات الطيبات. ولكن قطع الترحيب عليهم جعجعة شجار آتية من أقصى الحوش فنظر جبل فرأى دعبس مشتبكاً في شد وجذب مع رجل يدعى كعبلها، فمضى نحوهما ودفع نفسه بينهما وهو يقول بحدة :
- تتشاجران وهم يحبسوننا في بيوتنا!
فقال دعبس خلال أنفاسه المضطربة :
- سرق البطاطة من حلة على نافذتي.
وصاح كعبلها :
- هل رأيتني وأنا أسرق؟ حرام عليك يا دعبس!
فصاح جبل غاضباً :
- فلنرحم أنفسنا كي يرحمنا من في السماء!
لكن دعبس قال بإصرار :
- بطاطتي في بطنه وسأستخرجها بيدي.
فقابل كعبلها وهو يعيد طاقيته إلى رأسه :
- والله ما ذقت البطاطة من أسبوع.
- أنت اللص الوحيد في هذا الربع.
فقال جبل :
- لا تقض بلا دليل كما يفعل زقلط معكم.
فصاح دعبس :
- لابد من تأديب ابن الخطافة.
فصرخ كعبلها :
- يا دعبس يا ابن بياعة الفجل!
وثب دعبس على كعبلها فنطحه فترنح كعبلها وسال الدم من جبينه، وراح يكيل له الضربات غير مبال بزجر الواقفين حتى غضب جبل فانقض عليه وقبض على عنقه بشدة وعبثاً حاول دعبس أن يتخلص من قبضة جبل فقال بصوت مبحوح :
- أتريد أن تقتلني كما قتلت قدرة؟!
فدفعه جبل بقوة فارتمى على الجدار وراح يحدق فيه بحنق وغيظ. وردد الرجال أبصارهم بين الرجلين، وتساءلوا أجبل حقاً الذي قتل قدرة؟ وقبله ضلمة، وصاح عتريس : " فلتحل بك البركة يا خير آل حمدان". وقال جبل لدعبس حانقاً :
- لم أقتله إلا دفاعاً عنك!
فقال دعبس بصوت منخفض :
- لكنك استحليت القتل.
فصاح ضلمة :
- يا لك من جاحد يا دعبس، اخجل من نفسك يا رجل.
ثم وهو يجذب جبل من ذراعه :
- ستنزل ضيفاً علي في شقتي..تعال يا سيد حمدان!
طاوع جبل يد ضلمة لكنه قد شعر بأن الهاوية التي انفتحت اليوم تحت قدميه لا قرار لها.
وهمس متسائلاً في أذنه وهما يسيران معاً :
- ألا يوجد سبيل إلى الهرب؟
فقال ضلمة باستنكار :
- أتخاف يا جبل أن يشي بك أحد إلى أعدائنا؟
- دعبس أحمق.
- نعم ولكنه ليس بالنذل!
- أخاف أن تثبت التهمة عليكم بسببي!
فقال ضلمة بثقة :
- سأدلك على طريق الهرب إذا أردته، ولكن أين تقصد؟
- الخلاء واسع لا يحيط به خاطر






_________________
avatar
ayamen omr
قائد المناره
قائد المناره

الجنس : انثى

الابراج : الدلو

الأبراج الصينية : الديك

عدد المساهمات : 126
نقاط : 7308
تاريخ الميلاد : 26/01/1993
العمر : 24
الموقع : علي ارض الفراعنه
العمل/الترفيه : مدير المنتدى
المزاج : ممتاز
طاقه التحمل :
70 / 10070 / 100

33و34

مُساهمة  ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 10:00 am




(33)
لم يتيسر الفرار لجبل إلا في الهزيع الأخير من الليل. جعل يتنقل من سطح إلى سطح في هدأة الليل، وفي رعاية النوم المترفق بالأجفان حتى وجد نفسه في الجمالية. ومضى رغم الظلام الحالك نحو الدراسة ثم مال نحو الخلاء متجها نحو صخرة هند وقدري، فلما بلغها على ضوء النجوم الخافت لم يعد بوسعه أن يغالب النوم من فرط ما نال منه الإعياء والسهر، فاستلقى على الرمال ملتفعاً بعباءته وغط في النوم. وفتح عينيه مع أول شعاع يضئ أعلى الصخرة، فقام من فوره كي يصل إلى الجبل قبل أن يعبر الخلاء عابر. لكن بصره انجذب نحو البقعة التي دفن فيها قدرة قبل أن يهم بالسير. ارتعدت فرائضه وهو ينظر إليها حتى جف ريقه ثم فر بنفسه وهو في ضيق شديد. ما قتل إلا مجرما، لكنه بدا كالمطارد وهو يبتعد عن قبره. قال لنفسه : " لم نُخلق لنقتل وإن فاق عدد قتلانا الحصر". وعجب لنفسه كيف لم مكاناً ينام فيه إلا المكان الذي دفن فيه قتيله! وشعر برغبته في الابتعاد تتضاعف، وأن عليه أن يودع إلى الأبد من يحب ومن يكره على السواء، أمه وحمدان والفتوات إلى الأبد.
وبلغ سفح المقطم ونفسه تفيض بالأسى والوحشة، وسار معه نحو الجنوب حتى بلغ سوق المقطم وسط الضحى. وألقى نظره طويلة إلى الخلاء وراءه وقال في شيء من الاطمئنان : "الآن بعد ما بيني وبينهم". وراح يتفحص سوق المقطم أمامه، ذلك الميدان الصغير الذي تصب فيه جملة حواري من جميع نواحيه، وتتصاعد من جنباته ضوضاء عالية تختلط فيها أصوات الآدميين بنهيق الحمير. وكان ثمة ما يدل على مولد يقام، لازدحام الميدان بالمارة والباعة والمجذوبين والدراويش والمهرجين رغم أن حركة المولد الحقيقية لا تبدأ قبل الغروب، ففلقت عيناه بين أمواج البشر المتلاطمة. ورأى عند حافة الخلاء كوخاً من الصفائح صنعت حوله مقاعد خشبية فبدا على حقارته أصلح مقهى في السوق وأحفله بالزبائن، فاتجه نحو مقعد خال وجلس بجسم اشتد حنينه إلى الراحة. وأقبل نحوه صاحب الكوخ محتفلا بمظهره المتميز بين الجلوس بعباءة فاخرة وعمامة عالية ومركوب ثمين فطلب قدح شاي وراح يتسلى بمتابعة الناس. وما لبث أن جذب سمعه ضوضاء اشتدت حول كشك حنفية الماء العمومية، رأى ناس يتزاحمون أمامها ليملأوا أوعيتهم بالماء، وكان التزاحم كالقتال عنفاً وضحايا، فارتفع الصخب وتهاوت اللعنات، ثم ندت صرخات رفيعة حادة من الوسط عن فتاتين غرقتا في لجة الزحام وراحتا تتراجعان لتنجوا بنفسيهما حتى خرجتا من المعترك بصفيحتين فارغتين. بدتا في جلبابين فاقعي الألوان ينسدلان على جسميهما من العنق حتى الكعبين ، فلم يظهر منهما إلا وجهان يزهر فيهما الشباب. مرت عيناه بأقصرهما دون توقف، ثم ثبتتا على الأخرى ذات العينين السوداوين فلم تتحولا عنها، أقبلتا نحو مكان خالي قريب من مجلسه فتبين من ملامحهما شبهاً أخوياً على تميز جاذبته بقسط أوفر من الحسن فقال جبل لنفسه منتشياً : "ما أبدع هذه الملاحة، لم تقع عينيي على مثلها في حارتنا". وقفتا تسويان ما تشعث من شعريهما وتعيدان الخمار إلى رأسيهما، ثم وضعتا الصفيحتين مقلوبتين وجلستا عليهما، والقصيرة تقول مشتكية :
- كيف نملأ الصفيحة في هذا الزحام؟
فقالت جاذبته :
- المولد أجارك الله! وأبونا ينتظر الآن غاضباً
فدخل جبل في الحديث دون وعي منه متسائلاً :
- لماذا لم يأتي بنفسه ليملأ الصفيحتين؟
فالتفتتا نحوه باحتجاج، ولكن منظره المتميز لم يخل من أثر مسكن فاكتفت فتاته بأن قالت :
- ما شأنك أنت! هل شكونا إليك؟
فسر جبل بخطابها وقال معتذراً :
- أردت أن أقول أن الرجل أقدر على اقتحام زحام المولد!
- هذا عملنا وله عما أشق.
فتساءل مبتسماً :
- ماذا يعما أبوك؟
- هذا ليس من شأنك.
وقام جبل غير مبال بالأعين المحدقة حوله، حتى وقف أمامهما وقال :
- سأملأ لكما الصفيحتين.
فقالت جاذبته وهي تدير عنه وجهها :
- لسنا في حاجة إليك!
ولكن القصيرة قالت بجرأة :
- افعل ولك الشكر.
وقامت وهي تشد الأخرى لتقوم معها، فتناول جبل الصفيحتين من مقبضيهما، وسار بجسمه القوي يشق الزحام، ويرتطم بالرجال، ويلاقي الجهد، حتى بلغ الحنفية التي يجلس وراءها الساقي في كشكه الخشبي، فنقده مليمين وملأ الصفيحتين وعاد بهما نحو موقف الفتاتين. وأزعجه أن يجد الفتاتين مشتبكتين مع بعض الشبان في معركة كلامية بسبب معاكستهم لهما، فوضع الصفيحتين على الأرض، وتصدى للشبان مهدداً. وتحرش به أحدهم ولكنه صرعه بضربة في صدره فتجمع الشبان للهجوم عليه وهم يسبونه، غير أن صوتاً غريباً صاح بهم :
- اذهبوا يا شين الرجال.
اتجهت الأبصار نحو رجل كهل، قصير مدمج الجسم، براق العينين، يشد جلبابه على وسطه بحزام فهتفوا خجلين : "المعلم البلقيطي" وسرعان ما تفرقوا وهم يرمقون جبل بحنق. ولاذت الفتاتان بالرجل والقصيرة تقول :
- اليوم عسير بسبب المولد وهؤلاء الأوغاد.
فقال البلقيطي يجيبها وهو يتفحص جبل :
- تذكرت المولد لتأخيركما فجئت، جئت في الوقت المناسب.
ثم خاطب جبل قائلاً :
- وأنت من أهل الشهامة وما أندرهم في أيامنا!
فقال جبل في حياء :
- ما هي إلا مساعدة تافهة لا تستحق شكراً :
في أثناء ذلك حملت الفتاتان الصفيحتين وغادرتا المكان صامتتين. ود جبل أن يملأ من المليحة عينيه ولكنه لم يجرؤ على نزعهما من عيني البلقيطي الحادتين. خيل إليه أن هذا الرجل يستطيع أن يرى الأعماق فخشى أن يقرأ رغائبه ولكن المعلم قال :
- دفعت عنهما الأشرار، أمثالك يستحقون الحب، وهؤلاء الشبان كيف تجرؤا على التحرش بأبناء البلقيطي؟ إنها البوظة! ألم تلحظ أنهم سكارى؟
فهز جبل رأسه نفياً فقال الآخر :
- إني أشم كالجن الأحمر، ما علينا ألا تعرفني؟
- كلا يا معلم، لم يحصل لي هذا الشرف.
فقال بثقة :
- إذن فأنت لست من هذه الناحية.
- بلى.
- أنا البلقيطي الحاوي.
وأضاء وجه جبل بنور التذكر المباغت فقال :
- حصل لنا الشرف، كثيرون يعرفونك في حارتنا.
- وما حارتكم؟
- حارة الجبلاوي.
فرفع البلقيطي حاجبيه الخفيفين الأبيضين وقال بصوت منغوم :
- أنعم وأكرم، من ذا الذي يجهل الجبلاوي صاحب الوقف؟ أو فتوتكم زقلط! وهل جئت للمولد يا معلم؟
- جبل.
ثم قال بمكر :
- جئت ابحث عن مقام جديد.
- هجرت حارتك؟
- نعم.
فاشتد تفحص البلقيطي له ثم قال :
- ما دام يوجد فتوات فلابد أن يوجد مهاجرون! ولكن خبرني أقتلت رجلا أم امرأة؟
فانقبض قلب جبل وقال بثبات :
- مزاحك ليس لطيفاً مثلك!
فضحك البلقيطي عن فم خرب وقال :
- لست من الرعاع الذين يعبث بهم الفتوات، ولا أنت من أهل السرقة، فمثلك لا يهاجر من حارته إلا بسبب القتل!
فقال جبل بحدة وضيق :
- قلت لك..
فقاطعه قائلاً :
- يا سيدي أنا لا يهمني أن تكون قاتلاً خاصة بعد أن ثبتت لي شهامتك، وما من رجل هنا إلا وقد سرق أو نهب أو قتل، ولكي تطمئن إلى صدق قولي فإني أدعوك إلى فنجان قهوة ونفسين في داري!
فعاود الأمل جبل وقال :
- حباً وشرفاً.
سارا جنباً إلى جنب يخترقان السوق نحو حارة قلة، وعندما خلفا الزحام وراءهما سأله البلقيطي :
- أكنت تقصد أحداً في حينا؟
- لا أعرف أحداً.
- ولا مأوى؟
- ولا مأوى.
فقال البلقيطي في انبساط :
- كن ضيفي إذا شئت حتى تجد لنفسك مأوى.
فرقص قلب جبل فرحاً وقال :
- ما أنبلك يا معلم بلقيطي.
فقال الرجل ضاحكاً :
- لا تعجب لذلك، في داري تقيم الثعابين والحيات فكيف تضيق عن إنسان؟! هل أفزعك قولي؟ إني حاوٍ وستعرف عندي كيف تستأنس الثعابين!
عبرا الحارة فانتهيا إلى خلاء لا يحد. ورأى جبل في مطلع الخلاء داراً صغيرة بعيدة عن الحارة. جدرانها أحجار غير مطلية، لكنها تعتبر جديدة بالقياس إلى بيوت حارة قلة المتداعية، فأشار البلقيطي إليها وقال بفخار :
- بيت البلقيطي الحاوي.



***************
(34)
ولما بلغا البيت قال البلقيطي :
- اخترت هذا المكان المنعزل لبيتي لأن الناس لا يرون في الحاوي إلا ثعباناُ كبيراً.
دخلا معاً إلى دهليز غير قصير يفضي في نهايته إلى حجرة مغلقة، على حين قامت على الجانبين حجرتان مغلقتان. وأردف البلقيطي وهو يشير إلى الغرفة المواجهة للداخل :
- في هذه الغرفة توجد أدوات العمل، الحي منها والجامد، لا تخش شيئاً فبابها محكم الإغلاق، أؤكد لك أن الثعابين أصلح للمعاشرة من أناس كثيرين، كالذين فررت منهم مثلاً!
ثم ضحك كاشفاً عن فيه الخرب وقال :
- الناس تخاف الثعابين، حتى الفتوات تخافها، أما أنا فأدين لها برزقي، وبفضلها أقمت في هذا البيت.
وأشار إلى الحجرة اليمنى وهو يقول :
- هنا تنام ابنتاي، ماتت أمهما من زمن تاركة إياي لشيخوخة لا تصلح للزواج من جديد (ثم أشار إلى اليسرى) وهنا سننام معاً.
وترامى صوت الفتاة القصيرة من سلم جانبي يصعد إلى السطح وهي تنادي :
- شفيقة، ساعديني في الغسيل ولا تقفي هكذا كالحجر بلا عمل.
فصاح البلقيطي :
- يا سيدة! صوتك سيوقظ الثعابين، وأنت يا شفيقة لا تقفي كالحجر!
اسمها شفيقة! ما أبدع المليحة! وزجرها غير الجارح. والشكر الصامت في عينيها السوداوين. من يخبرها بأنه ما قبل هذه الضيافة الخطيرة غلا من أجل عينيها؟
ودفع البلقيطي باب الحجرة اليسرى وأوسع لجبل حتى دخل ثم تبعه ورد الباب. ومضى الرجل إلى كنبة تمتد بطول الحجرة الصغيرة في جانبها الأيمن، متأبطاً ذراع جبل حتى جلسا معاً. وأحاط جبل بالحجرة بنظرة واحدة. فرأى فراشاً في الجانب الآخر مغطى ببطانية ترابية اللون، وفي أرض الحجرة فيما بين الفراش والكنبة حصيرة مزركشة تتوسطها صينية نحاس حال لونها من كثرة البقع، ويرقد وسطها موقد هرمي الرماد، مركونة إلى قائمة جوزة، وعلى مسطح حافته سيخ وكماشة وحفنة من معسل جاف. ولم يكن يرى من النافذة الوحيدة الموجودة إلا الخلاء والسماء الشاحبة وجدار شاهق داكن عن بعد من جدران المقطم، على حين ورد منها خلال الصمت المخيم زعيق راعية ونسائم مشبعة بحرارة الشمس الساطعة. وكان البلقيطي يتفحصه لحد المضايقة ففكر في أن يشغله عن نفسه بالحديث ولكن السقف فوقهما اهتز لوقع أقدام تمشي فوق السطح فاهتز قلب جبل. تخيل أول ما تخيل قدميها ففاض قلبه برغبة كريمة في أن تحل السعادة بالبيت ولو انطلقت ثعابينه، وقال لنفسه : " قد يغتالني هذا الرجل ويدفنني في الخلاء كما دفنت قدرة دون أن تدري فتاتي أني ضحيتها هي".
وأيقظه صوت البلقيطي وهو يسأله :
- هل لك عمل؟
فأجابه وهو يتذكر آخر نقود يمسكها في جيبه :
- سأجد عمل، أي عمل.
- لعلك في غير حاجة عاجلة إلى عمل؟
فداخله شيء من القلق لهذا السؤال وقال :
- بل يحسن بي أن أبحث عن عمل اليوم قبل الغد!
- لك جسم فتوات!
- لكني أكره العدوان!
فضحك البلقيطي وتساءل :
- ماذا كنت تعمل في الحارة؟
فتردد قليلاً ثم قال :
- كنت أعمل في إدارة الوقف.
- يا خبر اسود، وكيف تهجر هذا النعيم؟
- حظي!
- هل طمعت عينك في إحدى الهوانم؟
- اتق الله يا شيخ.
- إنك شديد الحذر، ولكنك ستأنس إلى سريعاً وتفضي لي بكل أسرارك.
- إن شاء الله.
- معك نقود.
فعاوده القلق لكنه لم يكشف عنه وقال ببراءة :
- عندي قليل منها لن يغني عن السعي.
فقال البلقيطي وهو يرمش :
- أنت ذكي كالعفاريت، ألا تدري أنك تصلح حاوياً؟ لعلنا نتعاون معاً، لا تدهش لقولي فإني عجوز في حاجة إلى المعين.
لم يأخذ قوله مأخذ الجد ولكنه كان مدفوعاً برغبة عميقة إلى توثيق صلته به، وهم بأن يتكلم ولكن الآخر بادره قائلاً :
- سنفكر في ذلك على مهل، أما الآن...
ونهض الرجل، ومال فوق الموقد فرفعه، ومضى به خارجاً كأنما ليشعله.
وقبيل العصر خرج الرجلان معاً، فمضى البلقيطي إلى تجواله، وقصد جبل السوق للفرجة والتسوق. وعاد مع المساء إلى الخلاء فاهتدى إلى البيت المنعزل على بصيص نور ينبعث من نافذة، ولما بلغ البيت ترامت إلى أذنيه أصوات محتدمة في نقاش فلم يملك إلا أن يصغي. فسمع سيدة تقول :
- إن صح ما تقوله يا أبي فإن وراءه جريمة ونحن لا قبل لنا بفتوات الحارة.
فقالت شفيقة :
- لا يبدو أنه مجرم!
فقال البلقيطي بسخرية واضحة :
- وهل عرفته لهذا الحد يا بنت الأفاعي؟
فقالت سيدة :
- لماذا يهرب من النعيم؟
فقالت شفيقة :
- ليس عجيباً أن يهرب الإنسان من حارة اشتهرت بكثرة فتواتها!
فتساءلت سيدة بسخرية :
- من أين أتتك هذه القدرة على معرفة الغيب؟
فقال البلقيطي متنهداً :
- معاشرة الثعابين جعلتني أنجب حيتين!
- أتستضيفه يا أبي وأنت لا تعلم عنه شيئاً؟
- عرفت عنه أشياء، وسأعرف كل شيء، لي عينان يعتمد عليهما عند الحاجة، ثم استضفته متأثراً بشهامته ولن أرجع عن رأيي.
ما كان يتردد عن الذهاب في غير هذا الظرف. ألم يهجر بيت النعيم بلا تردد؟ ولكنه يذعن للقوة التي تشده إلى هذا البيت..
وطرب منه الفؤاد حتى سكر لسماع الصوت الذي دافع عنه. صوت الحنان الذي بدل وحشة الليل والخلاء وجعل الهلال السابح فوق الجبل يبتسم كمن يزف بشرى في الظلام. ولبث ينتظر في الظلام، ثم سعل، واقبل الباب فطرقه، فتح الباب عن وجه البلقيطي الذي انعكس عليه ضوء المصباح في يده. وذهب الرجلان إلى حجرتهما، فجلس جبل بعد أن ترك فوق الصينية النحاس لفة جاء بها. ونظر البلقيطي إلى اللفة متسائلاً فقال جبل :
- تمر وجبن وحلاوة طحينية وطعمية ساخنة.
فابتسم البلقيطي، وجعل يشير إلى الجوزة تارة وإلى اللفة أخرى ويقول :
- خير الليل ما مضى بين هذا وذاك.
وربت كتفه متودداً وهو يتساءل :
- أليس كذلك يا ابن الوقف؟
وانقبض قلبه على رغمه، وتوالت على مخيلته صورة الهانم التي تبنته والحديقة الغناء بأعراش الياسمين والعصافير والمياه الجارية، والطمأنينة والسلام والأحلام الناعمة، دنيا النعيم الزائلة، حتى أوشكت الحياة أن تفسد. وإذا بموجة تدفع ذكرياته الغارقة في الأسى إلى بر الأمان، إلى هذه الصبية الودودة الطيبة، إلى القوة الساحرة التي تشده إلى بيت فيه وكر للثعابين، فقال بحماس غير متوقع كتوهج مصباح أثر هبة نسيم :
- ما أطيب الحياة في جوارك يا عم.







عدل سابقا من قبل ayamen omr في السبت مايو 18, 2013 10:12 am عدل 1 مرات


_________________